يتساءل المحلّلون: «لماذا لم يُكمل الرئيس ترامب المهمة في إيران؟». غير أنّ الإجابة تقتضي تأكيد أنّ الواقع تغيّر جذريًّا خلال الأسابيع الأخيرة؛ إذ لم يعد الأمر امتناعًا عن الحرب، بل ما بعد حربٍ وقعت فعلًا، ثمّ انتقلت إلى مسارٍ تفاوضي، ثمّ تحوّلت إلى ضربات متقطّعة. ولذلك نحتاج إلى تحديث الصورة قبل الإجابة.
في فبراير 2026، وبعد فشل المحادثات، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية منسّقة على إيران، أعلنتا أنّها تستهدف برنامجها النووي والصاروخي وتسعى إلى تغيير النظام، وقُتل المرشد الأعلى علي خامنئي في تلك الضربات. وردّت إيران بالعدوان المتكرّر على دول مجلس التعاون والأردن، وبإغلاق مضيق هرمز فعليًّا. وأصدر مجلس الأمن قرارًا صاغته البحرين نيابةً عن دول مجلس التعاون والأردن، يدين الاعتداءات الإيرانية ومحاولات عرقلة الملاحة في هرمز.
استمرّت العمليات حتى مطلع أبريل، حين أعلنت باكستان توصّل واشنطن وطهران إلى هدنةٍ أسبوعين، تحوّلت لاحقًا إلى مسار تفاوضي أوسع. وفي منتصف يونيو وقّع الجانبان مذكّرة تفاهم من أربع عشرة نقطة، مدّدت وقف النار ستّين يومًا، ونصّ أول بنودها على إنهاءٍ دائم للعمليات العسكرية، على أن تتواصل المفاوضات حول مضيق هرمز، والأصول الإيرانية المجمّدة، ورفع العقوبات على المدى البعيد، وربط البرنامج النووي بنتائج المفاوضات.
ومع ذلك، لم تلتزم إيران بما وقّعت عليه، فعادت إلى إغلاق مضيق هرمز، والمطالبة بأن تحصل السفن مسبقًا على ترخيصٍ منها ودفع رسومٍ بأسلوب البلطجة، كما عاودت الاعتداء على دول مجلس التعاون؛ وبذلك دخلت المنطقة في ما يمكن تسميته «حرب استنزاف».
بالعودة إلى السؤال الأصلي، يمكن التركيز على عاملين رئيسين:
{ نفور صانع القرار الأمريكي من حرب شاملة ومن فكرة إعادة بناء الدولة في إيران وفق تجربة النمط العراقي؛ إذ إنّ ضربة فبراير 2026، رغم شدّتها وإطاحتها بالمرشد، لم تتحوّل إلى غزوٍ واحتلال، بل ارتدّت سريعًا إلى التفاوض. وهذا يؤكّد التوجّه الأمريكي نحو تفكيك القدرات وإنهاك النظام، لا احتلال الأرض.
{ الرهان على الضغط الأقصى بوصفه كفيلا بلجم إيران من دون عملٍ عسكري شامل؛ لكنّ الوقائع بيّنت أنّ العقوبات وحدها لم توقف التقدّم النووي ولا نشاط الوكلاء او المليشيات التابعة لإيران، حتى تطلّب الأمر ضربةً عسكرية كبرى، سبقها تسارع نووي، وارتماءٌ إيراني أعمق في المحور الشرقي، وحرب ظل وضربات متبادلة، وأزمة داخلية حادّة.
تشير بعض التقديرات إلى أن العقوبات أداة فاعلة في ضرب الاقتصاد وتقليص الموارد، لكنّها نادرا ما تغيّر وحدها السلوك الاستراتيجي الجوهري لإيران ونظامها الارهابي. قبل حرب 2026، ورغم سنوات من الضغط الأقصى وتصفية قاسم سليماني، واصلت طهران عمليات تخصيب اليورانيوم ودعم وكلائها؛ ولم يتراجع البرنامج النووي ماديًّا إلا بالضربة العسكرية.
صحيح أنّ العقوبات تنتج اثرا داخليا تراكميا -انكماش وتضخّم واحتجاجات- قد يكون على المدى البعيد أخطر على النظام من أيّ ضربة، لأنّه يخلخل شرعيّته وقدرته على إرضاء مجتمعه؛ فتغيير السلوك عبر الضغط الداخلي أبطأ، لكنّه أعمق وأكثر استدامة. لكن فاعلية هذا المسار مشروطة بإحكام الحصار ونجاحه؛ لكن وجود منافذ عبر الصين وروسيا وشبكات أسطول الظلّ قوّض تأثير العقوبات باستمرار، ولهذا تتركّز جهود واشنطن على ملاحقة تلك الشبكات لا على أصل العقوبات فحسب.
إن العقوبات لا تكون فاعلة إلا إذا كانت جزءا من مزيج متكامل -ضغطٌ اقتصادي، وتهديد عسكري قوي، ومخرج تفاوضي- لا بوصفها بديلا منفردا. والدليل العملي أنّ الطرفين، بعد استنفاد كلٍّ من العقوبات والهجمات انتهيا إلى طاولة التفاوض؛ ما يوحي بأنّ أيًّا من الأداتين منفردةً لم تكن كافية لفرض تسويةٍ نهائية.
ويبقى السؤال المفتوح: هل يقبل النظام الإيراني -بعد صدمة الحرب وفقدان رمزه- بتقديم تنازلاتٍ جوهرية دائمة، أم سيستمر في ألاعيبه باستخدام التفاوض لالتقاط الأنفاس ومحاولة إعادة البناء؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك