كشفت منظومة صناعة القرار في إيران مؤخرًا عن وجود تباين كبير في وجهات النظر في ظل الحرب، وخاصة بشأن الضربات التي شنها الجيش الأمريكي على عدة مدن إيرانية قبل التوصل إلى هدنة جديدة، وكان الهدف الأمريكي هو محاولة فصل العمق عن الساحل الجنوبي الغربي المتاخم لمضيق هرمز، فقد استهدفت الضربات الأمريكية عدة جزر بالمضيق تستخدمها إيران كموانئ وتضع بها منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة لتحقيق استراتيجية «الردع المواجه» التي شملت الاعتداء على دول الخليج تحت دعاوى مختلفة.
وقد كشفت كثيرًا من التصرفات والإجراءات الإيرانية، بل والبيانات الصادرة عن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، عن وجود تباين كبير وفجوة واسعة، وانقسام في صناعة القرار يمكن إجمالها على النحو الآتي:
بيان المرشد الإيراني:
وهو البيان الذي صدر في 19 يوليو الماضي الذي حرص فيه مجتبى خامنئي على توجيه رسالة للشعب الإيراني والقيادات الإيرانية حين قال: «ولا بدّ من أن أقول لكم، أيّها الشعب الإيراني، إنّ من أكثر الأمور مبدئيةً في هذه المرحلة الإصرار على وحدة الكلمة والاتحاد المقدّس، على مستويات الشعب والمسؤولين كافة وفي مختلف الميادين.. فإن صون الوحدة وتجنّب الفرقة والتنازع والخلافات السياسية وعدم تضخيم الفوارق الاجتماعية واجبٌ على الجميع. وبطبيعة الحال، إنّ دور المسؤولين والكوادر المخلصة والمتفانية هو تعزيز تماسك البلاد ووحدتها».
وقد كانت تلك الرسالة المتعلقة بنبذ الفرقة والاختلافات السياسية إيذانًا بتأكيد وجود اختلاف كبير في الرؤى بين القيادات الحاكمة في إيران بشأن مساري المفاوضات والتصعيد العسكري، إذ إن لفظة «تجنب الفرقة والتنازع والخلافات السياسية» لا تنم عن وجود اتساق في وجهات النظر بين القيادات المحيطة بخامنئي سواء على المستوى السياسي أو حتى العسكري، وهو ما حذر منه خشية سقوط النظام الإيراني أمام الضغوط الأمريكية.
دعوة خاتمي لـ«السلام المشرف»:
وهي الدعوة التي تحدث عنها الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي خلال لقاء له مع عدد من مستشاريه بمقر إقامته حين تحدث عن ضرورة وقف الحرب والدعوة للسلام، ودفع شبح الحرب لتخفيف المعاناة عن المواطنين، حيث حذر خاتمي خلال ذلك اللقاء من وجود ما أسماه «دعاة الحرب والانتقام» الذين يسيرون في الطريق الذي تريده إسرائيل.
وقد كان لتلك الدعوى صدى كبير في الأوساط السياسية الإيرانية، وهو ما دعا صحيفة «كيهان» المحسوبة على التيار المتشدد لأن ترد على تصريحات خاتمي بمقال جاء بصدر صفحتها الأولى بعنوان «وصفة استسلام»، انتقدت خلاله تصريحات خاتمي واعتبرتها أطروحة استسلام لواشنطن وتل أبيب، واتهمت خاتمي بأنه يقدم دعوة إلى «الاستسلام» تحت عنوان «السلام»، في وقت ترى فيه أن إيران لا تزال تتعرض للتهديد.
التباين بين التيار البراجماتي والمتشدد:
وهو ما كشفه الهجوم الذي تعرض له الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بعد اعتذاره للدول الخليجية في لقاء متلفز في السابع من مارس الماضي، عن الضربات الإيرانية على بعض الدول الخليجية، ردًا على الهجمات الأمريكية، إذ تعرض بزشكيان لضغوط كبيرة من الحرس الثوري أجبرته على التراجع عن اعتذاره، حيث أطلق تصريحات قال خلالها إن «أمريكا حرفت اعتذاره وحولته إلى استسلام في محاولة لزرع الفتنة، وإن بلاده سترد بقوة على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية ولن تستسلم».
يزيد من حدة ذلك التباين ما أقدمت عليه هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، بأن حذفت جزءا من خطاب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال حفل إحياء ذكرى اليوم الوطني للصناعة والتعدين، حيث حذفت الشبكة الجزء الذي تحدث فيه بزشكيان عن موافقة المرشد الراحل علي خامنئي على مبدأ التفاوض مع الولايات المتحدة، وهو ما استند إليه في مسألة ضرورة الاستمرار في التفاوض ونبذ الحرب، وهو ما أجبر الجانب المتشدد في إيران أو القيادة العسكرية على حذف ذلك الجزء بالتحديد.
وقد أثار ذلك رد فعل رسمي إذ صدر بيان عن مجلس الإعلام الحكومي ندده خلاله بقيام قيام هيئة الإذاعة الإيرانية بحجب جزء من خطاب الرئيس، حيث اعتبر البيان أن «أثار هذه الإجراءات وعواقبها في إضعاف التماسك الاجتماعي لا تُشكك فقط في كفاءتها كـ«وسيلة إعلام وطنية»، بل لها أيضًا عواقب وخيمة على مجال الأمن القومي».
رفض رجال الدين المتشددين للمفاوضات
وقد برز موقف أبرز رجال الدين الرافضين للمفاوضات في موقف كل من حجة الإسلام مجتبى ذو النوري، وهو عضو مجلس الشورى الإسلامي عن دائرة «قم» التي تضم الحوزة الدينية، الذي اعتبر أن فريق التفاوض الإيراني «مقصرون ومهملون»، حيث طالبهم بتعزيز مكانة إيران، وأن يدرجوا في اتفاق بندًا ينص على أن «انتهاك أي بند من بنود الاتفاق يعني انتهاك جميع البنود؛ أي إما كل شيء أو لا شيء». كما دعا إلى التشدد الصارم مع الجانب الأمريكي.
أما الموقف الثاني فكان لرجل الدين البارز وعضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإسلامي، محمود نبويان، الذي قال إنه «اطلع على النص النهائي للاتفاق المقترح، وإن توقيعه سيجعل إيران «رسمياً مستعمرة لأمريكا».
يأتي ذلك بجانب أن عددًا كبيرًا من رجال الدين وقادة الحرس الثوري كونوا ما يطلق عليه «جبهة بيداري» أو «جبهة ثبات الثورة الإسلامية»، التي تعتبر أبرز التكتلات السياسية الأصولية المتشددة في إيران، التي يتخذ أعضائها من رجل الدين البارز آية الله تقي مصباح يزدي -أحد أقطاب التيار المتشدد- رمزًا لهم وأبًا روحيًا، إذ تعمل تلك الجبهة كحائط صد لأي سياسات إصلاحية مهمتها فتح آفاق المفاوضات مع الولايات المتحدة، وقد برز دورها بعد توقيع مذكرة التفاهم مباشرة، حيث دعا قادتها إلى مسيرات وتظاهرات بالعاصمة طهران للتنديد بالتوقيع على مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، وردد المحتجون وقتها شعارات من بينها: «عراقجي، اخجل… واترك البلاد»، و«قاليباف، عراقجي… ماذا عن دم قائدنا؟». كما طالب المحتجون كلًا من قاليباف وعراقجي بالخروج من البلاد والعيش في الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
في الختام، فإنه مع كل تطور على المستوى السياسي يبرز دور المتشددين والحرس الثوري الإيراني في إشعال الموقف العسكري والاستراتيجي، وهو ما يبرز إمساك الحرس الثوري بزمام الأمور في إيران، وخاصة بعد تعمد تصعيد خامنئي الابن في منصب المرشد بعد اغتيال خامنئي الأب، كرسالة من الحرس الثوري إلى تصعيد «ولي الدم» إلى موقع القيادة للثأر من اغتيال والده، بجانب أن دور الحرس الثوري المؤثر في منظومة القيادة يكشف عن تراجع دور الرئيس والجبهة التنفيذية في الحكومة وخاصة إذا كان الرئيس محسوبًا على التيار الإصلاحي الذي يجنح كعادته إلى «السلام» أو المهادنة مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب أو الجيران العرب.
وقد أدى ذلك إلى أثارة حفيظة الجناح العسكري الذي يرغب في استمرار المواجهة مادام السلام لم يحقق رغبات منظومة القيادة في إخضاع الأمريكان على طاولة المفاوضات، ومادام الصراع يكشف دائمًا عن التحام جماهيري مع النظام، وهو ما لم يكن يحلم به النظام وخاصة بعد التظاهرات التي عمت الشوارع الإيرانية في ديسمبر ويناير الماضيين، ونادت بالموت لخامنئي.
وفي ضوء اشتعال الصراع الداخلي بين أقطاب منظومة الحكم، فإن ذلك الصراع يكشف عن انقسام كبير في منظومة اتخاذ القرار، وقد يسفر في مراحل لاحقة عن أزمات استراتيجية تتعلق ببنية النظام أو استمراره، حيث إن الولايات المتحدة وإسرائيل يستثمران في تعزيز ذلك الانقسام الذي قد يسفر عن تصدعات داخل بنية النظام، وهو ما تكشفه تصريحات لوزير الخارجية عباس عراقجي عن وجود «ثغرة أمنية» مازالت موجودة حتى الآن تسببت في اغتيال المرشد السابق علي خامنئي.
{ باحث مختص
في الشؤون الإيرانية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك