لا أحد ينهض من مقعده بعد لقاء عادي وهو يظنّ أنّه أغلق فصلاً كاملاً من حياته. نلوّح بأيدينا، ونؤجّل كلاماً، ونؤخّر اعتذاراً، ونعد بزيارة قريبة، ثمّ تمضي الأيّام لنكتشف أنّ ذلك الباب قد أُغلق إلى الأبد، وأنّنا كنّا نعيش لحظاتنا الأخيرة مع شخص أحببناه، من غير أن يخبرنا أحدٌ أنّها الأخيرة.
لهذا تبدو النهايات قاسية، لأنّها تصل متخفّية. لا تحمل لافتةً، ولا ترسل إشعاراً، ولا تمنحنا مهلةً لنرتّب مشاعرنا. آخر مكالمة تبدو مكالمةً عاديةً، وآخر فنجان قهوة يبدو مثل عشرات الأكواب التي سبقته، وآخر ضحكة تمرّ خفيفة، ثمّ تذوب في الهواء، ثمّ تتحوّل بعد الغياب إلى أثر لا يُقدَّر بثمن.
بعد الرحيل، يبدأ العقل عمله المُرهِق. يعود إلى التفاصيل الصغيرة أكثر ممّا يعود إلى الأحداث الكبيرة. يتذكّر الجملة التي لم يقلها، والكلمة التي قيلت بحدّةٍ، والرسالة التي بقيت في خانة المسوَّدات، والاتصال الذي أُجّل لأنّ الوقت لم يكن مناسباً، والزيارة التي أُلغيت بحجّة الانشغال. عندها يتغيّر ترتيب الأشياء. يصبح ما ظننّاه هامشياً هو جوهر الحكاية كلّها.
الغريب أنّنا نتعامل مع العلاقات كما لو أنّها تمتلك عمراً مضموناً، نتصرّف بثقة زائدة، ونؤجّل اللقاء إلى الأسبوع المقبل، والحديث إلى مناسبة أخرى، والاعتذار إلى أن تهدأ النفوس، وكأنّ المستقبل اتّفاق مكتوب لا يمكن أن يختلّ. ثمّ تأتي لحظة واحدة لتسقط هذا الوهم كلّه، ونفهم متأخّرين أنّ الحياة لم تقدّم لأحدٍ وعداً باللقاء المقبل.
كم من ابن قال لأمّه: سأزورك غداً، ثمّ جاء الغد وقد سبقته جنازة. وكم من صديق أغلق هاتفه لأنّه متعب، ثمّ ظلّ ذلك الرقم صامتاً إلى الأبد. وكم من أب خرج من بيته معتقداً أنّه سيعود مساءً، فبقيت سترته معلّقةً تنتظر صاحباً لن يفتح الباب مرّة أخرى. ليست هذه حكايات استثنائية، وإنّما جزءا من السيرة اليومية للبشر، ولهذا تؤلمنا جميعاً، لأنّ كلّ واحد منّا يستطيع أن يرى وجهاً يعرفه داخلها.
أكثر ما يوجع في الفقد أنّ الذاكرة لا تحفظ المشاهد كما حدثت، وإنّما تعيد كتابتها بعد الغياب. فجأةً، يصبح العناق الذي مرّ سريعاً أقصر ممّا ينبغي، وتصبح الضحكة التي لم ننتبه إليها كنزاً، ويغدو الصمت الذي رافق الجلسة سؤالاً لا ينتهي. حتّى الأشياء الجامدة تتغيّر مكانتها. كوب قهوة لم يُغسل، كتاب بقي مفتوحاً عند صفحة معيّنة، نظارة على الطاولة، معطف خلف الباب.. كلّ شيء يتحوّل إلى شاهد صامت على حياة كانت هنا، ثمّ مضت.
ومع ذلك، ليست المشكلة في جهلنا بالنهايات وحدها، وإنّما في الطريقة التي اعتدنا فيها تأجيل الحياة نفسها. نؤجّل الامتنان لأنّنا نظنّ أنّ الوقت يتّسع، ونؤجّل الاعتذار لأنّ الكبرياء يبدو أقلّ كلفةً من المبادرة، ونؤجّل التعبير عن المحبّة لأنّ الطرف الآخر، في ظنّنا، يعرفها، وكأنّ المعرفة تغني عن سماعها. والحقيقة أنّ الكلمات التي لا تُقال تموت قبل أصحابها أحياناً.
ربّما لو عرفنا أنّ هذه الزيارة هي الأخيرة لبقينا دقائق إضافية.. وربّما لو عرفنا أنّ تلك المكالمة لن تتكرّر لما أنهيناها على عجل.. وربّما لو عرفنا أنّ تلك الضحكة ستصبح ذكرى لحاولنا أن نحفظها في قلوبنا أكثر من حفظها في هواتفنا. لكنّنا لا نعرف، وهذه هي طبيعة الحياة، وهذا أيضاً سرّ جمالها وخوفها في آن واحد.
لهذا لا تبدو الحكمة في البحث عن النهايات، وإنّما في معاملة كلّ لقاء بما يستحقّه من حضور. أن ننظر حقّاً إلى الوجوه التي تجلس أمامنا، وأن نصغي من غير استعجال، وأن نخفّف من انشغالنا الدائم بما ينتظرنا بعد ساعة أو غداً أو الأسبوع المقبل. فما نؤجّله اليوم قد لا يجد موعداً آخر.
أحياناً نبالغ في الاحتفاء بالمناسبات الكبيرة، وننسى أنّ الحياة تُبنى من أيّام عادية. أجمل الذكريات لم تكن في حفلات استثنائية، وإنّما حول مائدة غداء عائلية أو في طريق طويل بالسيّارة أو في حديث عابر على الرصيف أو في فنجان قهوة امتدّ أكثر قليلاً لأنّ أحداً لم يكن مستعجلاً. تلك اللحظات التي بدت عاديّةً جدّاً هي التي تكتسب قيمتها الحقيقية بعد أن تصبح مستحيلةً.
لذلك لا أعتقد أنّ السؤال الأهم هو: ماذا لو عرفنا أنّها المرّة الأخيرة؟ لأنّنا لن نعرف أبداً. السؤال الذي يستحقّ أن يرافقنا كلّ صباح هو: لماذا ننتظر النهاية حتّى نمنح الآخرين ما كانوا يستحقّونه منذ البداية؟ لماذا نبخل بكلمة طيّبة ثمّ نغرق في الندم عليها؟ ولماذا نتصرّف وكأنّ الأحبّة يقيمون معنا بعقود دائمة، مع أنّ الحياة كلّها قائمة على الاحتمال؟
ربّما لا نستطيع أن نهزم الفقد، ولا أن نؤجّل الغياب، ولا أن نمنع الصفحة الأخيرة من الوصول. لكنّنا نستطيع أن نخفّف قسوة الذكريات. نستطيع أن نجعل آخر مكالمة دافئة، وآخر لقاء ممتلئاً بالاهتمام، وآخر وداع خالياً من الجفاء، من غير أن نعرف أنّه الوداع الأخير. وهذه وحدها طريقة عادلة للعيش: أن نعامل كلّ لحظة وكأنّها تستحقّ أن تُحفظ، لأنّ الحياة، في النهاية، لا تخبر أحداً متى يكتب السطر الأخير.
{ شاعرة وكاتبة كويتية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك