العدد : ١٧٦٧٦ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٦ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

التأجيل والنهايات.. تأملات في مشوار الحياة

بقلم: سعدية مفرح {

الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬أحد‭ ‬ينهض‭ ‬من‭ ‬مقعده‭ ‬بعد‭ ‬لقاء‭ ‬عادي‭ ‬وهو‭ ‬يظنّ‭ ‬أنّه‭ ‬أغلق‭ ‬فصلاً‭ ‬كاملاً‭ ‬من‭ ‬حياته‭. ‬نلوّح‭ ‬بأيدينا،‭ ‬ونؤجّل‭ ‬كلاماً،‭ ‬ونؤخّر‭ ‬اعتذاراً،‭ ‬ونعد‭ ‬بزيارة‭ ‬قريبة،‭ ‬ثمّ‭ ‬تمضي‭ ‬الأيّام‭ ‬لنكتشف‭ ‬أنّ‭ ‬ذلك‭ ‬الباب‭ ‬قد‭ ‬أُغلق‭ ‬إلى‭ ‬الأبد،‭ ‬وأنّنا‭ ‬كنّا‭ ‬نعيش‭ ‬لحظاتنا‭ ‬الأخيرة‭ ‬مع‭ ‬شخص‭ ‬أحببناه،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يخبرنا‭ ‬أحدٌ‭ ‬أنّها‭ ‬الأخيرة‭.‬

لهذا‭ ‬تبدو‭ ‬النهايات‭ ‬قاسية،‭ ‬لأنّها‭ ‬تصل‭ ‬متخفّية‭. ‬لا‭ ‬تحمل‭ ‬لافتةً،‭ ‬ولا‭ ‬ترسل‭ ‬إشعاراً،‭ ‬ولا‭ ‬تمنحنا‭ ‬مهلةً‭ ‬لنرتّب‭ ‬مشاعرنا‭. ‬آخر‭ ‬مكالمة‭ ‬تبدو‭ ‬مكالمةً‭ ‬عاديةً،‭ ‬وآخر‭ ‬فنجان‭ ‬قهوة‭ ‬يبدو‭ ‬مثل‭ ‬عشرات‭ ‬الأكواب‭ ‬التي‭ ‬سبقته،‭ ‬وآخر‭ ‬ضحكة‭ ‬تمرّ‭ ‬خفيفة،‭ ‬ثمّ‭ ‬تذوب‭ ‬في‭ ‬الهواء،‭ ‬ثمّ‭ ‬تتحوّل‭ ‬بعد‭ ‬الغياب‭ ‬إلى‭ ‬أثر‭ ‬لا‭ ‬يُقدَّر‭ ‬بثمن‭.‬

بعد‭ ‬الرحيل،‭ ‬يبدأ‭ ‬العقل‭ ‬عمله‭ ‬المُرهِق‭. ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الأحداث‭ ‬الكبيرة‭. ‬يتذكّر‭ ‬الجملة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يقلها،‭ ‬والكلمة‭ ‬التي‭ ‬قيلت‭ ‬بحدّةٍ،‭ ‬والرسالة‭ ‬التي‭ ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬المسوَّدات،‭ ‬والاتصال‭ ‬الذي‭ ‬أُجّل‭ ‬لأنّ‭ ‬الوقت‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مناسباً،‭ ‬والزيارة‭ ‬التي‭ ‬أُلغيت‭ ‬بحجّة‭ ‬الانشغال‭. ‬عندها‭ ‬يتغيّر‭ ‬ترتيب‭ ‬الأشياء‭. ‬يصبح‭ ‬ما‭ ‬ظننّاه‭ ‬هامشياً‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬الحكاية‭ ‬كلّها‭.‬

الغريب‭ ‬أنّنا‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬العلاقات‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنّها‭ ‬تمتلك‭ ‬عمراً‭ ‬مضموناً،‭ ‬نتصرّف‭ ‬بثقة‭ ‬زائدة،‭ ‬ونؤجّل‭ ‬اللقاء‭ ‬إلى‭ ‬الأسبوع‭ ‬المقبل،‭ ‬والحديث‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬أخرى،‭ ‬والاعتذار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تهدأ‭ ‬النفوس،‭ ‬وكأنّ‭ ‬المستقبل‭ ‬اتّفاق‭ ‬مكتوب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يختلّ‭. ‬ثمّ‭ ‬تأتي‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬لتسقط‭ ‬هذا‭ ‬الوهم‭ ‬كلّه،‭ ‬ونفهم‭ ‬متأخّرين‭ ‬أنّ‭ ‬الحياة‭ ‬لم‭ ‬تقدّم‭ ‬لأحدٍ‭ ‬وعداً‭ ‬باللقاء‭ ‬المقبل‭.‬

كم‭ ‬من‭ ‬ابن‭ ‬قال‭ ‬لأمّه‭: ‬سأزورك‭ ‬غداً،‭ ‬ثمّ‭ ‬جاء‭ ‬الغد‭ ‬وقد‭ ‬سبقته‭ ‬جنازة‭. ‬وكم‭ ‬من‭ ‬صديق‭ ‬أغلق‭ ‬هاتفه‭ ‬لأنّه‭ ‬متعب،‭ ‬ثمّ‭ ‬ظلّ‭ ‬ذلك‭ ‬الرقم‭ ‬صامتاً‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬وكم‭ ‬من‭ ‬أب‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬بيته‭ ‬معتقداً‭ ‬أنّه‭ ‬سيعود‭ ‬مساءً،‭ ‬فبقيت‭ ‬سترته‭ ‬معلّقةً‭ ‬تنتظر‭ ‬صاحباً‭ ‬لن‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭. ‬ليست‭ ‬هذه‭ ‬حكايات‭ ‬استثنائية،‭ ‬وإنّما‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬السيرة‭ ‬اليومية‭ ‬للبشر،‭ ‬ولهذا‭ ‬تؤلمنا‭ ‬جميعاً،‭ ‬لأنّ‭ ‬كلّ‭ ‬واحد‭ ‬منّا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬وجهاً‭ ‬يعرفه‭ ‬داخلها‭.‬

أكثر‭ ‬ما‭ ‬يوجع‭ ‬في‭ ‬الفقد‭ ‬أنّ‭ ‬الذاكرة‭ ‬لا‭ ‬تحفظ‭ ‬المشاهد‭ ‬كما‭ ‬حدثت،‭ ‬وإنّما‭ ‬تعيد‭ ‬كتابتها‭ ‬بعد‭ ‬الغياب‭. ‬فجأةً،‭ ‬يصبح‭ ‬العناق‭ ‬الذي‭ ‬مرّ‭ ‬سريعاً‭ ‬أقصر‭ ‬ممّا‭ ‬ينبغي،‭ ‬وتصبح‭ ‬الضحكة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬ننتبه‭ ‬إليها‭ ‬كنزاً،‭ ‬ويغدو‭ ‬الصمت‭ ‬الذي‭ ‬رافق‭ ‬الجلسة‭ ‬سؤالاً‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭. ‬حتّى‭ ‬الأشياء‭ ‬الجامدة‭ ‬تتغيّر‭ ‬مكانتها‭. ‬كوب‭ ‬قهوة‭ ‬لم‭ ‬يُغسل،‭ ‬كتاب‭ ‬بقي‭ ‬مفتوحاً‭ ‬عند‭ ‬صفحة‭ ‬معيّنة،‭ ‬نظارة‭ ‬على‭ ‬الطاولة،‭ ‬معطف‭ ‬خلف‭ ‬الباب‭.. ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬شاهد‭ ‬صامت‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬كانت‭ ‬هنا،‭ ‬ثمّ‭ ‬مضت‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ليست‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬جهلنا‭ ‬بالنهايات‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنّما‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬اعتدنا‭ ‬فيها‭ ‬تأجيل‭ ‬الحياة‭ ‬نفسها‭. ‬نؤجّل‭ ‬الامتنان‭ ‬لأنّنا‭ ‬نظنّ‭ ‬أنّ‭ ‬الوقت‭ ‬يتّسع،‭ ‬ونؤجّل‭ ‬الاعتذار‭ ‬لأنّ‭ ‬الكبرياء‭ ‬يبدو‭ ‬أقلّ‭ ‬كلفةً‭ ‬من‭ ‬المبادرة،‭ ‬ونؤجّل‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬المحبّة‭ ‬لأنّ‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر،‭ ‬في‭ ‬ظنّنا،‭ ‬يعرفها،‭ ‬وكأنّ‭ ‬المعرفة‭ ‬تغني‭ ‬عن‭ ‬سماعها‭. ‬والحقيقة‭ ‬أنّ‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُقال‭ ‬تموت‭ ‬قبل‭ ‬أصحابها‭ ‬أحياناً‭.‬

ربّما‭ ‬لو‭ ‬عرفنا‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬هي‭ ‬الأخيرة‭ ‬لبقينا‭ ‬دقائق‭ ‬إضافية‭.. ‬وربّما‭ ‬لو‭ ‬عرفنا‭ ‬أنّ‭ ‬تلك‭ ‬المكالمة‭ ‬لن‭ ‬تتكرّر‭ ‬لما‭ ‬أنهيناها‭ ‬على‭ ‬عجل‭.. ‬وربّما‭ ‬لو‭ ‬عرفنا‭ ‬أنّ‭ ‬تلك‭ ‬الضحكة‭ ‬ستصبح‭ ‬ذكرى‭ ‬لحاولنا‭ ‬أن‭ ‬نحفظها‭ ‬في‭ ‬قلوبنا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حفظها‭ ‬في‭ ‬هواتفنا‭. ‬لكنّنا‭ ‬لا‭ ‬نعرف،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬طبيعة‭ ‬الحياة،‭ ‬وهذا‭ ‬أيضاً‭ ‬سرّ‭ ‬جمالها‭ ‬وخوفها‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

لهذا‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬النهايات،‭ ‬وإنّما‭ ‬في‭ ‬معاملة‭ ‬كلّ‭ ‬لقاء‭ ‬بما‭ ‬يستحقّه‭ ‬من‭ ‬حضور‭. ‬أن‭ ‬ننظر‭ ‬حقّاً‭ ‬إلى‭ ‬الوجوه‭ ‬التي‭ ‬تجلس‭ ‬أمامنا،‭ ‬وأن‭ ‬نصغي‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬استعجال،‭ ‬وأن‭ ‬نخفّف‭ ‬من‭ ‬انشغالنا‭ ‬الدائم‭ ‬بما‭ ‬ينتظرنا‭ ‬بعد‭ ‬ساعة‭ ‬أو‭ ‬غداً‭ ‬أو‭ ‬الأسبوع‭ ‬المقبل‭. ‬فما‭ ‬نؤجّله‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬موعداً‭ ‬آخر‭.‬

أحياناً‭ ‬نبالغ‭ ‬في‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالمناسبات‭ ‬الكبيرة،‭ ‬وننسى‭ ‬أنّ‭ ‬الحياة‭ ‬تُبنى‭ ‬من‭ ‬أيّام‭ ‬عادية‭. ‬أجمل‭ ‬الذكريات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬حفلات‭ ‬استثنائية،‭ ‬وإنّما‭ ‬حول‭ ‬مائدة‭ ‬غداء‭ ‬عائلية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬طويل‭ ‬بالسيّارة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬عابر‭ ‬على‭ ‬الرصيف‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬فنجان‭ ‬قهوة‭ ‬امتدّ‭ ‬أكثر‭ ‬قليلاً‭ ‬لأنّ‭ ‬أحداً‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مستعجلاً‭. ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬بدت‭ ‬عاديّةً‭ ‬جدّاً‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تكتسب‭ ‬قيمتها‭ ‬الحقيقية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬مستحيلةً‭.‬

لذلك‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭: ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬عرفنا‭ ‬أنّها‭ ‬المرّة‭ ‬الأخيرة؟‭ ‬لأنّنا‭ ‬لن‭ ‬نعرف‭ ‬أبداً‭. ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يستحقّ‭ ‬أن‭ ‬يرافقنا‭ ‬كلّ‭ ‬صباح‭ ‬هو‭: ‬لماذا‭ ‬ننتظر‭ ‬النهاية‭ ‬حتّى‭ ‬نمنح‭ ‬الآخرين‭ ‬ما‭ ‬كانوا‭ ‬يستحقّونه‭ ‬منذ‭ ‬البداية؟‭ ‬لماذا‭ ‬نبخل‭ ‬بكلمة‭ ‬طيّبة‭ ‬ثمّ‭ ‬نغرق‭ ‬في‭ ‬الندم‭ ‬عليها؟‭ ‬ولماذا‭ ‬نتصرّف‭ ‬وكأنّ‭ ‬الأحبّة‭ ‬يقيمون‭ ‬معنا‭ ‬بعقود‭ ‬دائمة،‭ ‬مع‭ ‬أنّ‭ ‬الحياة‭ ‬كلّها‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الاحتمال؟

ربّما‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نهزم‭ ‬الفقد،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬نؤجّل‭ ‬الغياب،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬نمنع‭ ‬الصفحة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬الوصول‭. ‬لكنّنا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نخفّف‭ ‬قسوة‭ ‬الذكريات‭. ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نجعل‭ ‬آخر‭ ‬مكالمة‭ ‬دافئة،‭ ‬وآخر‭ ‬لقاء‭ ‬ممتلئاً‭ ‬بالاهتمام،‭ ‬وآخر‭ ‬وداع‭ ‬خالياً‭ ‬من‭ ‬الجفاء،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬أنّه‭ ‬الوداع‭ ‬الأخير‭. ‬وهذه‭ ‬وحدها‭ ‬طريقة‭ ‬عادلة‭ ‬للعيش‭: ‬أن‭ ‬نعامل‭ ‬كلّ‭ ‬لحظة‭ ‬وكأنّها‭ ‬تستحقّ‭ ‬أن‭ ‬تُحفظ،‭ ‬لأنّ‭ ‬الحياة،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬تخبر‭ ‬أحداً‭ ‬متى‭ ‬يكتب‭ ‬السطر‭ ‬الأخير‭.‬

 

{ شاعرة‭ ‬وكاتبة‭ ‬كويتية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا