مرت قبل أيام الذكري الثامنة عشرة لرحيل شاعر المقاومة الفلسطيني محمود درويش، الذي عاش سنواته الأخيرة وهو يرى شعره على مواقع الإنترنت، ورغم شكواه المتكررة من قرصنة أعماله؛ فإنه سعد كثيرًا بتواصل الفرق الموسيقية معه لكي تقدم أشعاره في معالجات مختلفة تضيف إلى تجاربه مع مارسيل خليفة أو مع الفرقة الموسيقية الفلسطينية الثلاثي جبران.
بعض هذه التجارب لا تزال صامدة، متواصلة بلا انقطاع، وبالطريقة التي أراد من خلالها جعل شعره قرب راحة اليد، كما كان يحلم دائمًا. وخلال الأعوام الثلاثة الأخيرة أسهم تردي الأوضاع في الأراضي الفلسطينية في تحويل شعر درويش إلى خبز يومي، بعد أن اختفى الخبز الحقيقي.
لم يعد أمام المهتمين بمآلات هذه القضية المصيرية سوى شعره الذي لم يخفت أو يتراجع، بل لا يزال أداة من أدوات المقاومة ونصًا فاعلًا في بناء السردية الفلسطينية وهي تتحول من زمن النكبة إلى زمن الإبادة.
رغم كل ما يقال عن عزلة الشعر، فإن شعر درويش تحول إلى ظاهرة، وغالبًا ما يتم استدعاؤه بلا انقطاع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويتجلى في كل الفنون البصرية وعبر الجداريات ومختلف الوسائط الرقمية، وبالصورة التي تمنح شعره سمة أيقونية لم تتوافر لغيره من الشعراء.
كما أن الزمن لا يخصم من رصيده لدى القراء، بل تأتي له الأيام بقراء ودارسين جدد يضيئون مناطق جديدة في شعره، ويسلطون الضوء على محطات مهمة من حياته.
وبعد سنوات طويلة من العمل الشاق ينضم الناقد الأردني البارز الدكتور خليل الشيخ إلى دارسي درويش بكتابه المهم الذي أصدره بعنوان «سردية محمود درويش الشعرية» ويبحث فيه سيرة الشاعر، متأملًا الكيفية التي تحول بها شعره إلى جزء فاعل في بناء السردية الفلسطينية.
يرى الكتاب أن السرود الكبرى توظف دائمًا لبناء الهوية وتأكيدها، ومن ثم جاءت قصيدة درويش لتعلي من دور الكتابة، بل جعلتها شرطًا لوراثة أرض الكلام وامتلاك المعنى، ربما لذلك ظل الشاعر يكرر أن الأرض تورث اللغة، وكثيرًا ما بدأ أمسياته بتعبيره الشهير «أنا لغتي».
الكتاب الذي صدر مؤخرًا عن الجامعة الأمريكية في بيروت يعد أحد أهم الكتب التي صدرت عن الشاعر الراحل، وربما أضخمها على الإطلاق.
لم يترك صاحبه ورقة حول الشاعر إلا وعاد إليها، وانتهي إلى كتابة سفر نادر يربط سيرة درويش بالتحولات الفنية التي تجلت في شعره على امتداد تجربته الفنية التي تزيد على نصف قرن، وأهم من ذلك أن المؤلف ربط تلك التحولات بسيرة الشاعر مع المدن والمنافي التي عاش فيها باحثا في الكيفية التي انعكست آثارها في شعره.
أهم من ذلك، أن الناقد الدكتور خليل الشيخ بروح الأستاذ الجامعي تمكن من تيسير معارفه وأفاض في التعبير عن قضايا نظرية كبري بلغة نقدية واضحة وناصعة يمكن لأي قارئ أن يتواصل معها من دون اضطراب أو وجل.
خلت لغة الكتاب من الرطان النقدي الجاف والمغلق الذي لا يمكن القراء من استيعاب المضمون الجمالي الذي يسعي الناقد من خلاله لفك شفرات النصوص وتشكيل جدارية متكاملة حول الشاعر، تتقاطع فيها الخطوط والعلامات الإرشادية التي تقود إلى اكتشاف عالمه الشعري من دون ارتباك.
يقوم تناول خليل الشيخ لشعر درويش على قنص لمحات نقدية لامعة تتأمل حضور الأنهار أو البحار في القصائد أو تفسر تعامل الشاعر مع الرموز والأساطير الحضارية والدينية التي تأتي على نحو متفرد في قصائده، كما يفتح بابًا جديدًا يسميه «سرود الشخصيات» لدى درويش، وهو تناول يختلف عما رصده الآخرون حول مرثيات الشاعر الراحل.
يرصد الكتاب 10 شخصيات استمدت حياة جديدة في شعره، منها: إميل حبيبي وأمل دنقل ونزار قباني ويانيس ريتسوس وصديقه سليم بركات. ورغم أن القصائد التي كتبها درويش مهداة لهؤلاء قامت على استعادة تفاصيل شخصية فإنها كانت تصب داخل الحكاية الكبري التي ينتمي درويش إليها ويستثمر فيها.
يلح الشيخ كثيرًا في كتابه المهم على تفاعل سردية الذات مع الآخر، وهو مفهوم مركزي في شعر درويش الذي يقوم على تأمل أدوار أفراد العائلة، لكنه امتد ليشمل حبيبته ريتا التي اكتسبت رمزية قائمة إلى الآن، لكن الكتاب يخلص هذه الشخصية من الأساطير التي علقت بها في السرديات الشائعة، كما يضيء ما عاشه درويش مع صديقته شولميت التي يرى المؤلف أنها الشخصية الشارحة لريتا، لكنها أكثر منها تعقيدًا، والعلاقة معها أقرب إلى ما طرحه شكسبير في «ترويض النمرة».
وفي السياق تأتي قراءة خليل الشيخ لصورة الجندي الإسرائيلي في شعر محمود درويش، منتصرًا لما أكده درويش في قصيدته (حالة حصار) لما تساءل متعجبًا: «ما هكذا تستعاد الهوية؟» ليبين أن دور الضحية الذي يتبناه الإسرائيلي يتناقض تمامًا مع سلوكياته.
يقرأ الفصل الأخير من الكتاب السنوات الأخيرة التي تجلى فيها الألم الشخصي للشاعر حين بدأت مراوغاته مع هاجس الموت، كما في قصيدته الخالدة (جدارية) التي تشتبك مع الموت وتشيد في الوقت نفسه عالمًا يتكئ على أكثر من ميثولوجيا في عملية صهر حقيقية لقطع من ألماس انتهت إلى كتابة حافلة بالترصيع أكثر من أي شكل آخر.
لا يبدو كتاب الدكتور خليل الشيخ بعيدًا عن فكرة الترصيع، فمهمة الناقد هنا تماثل مهمة الجواهرجي أو الصائغ الذي يجيد استخلاص المعاني المستبطنة وتأملها استنادًا إلى معرفة عميقة تقود إلى قراءة واستبطان لمعانٍ ودلالات جديدة، فمهمة الناقد هي الفرز أكثر من أي شيء آخر.
{ رئيس تحرير جريدة «القاهرة» الثقافية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك