العدد : ١٧٦٧٦ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٦ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

العرب والتحدي الصهيوني.. نحو مراجعة تاريخية

بقلم: د. حسن نافعة {

الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

حين‭ ‬دخل‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ،‭ ‬عبر‭ ‬الانتداب‭ ‬البريطاني‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭ ‬عقب‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬أدرك‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أن‭ ‬عليه‭ ‬مواجهة‭ ‬احتلال‭ ‬مزدوج،‭ ‬أحدهما‭ ‬عسكري‭ ‬يجسده‭ ‬الاحتلال‭ ‬البريطاني،‭ ‬والآخر‭ ‬استيطاني‭ ‬تجسده‭ ‬الهجرة‭ ‬اليهودية‭ ‬التي‭ ‬راحت‭ ‬تتدفق‭ ‬بكثافة‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭ ‬تحت‭ ‬حماية‭ ‬البريطاني،‭ ‬وليس‭ ‬أمامه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬سوى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬قدراته‭ ‬الذاتية،‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬ثوراته‭ ‬المتعددة‭ ‬طوال‭ ‬مرحلة‭ ‬الانتداب،‭ ‬بدءاً‭ ‬بثورة‭ ‬‮«‬البراق‮»‬‭ (‬1929‭) ‬وانتهاءً‭ ‬بالثورة‭ ‬الكبرى‭ (‬1939-1936‭).‬

لكن‭ ‬حين‭ ‬تأسست‭ ‬‮«‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬إعلان‭ ‬قيام‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬إسرائيل‮»‬‭ ‬بثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬بدأ‭ ‬العمق‭ ‬العربي‭ ‬للنضال‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ضد‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬يظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬أكبر،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬‮«‬فلسطيني‭- ‬صهيوني‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬‮«‬عربي‭- ‬صهيوني‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬قضية‭ ‬تخص‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬تخص‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬ككل،‭ ‬شعوباً‭ ‬وحكومات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بالفعل‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تفاوت‭ ‬درجة‭ ‬الاهتمام‭ ‬العربي‭ ‬بهذا‭ ‬الصراع‭ ‬عبر‭ ‬مراحل‭ ‬تطوره‭ ‬المختلفة‭.‬

تنقسم‭ ‬الإدارة‭ ‬العربية‭ ‬للصراع‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭:‬

المرحلة‭ ‬الأولى‭: ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬تأسيس‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬واستمرت‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973،‭ ‬واتسمت‭ ‬بسمتين‭ ‬رئيسيتين،‭ ‬الأولى‭: ‬رفض‭ ‬مشروع‭ ‬تقسيم‭ ‬فلسطين‭ ‬عام‭ ‬1947،‭ ‬وعدم‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬بعد‭ ‬إعلان‭ ‬قيامه‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬عام‭ ‬1948،‭ ‬واعتباره‭ ‬كياناً‭ ‬غير‭ ‬شرعي‭ ‬ودخيلاً‭ ‬على‭ ‬المنطقة،‭ ‬ومقاطعته‭ ‬سياسياً‭ ‬واقتصادياً‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬والثانية‭: ‬اندلاع‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والمواجهات‭ ‬المسلحة‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬أعوام‭: ‬1948‭ ‬و1956‭ ‬و1967‭ ‬و1968‭-‬1970‭ (‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭) ‬و1973،‭ ‬كانت‭ ‬نتائجها‭ ‬كارثية‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬وأدت‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬من‭ ‬دويلة‭ ‬صغيرة‭ ‬معزولة‭ ‬إقليمياً‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬فعقب‭ ‬حرب‭ ‬48،‭ ‬توسع‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مساحته‭ ‬تتجاوز‭ ‬14000‭ ‬كم‭ ‬مربع‭ ‬بموجب‭ ‬قرار‭ ‬التقسيم،‭ ‬وتمكن‭ ‬من‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬أراضٍ‭ ‬فلسطينية‭ ‬إضافية‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬6000‭ ‬كم‭ ‬مربع،‭ ‬وأصبح‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬78‭% ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬مساحة‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية‭. ‬وعقب‭ ‬حرب‭ ‬1956‭ ‬تمكن‭ ‬الكيان‭ ‬من‭ ‬انتزاع‭ ‬حق‭ ‬المرور‭ ‬البحري‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬تيران،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬خسر‭ ‬الحرب‭ ‬سياسياً‭ ‬وأجبر‭ ‬على‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء‭ ‬التي‭ ‬احتلها‭ ‬عسكرياً‭. ‬وفي‭ ‬حرب‭ ‬1967،‭ ‬أصبح‭ ‬إجمالي‭ ‬مساحة‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬يزيد‭ ‬قليلاً‭ ‬على‭ ‬90000‭ ‬كم‭ ‬مربع،‭ ‬شملت‭ ‬كل‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية‭ ‬وشبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء‭ ‬المصرية‭ ‬وهضبة‭ ‬الجولان‭ ‬السورية،‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬ستة‭ ‬أضعاف‭ ‬مساحته‭ ‬الأصلية‭.‬

المرحلة‭ ‬الثانية‭: ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬حرب‭ ‬1973‭ ‬واستمرت‭ ‬حتى‭ ‬قبيل‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬،‭ ‬واتسمت‭ ‬بسمتين‭ ‬متناقضتين،‭ ‬الأولى‭: ‬تعدد‭ ‬معاهدات‭ ‬‮«‬السلام‮»‬‭ ‬واتفاقيات‭ ‬‮«‬التطبيع‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬إبرامها‭ ‬مع‭ ‬الكيان،‭ ‬شملت‭: ‬مصر‭ (‬1979‭) ‬و«منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‮»‬‭ (‬1993‭) ‬والأردن‭ (‬1994‭)‬،‭ ‬والثانية‭: ‬انتقال‭ ‬الصراع‭ ‬المسلح‭ ‬مع‭ ‬الكيان‭ ‬من‭ ‬أيدي‭ ‬الجيوش‭ ‬النظامية‭ ‬إلى‭ ‬فاعلين‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الدول‭ (‬‮«‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‮»‬‭ ‬وحماس‭ ‬والجهاد‭ ‬الإسلامي‭  ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬و«الحوثيين‮»‬‭  ‬في‭ ‬اليمن‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬اندلاع‭ ‬سلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والمواجهات‭ ‬المسلحة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬أسفرت‭ ‬عنها‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬فكانت‭ ‬مختلطة؛‭ ‬فالاندفاع‭ ‬نحو‭ ‬إبرام‭ ‬معاهدات‭ ‬الصلح‭ ‬والتسويات‭ ‬والصفقات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬مع‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬لم‭ ‬يسفر‭ ‬عن‭ ‬سلام‭ ‬حقيقي‭ ‬أو‭ ‬يضمن‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلة،‭ ‬بل‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التعنت‭ ‬واتجاه‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬نحو‭ ‬التطرف‭ ‬السياسي‭ ‬والديني‭. ‬

المرحلة‭ ‬الثالثة‭: ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬انطلاق‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬الذي‭ ‬أحدث‭ ‬زلزالاً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وفي‭ ‬العالم،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تداعياته‭ ‬وتفاعلاته‭ ‬مستمرة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭. ‬ورغم‭ ‬صعوبة‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالنتائج‭ ‬التي‭ ‬ستفضي‭ ‬إليها‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬سواء‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬مستقبل‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬الكيان‭ ‬أو‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬هيكل‭ ‬وموازين‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬فإنه‭ ‬يمكن‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬سيكون‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬بعدها،‭ ‬الأولى‭: ‬دخول‭ ‬الكيان‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬ومباشرة‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬وذلك‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الصراع،‭ ‬والثانية‭: ‬تمكن‭ ‬الكيان‭ ‬من‭ ‬جر‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للمشاركة‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬استهدفت‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭.‬

أخلص‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬السرد‭ ‬السريع‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬العربية‭ ‬للصراع‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬أخذت‭ ‬مسارات‭ ‬متعرجة‭ ‬وانطوت‭ ‬على‭ ‬تناقضات‭ ‬بنيوية‭ ‬أوصلت‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬مأزق‭ ‬يصعب‭ ‬الفكاك‭ ‬منه‭. ‬فحين‭ ‬اعتقد‭ ‬الرئيس‭ ‬السادات‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬حان‭ ‬لتوظيف‭ ‬الإنجاز‭ ‬العسكري‭ ‬الذي‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬73‭ ‬لتحقيق‭ ‬اختراق‭ ‬سياسي‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬مقبولة،‭ ‬بنى‭ ‬قراراته‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬زيارة‭ ‬القدس،‭ ‬على‭ ‬افتراضين‭ ‬خاطئين‭ ‬في‭ ‬تقديري،‭ ‬الأول‭: ‬أن‭ ‬حرب‭ ‬73‭ ‬أسقطت‭ ‬نظرية‭ ‬الأمن‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الكيان‭ ‬أصبح‭ ‬جاهزاً‭ ‬لتسوية‭ ‬سياسية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬معادلة‭ ‬‮«‬الأرض‭ ‬مقابل‭ ‬السلام‮»‬،‭ ‬والثاني‭: ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تملك‭ ‬99‭% ‬من‭ ‬أوراق‭ ‬الحل،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تحالف‭ ‬مصر‭ ‬معها،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬ثنائي‭ ‬القطبية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬سيشكل‭ ‬حافزاً‭ ‬كبيراً‭ ‬يغريها‭ ‬بإلقاء‭ ‬ثقلها‭ ‬وتوظيف‭ ‬نفوذها‭ ‬لدى‭ ‬الكيان‭ ‬للتوصل‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭ ‬مقبولة‭ ‬عربياً‭.‬

يشير‭ ‬تاريخ‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأخير‭ ‬لم‭ ‬ينسحب‭ ‬قط‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬احتلها‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬أجبر‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬عسكرياً،‭ ‬أو‭ ‬سياسياً،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬عام‭ ‬1956‭ ‬تحت‭ ‬ضغوط‭ ‬أمريكية‭ ‬مكثفة‭ ‬مارسها‭ ‬الجنرال‭ ‬‮«‬آيزنهاور‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬محددة،‭ ‬اتسمت‭ ‬بتصاعد‭ ‬المد‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬بزعامة‭ ‬مصر‭ ‬الناصرية‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وتصاعد‭ ‬حدة‭ ‬الاستقطاب‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬ثنائي‭ ‬القطبية،‭ ‬وهي‭ ‬ظروف‭ ‬لم‭ ‬تتكرر‭ ‬مطلقاً‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬لاحقة‭. ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬الاندفاع‭ ‬العربي‭ ‬نحو‭ ‬التسوية‭ ‬السياسية‭ ‬كافياً‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬لإغراء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بممارسة‭ ‬ضغوط‭ ‬على‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬لإجبارها‭ ‬على‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬المحتلة،‭ ‬أو‭ ‬للتوصل‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مبادلة‭ ‬الأرض‭ ‬بالسلام،‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬أي‭ ‬رئيس‭ ‬أمريكي‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬بمثل‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬‮«‬آيزنهاور‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1956،‭ ‬رغم‭ ‬توافر‭ ‬فرص‭ ‬عديدة‭ ‬أتيحت‭ ‬أمام‭ ‬مختلف‭ ‬الرؤساء‭ ‬الأمريكيين‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬عقب‭ ‬زيارة‭ ‬السادات‭ ‬للقدس‭ ‬عام‭ ‬1977،‭ ‬وعقب‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬تحرير‭ ‬الكويت‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬وعقب‭ ‬تبني‭ ‬قمة‭ ‬بيروت‭ ‬مبادرة‭ ‬السلام‭ ‬العربية‭ ‬عام‭ ‬2002‭.. ‬إلخ‭.‬

والواقع‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬لن‭ ‬ينسحب‭ ‬قط‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬احتلها‭ ‬عام‭ ‬1967،‭ ‬بل‭ ‬يستعد‭ ‬الآن‭ ‬لإعلان‭ ‬قيام‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬مرحلتين،‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭: ‬ستشمل‭ ‬ضم‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة،‭ ‬والشروع‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المستوطنات‭ ‬في‭ ‬‮«‬المناطق‭ ‬الأمنية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يحتلها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬وسوريا،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬في‭ ‬مجموعها‭ ‬عن‭ ‬1000‭ ‬كم‭ ‬مربع‭. ‬

أما‭ ‬المرحلة‭ ‬التالية‭ ‬فستشمل‭: ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬التهجير‭ ‬القسري‭ ‬لفلسطينيي‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬سيناء،‭ ‬والتهجير‭ ‬القسري‭ ‬لفلسطينيي‭ ‬الضفة‭ ‬إلى‭ ‬الأردن‭. ‬أما‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الهيكل‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬وهي‭ ‬خطوة‭ ‬أساسية‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬إعلان‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬،‭ ‬فيتوقع‭ ‬أن‭ ‬يشرع‭ ‬الكيان‭ ‬في‭ ‬تنفيذها‭ ‬فور‭ ‬نجاح‭ ‬محاولاته‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬وهي‭ ‬المحاولات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬التخلي‭ ‬عنها‭ ‬بعد،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الأمريكي‭.‬

في‭ ‬سياق‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬تبدو‭ ‬الحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬عربية‭ ‬جديدة‭ ‬لإدارة‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني،‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬بديهية‭ ‬مفادها‭ ‬أننا‭ ‬إزاء‭ ‬مشروع‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭ ‬جغرافية‭ ‬واضحة‭ ‬المعالم‭ ‬ونهائية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فهو‭ ‬مشروع‭ ‬يمتلك‭ ‬ديناميكية‭ ‬ذاتية‭ ‬للتوسع‭ ‬المستمر،‭ ‬وسوف‭ ‬يواصل‭ ‬توسعه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬حدود‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬لقواته‭ ‬العسكرية‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭. ‬

ولذا،‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬باعتباره‭ ‬مصدر‭ ‬التهديد‭ ‬الرئيسي‭ ‬للدول‭ ‬العربية‭ ‬كافة،‭ ‬مجتمعة‭ ‬ومنفردة‭. ‬لذا،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬إدارة‭ ‬عربية‭ ‬رشيدة‭ ‬للصراع‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬تتطلب‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬الدفع‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬عبر‭ ‬تكثيف‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬الجماعي‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي‭ ‬واستغلال‭ ‬كل‭ ‬أوراق‭ ‬الضغط‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا