يصعب التعويل على تصريحات الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» من أن الحرب على إيران توشك أن تصل إلى نهايتها، بحكم طبيعة تصريحاته، التي لا يتوقف عن إطلاقها بمعدلات تفوق أي قدرة على المتابعة، فإنها مربكة.
ولكن هذه المرة الحسابات تختلف؛ إذ تتبدى، خلال أيام، فرصة جديدة وملموسة للتوصل إلى تسوية ما، مؤقتة بطبيعتها، على خلفية اتفاق إيراني ــ عماني لتنظيم قواعد المرور في مضيق هرمز.
كان تأخر إعلان هذا الاتفاق، رغم الانتهاء من التوافق على كل بنوده وتفاصيله، تعبيرًا صريحًا عن تداخل اللاعب الأمريكي في اعتماده حتى يكون مدخلًا لتهدئة قابلة للتمدد إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونجرس نوفمبر المقبل.
الاتفاق الآن، حتى لو كان مؤقتًا، يدخل في حسابات الانتخابات الوشيكة خشية خسارتها وتقلص نفوذ البيت الأبيض داخل الكونجرس، لكنه ليس العامل الوحيد.
ومن حيث حقائق الميدان، هناك إخفاق في حسم الحرب، التي أنهكت الاقتصاد العالمي بأزمة طاقة مستحكمة امتدت تأثيراتها السلبية إلى صلب الاقتصاد الأمريكي.
وبحسب ما هو منسوب إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية فإنه لا يرى أي فرصة لحسم الحرب.
«الطيران لن يحسم الحرب» هذه حقيقة. إذا كان التدخل البري مستبعدًا لتكاليفه الباهظة فإن كسب الحرب مهمة مستحيلة تمامًا. هذه حقيقة أخرى.
وقد نشأت أوضاع عسكرية مستجدة في تسريبات متواترة عن نفاذ الذخيرة، أو خشية نفاذها إذا تمددت الحرب، أو اتسعت. «ترامب» نفي بنفسه هذه التسريبات، لكن يبدو أن لها أساسًا يرجح صحتها. بنص تصريح قلق له: «تسريبات نفاد الذخيرة تقوي من سعي إيران لامتلاك سلاح نووي».
أمام كل هذه التعقيدات الملغمة فإن هناك الآن مسارين لحركة الحوادث لا ثالث لهما بأي مدى منظور؛ الأول، التوصل إلى تسوية ما، لوقف النزيف الأمريكي الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي قبيل انتخابات الخريف.
هذا يعني رفع الحصار عن موانئ إيران وتخفيض العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها وضخ مليارات الدولارات في خزائنها شبه الخاوية من ودائعها المجمدة بالبنوك الغربية. بتلخيص ما، فإن ذلك هو الثمن الاقتصادي والاستراتيجي لإعادة فتح مضيق هرمز وفق الاستفادة من الاتفاق الإيراني ــ العماني. والثاني، تشديد الضغوط الاقتصادية مع عدم إغلاق باب التفاوض. بصياغة أخرى، البقاء في ذات المربع الحالي بكل جوانبه وتكاليفه وأثاره السلبية على فرص الجمهوريين في الانتخابات الوشيكة.
إنها سياسة الضغوط القصوى، التي لم تفلح في زعزعة الموقف الإيراني على مسارات التفاوض الخلفية. الأزمة الحقيقية تكاد تتلخص في فجوات الثقة الواسعة بين الجانبين، التي تمنع التقدم إلى الأمام، أو التوصل إلى أي تسوية مستدامة.
يلفت النظر هنا في الاتفاقات، التي وقعتها الولايات المتحدة كـ«مذكرة التفاهم» مع الإيرانيين، أو رعتها بالإشراف المباشر كـ«خطة ترامب» للسلام في غزة، و«اتفاقية الإطار» اللبنانية الإسرائيلية، إنها خضعت جميعها لحرب التفسيرات.
تعطلت «مذكرة التفاهم» على خلفية التنصل من التزامات البند الخامس، الخاصة بإعادة فتح مضيق هرمز. وأخفقت «خطة السلام في غزة»، على خلفية التحلل الإسرائيلي من أي التزام بالانسحاب من الأراضي المنصوص عليها في الخطة.
وتعرضت «اتفاقية الإطار» إلى انتهاك شبه كامل لأي استحقاق يفضي إلى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة. وبدا الدور الإسرائيلي ضاغطًا على الجانب الأمريكي للتحلل من «مذكرة التفاهم»، فيما كان مباشرًا في الاستحقاقين الفلسطيني واللبناني.
في الملفات المفتوحة الثلاثة، بدا الرئيس الأمريكي غير قادر على الحسم أمام سؤال حرج يتردد صداه داخل المجتمع الأمريكي: أيهما يقود الآخر.. «ترامب» أم «نتنياهو»؟
السؤال بحمولاته السياسية المتفجرة يصطدم بفرص التوصل إلى تسوية مؤقتة على خلفية الاتفاق الإيراني العماني المنتظر بشأن مضيق هرمز. ولم يكن ذلك المضيق بالغ الأهمية الاستراتيجية في نقل النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، من أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لكنه تحول بعدها إلى العقدة الرئيسية في حسابات الحرب والتفاوض.
ومع عدم النجاح الأمريكي في فك عقدة هرمز أخذ «ترامب» يلوح مرة بعد أخرى بأن الإيرانيين سيدفعون ثمنًا باهظًا وسيتم تدمير قدراتهم بالكامل، قبل أن يتراجع عن تهديداته بذريعة أن الإيرانيين ودول أخرى طلبت منه ذلك التراجع لإعطاء فرصة للتفاوض.
وتتبدى أمام فرصة التهدئة المؤقتة على خلفية الاتفاق الإيراني العماني، الأمريكي بالتداخل، عقدتان على جانبي الصراع؛ الأولى، أمريكية بالارتباك الظاهر في مركز صناعة القرار، الذى تغيب عنه أي مؤسسية ويتحكم فيه عدد محدود للغاية من أصدقاء وأصهار الرئيس! والثانية، إيرانية بغياب المرشد «مجتبى خامنئي» عن أي حضور عام، أو دور مؤثر يقتضيه منصبه.
تتعدد التفسيرات لهذا الغياب، لكنه يفضي عمليًا إلى تساؤلات طبيعية ومشروعة: عمن يصنع القرار السياسي بشأن الحرب والتفاوض؟ بتعبير لافت لمسؤول إيراني نشرته قبل فترة وكالة «تسنيم»: «أمريكا لا تريد مواصلة الحرب وإيران تخشى التسوية».
أمريكيًا، فإن الحرب مكلفة وفوق أي طاقة للتحمل.. وإيرانيًا فإن التسوية قد تحرم البلد من ثمار صموده وتضحياته. قد تحدث تسوية مؤقتة مدة شهرين يفتح خلالهما مضيق هرمز بصفقة متبادلة، قد يمتدان شهرين آخرين قبل صدام آخر متوقع بشأن المشروع النووي، وهي الذريعة الأساسية للحرب على إيران.
{ كاتب صحفي مصري.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك