العدد : ١٧٦٧٦ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٦ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

نحن والتعلق بالاحتمال والقصص غير المكتملة

بقلم: فاطمة الحجري {

السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

تجلس‭ ‬سيدة‭ ‬سبعينية‭ ‬على‭ ‬كرسيها‭ ‬مطلقةً‭ ‬العنان‭ ‬لخيالاتها،‭ ‬حالمةً‭ ‬وداعيةً‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يبلغها‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬ترى‭ ‬فيه‭ ‬حفيدها‭ ‬خريجًا‭ ‬ثم‭ ‬عريسًا،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُطوى‭ ‬صفحات‭ ‬سنينها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا‭.‬

ومثلها‭ ‬مجمل‭ ‬البشر؛‭ ‬يمضون‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬في‭ ‬التعلّق‭ ‬بالاحتمالات،‭ ‬متطلعين‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬سعيدة‭ ‬للقصص‭ ‬غير‭ ‬المكتملة،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬للقصص‭ ‬لم‭ ‬تحدث،‭ ‬منتظرين‭ ‬أثرًا‭ ‬لا‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الواقع؛‭ ‬فيُحرمون‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بلذّة‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة،‭ ‬آملين‭ ‬قدوم‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭.‬

وهذه‭ ‬المساحة‭ ‬الصغيرة‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والاحتمال‭ ‬هي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المساحات‭ ‬الإنسانية‭ ‬تعقيدًا؛‭ ‬ففيها‭ ‬تتكوّن‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تبدأ،‭ ‬والعلاقات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تُولد،‭ ‬والاعتذارات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تصل،‭ ‬واللقاءات‭ ‬التي‭ ‬تأجلت‭ ‬حتى‭ ‬انتهت‭ ‬صلاحيتها،‭ ‬والأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يصبحوا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حياتنا،‭ ‬لكنهم‭ ‬أصبحوا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬خيالنا‭.‬

في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬يُخدع‭ ‬وعينا،‭ ‬فلا‭ ‬نتعلّق‭ ‬بالشخص‭ ‬أو‭ ‬الحدث،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نتعلّق‭ ‬بالمعنى‭ ‬الذي‭ ‬أضفناه،‭ ‬نلتف‭ ‬حول‭ ‬عيوب‭ ‬المقربين‭ ‬وتناقضاتهم؛‭ ‬نتغاضى‭ ‬عن‭ ‬خيباتهم،‭ ‬نملأ‭ ‬فراغات‭ ‬صمتهم،‭ ‬لنستكمل‭ ‬الجمل‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يُفصحوا‭ ‬عنها،‭ ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬المفارقة؛‭ ‬فقد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التعلّق‭ ‬والارتهان،‭ ‬لكننا‭ ‬مستعدون‭ ‬لأن‭ ‬نبني‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬أصلًا‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬ترميم‭ ‬الغياب،‭ ‬نحرس‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬الأمر‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬شيدناه‭ ‬حولهما‭.‬

والسؤال‭: ‬هل‭ ‬تتفوق‭ ‬سطوة‭ ‬الاحتمال‭ ‬على‭ ‬الحقيقة؟‭ ‬نعم،‭ ‬لأن‭ ‬الواقع‭ ‬محكوم‭ ‬بحدوده‭ ‬وقسوته،‭ ‬بينما‭ ‬الاحتمال‭ ‬مفتوح‭ ‬بلا‭ ‬سقف‭. ‬لذا‭ ‬نبقى‭ ‬متعلقين‭ ‬بالأمل‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬بناء‭ ‬القصص‭ ‬غير‭ ‬المكتملة‭. ‬وأكاد‭ ‬أجزم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬العلاقات‭ ‬غير‭ ‬المكتملة‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحًا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬اكتملت‭ ‬فعلاً‭.‬

فالشيء‭ ‬المكتمل‭ ‬يمنح‭ ‬العقل‭ ‬نهاية،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬مجرياته‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬نشتهي‭ ‬ونأمل‭ ‬ونريد،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬نتعلّق‭ ‬به،‭ ‬إذ‭ ‬يبقى‭ ‬الباب‭ ‬مفتوحًا،‭ ‬لنسأل‭ ‬مرارًا‭: ‬ماذا‭ ‬لو‭...‬؟‭ ‬فنعيش‭ ‬وفق‭ ‬تعقيدات‭ ‬الاحتمال،‭ ‬عشرات‭ ‬النسخ‭ ‬البديلة‭ ‬والأكثر‭ ‬جمالًا‭ ‬من‭ ‬الحقيقة،‭ ‬التي‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يبدّدها‭ ‬التفكير‭ ‬الواقعي‭ ‬الناقد،‭ ‬مستندًا‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬الأبواب‭ ‬المفتوحة‭.‬

مؤلم‭ ‬أحيانًا‭ ‬ألّا‭ ‬تحصل‭ ‬القصص‭ ‬على‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬للتخلّص‭ ‬من‭ ‬شِباك‭ ‬الاحتمال؛‭ ‬ألّا‭ ‬تبدأ‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لكي‭ ‬تنتهي،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬نبقى‭ ‬متمسكين‭ ‬بها،‭ ‬باحثين‭ ‬عن‭ ‬إجابات‭ ‬ربما‭ ‬طوال‭ ‬العمر‭.‬

والمفارقة‭ ‬أننا‭ ‬أحيانًا‭ ‬نحب‭ ‬النسخة‭ ‬التي‭ ‬صنعناها‭ ‬في‭ ‬عقولنا؛‭ ‬نسخة‭ ‬مثالية‭ ‬نحتفظ‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬داخلنا‭ ‬لا‭ ‬تتغير،‭ ‬ولا‭ ‬تتعب،‭ ‬ولا‭ ‬تتناقض،‭ ‬ولا‭ ‬ترتكب‭ ‬الأخطاء‭. ‬فالدماغ‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬استجابات‭ ‬عاطفية‭ ‬قوية‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬التوقع‭ ‬والخيال‭ ‬والذكريات‭ ‬والإشارات‭ ‬الاجتماعية؛‭ ‬فنعيش‭ ‬مع‭ ‬أنفسنا‭ ‬شعورًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬لم‭ ‬يُكتب‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حقيقية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التمثيل‭ ‬الداخلي‭ ‬يكون‭ ‬غنيًا‭ ‬جدًا‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬والانفعالات‭. ‬ولهذا‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬التخلي‭ ‬عنها‭ ‬صعبًا،‭ ‬وكأننا‭ ‬أمام‭ ‬عنوان‭ ‬عريض‭ ‬اسمه‭: ‬الاستثمار‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬احتمال‭.‬

نتوه‭ ‬أحيانًا‭ ‬بين‭ ‬رغبة‭ ‬معلنة‭ ‬في‭ ‬التعافي،‭ ‬ورغبة‭ ‬خفية‭ ‬في‭ ‬البقاء‭ ‬قرب‭ ‬الاحتمال‭. ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬أدلة‭ ‬تنقذنا‭ ‬منه،‭ ‬ثم‭ ‬يمنحنا‭ ‬العقل‭ ‬أدلة‭ ‬أخرى‭ ‬تعيدنا‭ ‬إليه؛‭ ‬فنظل‭ ‬عالقين‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬ملتبسة،‭ ‬ننتظر‭ ‬خاتمة‭ ‬لقصة‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭.‬

بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬نحاول‭ ‬أحيانًا‭ ‬أن‭ ‬نتجاوز‭ ‬القصة،‭ ‬لا‭ ‬لأننا‭ ‬انتهينا‭ ‬منها،‭ ‬بل‭ ‬لأننا‭ ‬تعبنا‭ ‬من‭ ‬حملها‭. ‬نقنع‭ ‬أنفسنا‭ ‬بأننا‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نهتم،‭ ‬ونبحث‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬تجعل‭ ‬التخلي‭ ‬ممكنًا،‭ ‬لكن‭ ‬العقل،‭ ‬في‭ ‬المساحة‭ ‬التي‭ ‬تركها‭ ‬الغياب،‭ ‬يعود‭ ‬فيملؤها‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭. ‬وهكذا‭ ‬نكتشف‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نغادر‭ ‬القصة‭ ‬تمامًا؛‭ ‬كنا‭ ‬فقط‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬طريقة‭ ‬أقل‭ ‬ألمًا‭ ‬للبقاء‭ ‬فيها‭.‬

أحيانًا‭ ‬تنتهي‭ ‬القصة‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نظن‭ ‬أنها‭ ‬النهاية،‭ ‬فقط‭ ‬لكي‭ ‬نكتشف‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬فصلًا‭ ‬علّمنا‭ ‬كيف‭ ‬نكتب‭ ‬بقية‭ ‬الفصول‭.‬

تعود‭ ‬بنا‭ ‬الحكاية،‭ ‬في‭ ‬نهايتها،‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬السبعينية‭ ‬التي‭ ‬جلست‭ ‬تحلم‭ ‬بمشهد‭ ‬ترى‭ ‬فيه‭ ‬حفيدها‭ ‬خريجًا‭ ‬ثم‭ ‬عريسًا‭. ‬قد‭ ‬يتحقق‭ ‬ما‭ ‬تتمنى‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يتحقق،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬الأمل‭ ‬تتوقف‭ ‬على‭ ‬تحقق‭ ‬الاحتمال؛‭ ‬وربما‭ ‬تكمن‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬نمنح‭ ‬احتمالاتنا‭ ‬حقها‭ ‬من‭ ‬الحلم،‭ ‬لكن‭ ‬ألّا‭ ‬نمنحها‭ ‬عمرنا‭ ‬كله؛‭ ‬وأن‭ ‬نتعلم،‭ ‬بهدوء،‭ ‬أن‭ ‬نحب‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬ونتصالح‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث،‭ ‬ونترك‭ ‬للحياة‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكتب‭ ‬لنا‭ ‬نهايات‭ ‬لم‭ ‬نفكر‭ ‬فيها‭. ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬احتمال‭ ‬خُلق‭ ‬ليصبح‭ ‬واقعًا،‭ ‬وليس‭ ‬كل‭ ‬قصة‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭ ‬كانت‭ ‬بلا‭ ‬معنى‭.‬

فمن‭ ‬المفيد‭ ‬جدًا‭ ‬ألّا‭ ‬نخجل‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬لم‭ ‬تحدث،‭ ‬وألّا‭ ‬نعدّ‭ ‬التعلّق‭ ‬بالاحتمال‭ ‬ضعفًا‭. ‬ولعل‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفعله‭ ‬أمام‭ ‬قصة‭ ‬لم‭ ‬تحدث‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نترك‭ ‬لها‭ ‬مكانًا‭ ‬في‭ ‬ذاكرتنا،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نمنحها‭ ‬بقية‭ ‬أعمارنا،‭ ‬فالاعتراف‭ ‬والفهم‭ ‬لا‭ ‬يجعلاننا‭ ‬أضعف،‭ ‬بل‭ ‬يجعلان‭ ‬التصالح‭ ‬مع‭ ‬الذات‭ ‬أكثر‭ ‬رحمةً‭ ‬وهدوءًا،‭ ‬وهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬شيء‭ ‬ثمين‭.‬

 

{ صحفية‭ ‬بحرينية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا