العدد : ١٧٦٧٦ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٦ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل تكفي العقوبات وحدها لردع إيران؟

بقلم: د. نبيل العسومي

الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

يتساءل‭ ‬المحلّلون‭: ‬‮«‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬يُكمل‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬إيران؟‮»‬‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الإجابة‭ ‬تقتضي‭ ‬تأكيد‭ ‬أنّ‭ ‬الواقع‭ ‬تغيّر‭ ‬جذريًّا‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬امتناعًا‭ ‬عن‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬حربٍ‭ ‬وقعت‭ ‬فعلًا،‭ ‬ثمّ‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬مسارٍ‭ ‬تفاوضي،‭ ‬ثمّ‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬ضربات‭ ‬متقطّعة‭. ‬ولذلك‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تحديث‭ ‬الصورة‭ ‬قبل‭ ‬الإجابة‭.‬

في‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬وبعد‭ ‬فشل‭ ‬المحادثات،‭ ‬شنّت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬ضربات‭ ‬جوية‭ ‬منسّقة‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬أعلنتا‭ ‬أنّها‭ ‬تستهدف‭ ‬برنامجها‭ ‬النووي‭ ‬والصاروخي‭ ‬وتسعى‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬النظام،‭ ‬وقُتل‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الضربات‭. ‬وردّت‭ ‬إيران‭ ‬بالعدوان‭ ‬المتكرّر‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬والأردن،‭ ‬وبإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬فعليًّا‭. ‬وأصدر‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬قرارًا‭ ‬صاغته‭ ‬البحرين‭ ‬نيابةً‭ ‬عن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬والأردن،‭ ‬يدين‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬ومحاولات‭ ‬عرقلة‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬هرمز‭.‬

استمرّت‭ ‬العمليات‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬أبريل،‭ ‬حين‭ ‬أعلنت‭ ‬باكستان‭ ‬توصّل‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬إلى‭ ‬هدنةٍ‭ ‬أسبوعين،‭ ‬تحوّلت‭ ‬لاحقًا‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬تفاوضي‭ ‬أوسع‭. ‬وفي‭ ‬منتصف‭ ‬يونيو‭ ‬وقّع‭ ‬الجانبان‭ ‬مذكّرة‭ ‬تفاهم‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬عشرة‭ ‬نقطة،‭ ‬مدّدت‭ ‬وقف‭ ‬النار‭ ‬ستّين‭ ‬يومًا،‭ ‬ونصّ‭ ‬أول‭ ‬بنودها‭ ‬على‭ ‬إنهاءٍ‭ ‬دائم‭ ‬للعمليات‭ ‬العسكرية،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتواصل‭ ‬المفاوضات‭ ‬حول‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬والأصول‭ ‬الإيرانية‭ ‬المجمّدة،‭ ‬ورفع‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد،‭ ‬وربط‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬بنتائج‭ ‬المفاوضات‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تلتزم‭ ‬إيران‭ ‬بما‭ ‬وقّعت‭ ‬عليه،‭ ‬فعادت‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬والمطالبة‭ ‬بأن‭ ‬تحصل‭ ‬السفن‭ ‬مسبقًا‭ ‬على‭ ‬ترخيصٍ‭ ‬منها‭ ‬ودفع‭ ‬رسومٍ‭ ‬بأسلوب‭ ‬البلطجة،‭ ‬كما‭ ‬عاودت‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون؛‭ ‬وبذلك‭ ‬دخلت‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬استنزاف‮»‬‭.‬

بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬السؤال‭ ‬الأصلي،‭ ‬يمكن‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬عاملين‭ ‬رئيسين‭:‬

{‭ ‬نفور‭ ‬صانع‭ ‬القرار‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬ومن‭ ‬فكرة‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وفق‭ ‬تجربة‭ ‬النمط‭ ‬العراقي؛‭ ‬إذ‭ ‬إنّ‭ ‬ضربة‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬رغم‭ ‬شدّتها‭ ‬وإطاحتها‭ ‬بالمرشد،‭ ‬لم‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬غزوٍ‭ ‬واحتلال،‭ ‬بل‭ ‬ارتدّت‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭. ‬وهذا‭ ‬يؤكّد‭ ‬التوجّه‭ ‬الأمريكي‭ ‬نحو‭ ‬تفكيك‭ ‬القدرات‭ ‬وإنهاك‭ ‬النظام،‭ ‬لا‭ ‬احتلال‭ ‬الأرض‭.‬

{‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬الضغط‭ ‬الأقصى‭ ‬بوصفه‭ ‬كفيلا‭ ‬بلجم‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عملٍ‭ ‬عسكري‭ ‬شامل؛‭ ‬لكنّ‭ ‬الوقائع‭ ‬بيّنت‭ ‬أنّ‭ ‬العقوبات‭ ‬وحدها‭ ‬لم‭ ‬توقف‭ ‬التقدّم‭ ‬النووي‭ ‬ولا‭ ‬نشاط‭ ‬الوكلاء‭ ‬او‭ ‬المليشيات‭ ‬التابعة‭ ‬لإيران،‭ ‬حتى‭ ‬تطلّب‭ ‬الأمر‭ ‬ضربةً‭ ‬عسكرية‭ ‬كبرى،‭ ‬سبقها‭ ‬تسارع‭ ‬نووي،‭ ‬وارتماءٌ‭ ‬إيراني‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬المحور‭ ‬الشرقي،‭ ‬وحرب‭ ‬ظل‭ ‬وضربات‭ ‬متبادلة،‭ ‬وأزمة‭ ‬داخلية‭ ‬حادّة‭.‬

تشير‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العقوبات‭ ‬أداة‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬ضرب‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتقليص‭ ‬الموارد،‭ ‬لكنّها‭ ‬نادرا‭ ‬ما‭ ‬تغيّر‭ ‬وحدها‭ ‬السلوك‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الجوهري‭ ‬لإيران‭ ‬ونظامها‭ ‬الارهابي‭. ‬قبل‭ ‬حرب‭ ‬2026،‭ ‬ورغم‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬الأقصى‭ ‬وتصفية‭ ‬قاسم‭ ‬سليماني،‭ ‬واصلت‭ ‬طهران‭ ‬عمليات‭ ‬تخصيب‭ ‬اليورانيوم‭ ‬ودعم‭ ‬وكلائها؛‭ ‬ولم‭ ‬يتراجع‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬ماديًّا‭ ‬إلا‭ ‬بالضربة‭ ‬العسكرية‭.‬

صحيح‭ ‬أنّ‭ ‬العقوبات‭ ‬تنتج‭ ‬اثرا‭ ‬داخليا‭ ‬تراكميا‭ -‬انكماش‭ ‬وتضخّم‭ ‬واحتجاجات‭- ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد‭ ‬أخطر‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬ضربة،‭ ‬لأنّه‭ ‬يخلخل‭ ‬شرعيّته‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬إرضاء‭ ‬مجتمعه؛‭ ‬فتغيير‭ ‬السلوك‭ ‬عبر‭ ‬الضغط‭ ‬الداخلي‭ ‬أبطأ،‭ ‬لكنّه‭ ‬أعمق‭ ‬وأكثر‭ ‬استدامة‭. ‬لكن‭ ‬فاعلية‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬مشروطة‭ ‬بإحكام‭ ‬الحصار‭ ‬ونجاحه؛‭ ‬لكن‭ ‬وجود‭ ‬منافذ‭ ‬عبر‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬وشبكات‭ ‬أسطول‭ ‬الظلّ‭ ‬قوّض‭ ‬تأثير‭ ‬العقوبات‭ ‬باستمرار،‭ ‬ولهذا‭ ‬تتركّز‭ ‬جهود‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬ملاحقة‭ ‬تلك‭ ‬الشبكات‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬أصل‭ ‬العقوبات‭ ‬فحسب‭.‬

إن‭ ‬العقوبات‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬فاعلة‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬مزيج‭ ‬متكامل‭ -‬ضغطٌ‭ ‬اقتصادي،‭ ‬وتهديد‭ ‬عسكري‭ ‬قوي،‭ ‬ومخرج‭ ‬تفاوضي‭- ‬لا‭ ‬بوصفها‭ ‬بديلا‭ ‬منفردا‭. ‬والدليل‭ ‬العملي‭ ‬أنّ‭ ‬الطرفين،‭ ‬بعد‭ ‬استنفاد‭ ‬كلٍّ‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬والهجمات‭ ‬انتهيا‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬التفاوض؛‭ ‬ما‭ ‬يوحي‭ ‬بأنّ‭ ‬أيًّا‭ ‬من‭ ‬الأداتين‭ ‬منفردةً‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كافية‭ ‬لفرض‭ ‬تسويةٍ‭ ‬نهائية‭.‬

‭ ‬ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬المفتوح‭: ‬هل‭ ‬يقبل‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ -‬بعد‭ ‬صدمة‭ ‬الحرب‭ ‬وفقدان‭ ‬رمزه‭- ‬بتقديم‭ ‬تنازلاتٍ‭ ‬جوهرية‭ ‬دائمة،‭ ‬أم‭ ‬سيستمر‭ ‬في‭ ‬ألاعيبه‭ ‬باستخدام‭ ‬التفاوض‭ ‬لالتقاط‭ ‬الأنفاس‭ ‬ومحاولة‭ ‬إعادة‭ ‬البناء؟‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا