تجلس سيدة سبعينية على كرسيها مطلقةً العنان لخيالاتها، حالمةً وداعيةً الله أن يبلغها اليوم الذي ترى فيه حفيدها خريجًا ثم عريسًا، قبل أن تُطوى صفحات سنينها في الحياة الدنيا.
ومثلها مجمل البشر؛ يمضون من دون وعي في التعلّق بالاحتمالات، متطلعين إلى نهاية سعيدة للقصص غير المكتملة، أو إلى بداية للقصص لم تحدث، منتظرين أثرًا لا يتناسب مع ما يحدث في الواقع؛ فيُحرمون الاستمتاع بلذّة التفاصيل الصغيرة، آملين قدوم ما كان يمكن أن يحدث.
وهذه المساحة الصغيرة بين الواقع والاحتمال هي واحدة من أكثر المساحات الإنسانية تعقيدًا؛ ففيها تتكوّن القصص التي لم تبدأ، والعلاقات التي لم تُولد، والاعتذارات التي لم تصل، واللقاءات التي تأجلت حتى انتهت صلاحيتها، والأشخاص الذين لم يصبحوا جزءًا من حياتنا، لكنهم أصبحوا جزءًا من خيالنا.
في كثير من الأحيان يُخدع وعينا، فلا نتعلّق بالشخص أو الحدث، بقدر ما نتعلّق بالمعنى الذي أضفناه، نلتف حول عيوب المقربين وتناقضاتهم؛ نتغاضى عن خيباتهم، نملأ فراغات صمتهم، لنستكمل الجمل التي لم يُفصحوا عنها، وهنا تبدأ المفارقة؛ فقد لا يكون في الواقع ما يستحق كل هذا التعلّق والارتهان، لكننا مستعدون لأن نبني ما لم يحدث أصلًا في محاولة ترميم الغياب، نحرس في جوهر الأمر المعنى الذي شيدناه حولهما.
والسؤال: هل تتفوق سطوة الاحتمال على الحقيقة؟ نعم، لأن الواقع محكوم بحدوده وقسوته، بينما الاحتمال مفتوح بلا سقف. لذا نبقى متعلقين بالأمل في رحلة بناء القصص غير المكتملة. وأكاد أجزم أن بعض العلاقات غير المكتملة أكثر إلحاحًا في الذاكرة من العلاقات التي اكتملت فعلاً.
فالشيء المكتمل يمنح العقل نهاية، حتى لو كانت مجرياته تسير على غير ما نشتهي ونأمل ونريد، على عكس ما نتعلّق به، إذ يبقى الباب مفتوحًا، لنسأل مرارًا: ماذا لو...؟ فنعيش وفق تعقيدات الاحتمال، عشرات النسخ البديلة والأكثر جمالًا من الحقيقة، التي سرعان ما يبدّدها التفكير الواقعي الناقد، مستندًا إلى حقيقة أن العقل البشري لا يحب الأبواب المفتوحة.
مؤلم أحيانًا ألّا تحصل القصص على فرصة حقيقية للتخلّص من شِباك الاحتمال؛ ألّا تبدأ بما يكفي لكي تنتهي، ورغم ذلك نبقى متمسكين بها، باحثين عن إجابات ربما طوال العمر.
والمفارقة أننا أحيانًا نحب النسخة التي صنعناها في عقولنا؛ نسخة مثالية نحتفظ بها في داخلنا لا تتغير، ولا تتعب، ولا تتناقض، ولا ترتكب الأخطاء. فالدماغ قادر على بناء استجابات عاطفية قوية استنادًا إلى التوقع والخيال والذكريات والإشارات الاجتماعية؛ فنعيش مع أنفسنا شعورًا حقيقيًا في قصة لم يُكتب لها أن تكون حقيقية، غير أن التمثيل الداخلي يكون غنيًا جدًا بالتفاصيل والانفعالات. ولهذا قد يكون التخلي عنها صعبًا، وكأننا أمام عنوان عريض اسمه: الاستثمار العاطفي في احتمال.
نتوه أحيانًا بين رغبة معلنة في التعافي، ورغبة خفية في البقاء قرب الاحتمال. نبحث عن أدلة تنقذنا منه، ثم يمنحنا العقل أدلة أخرى تعيدنا إليه؛ فنظل عالقين في منطقة ملتبسة، ننتظر خاتمة لقصة لم تكتمل.
بمعنى آخر، نحاول أحيانًا أن نتجاوز القصة، لا لأننا انتهينا منها، بل لأننا تعبنا من حملها. نقنع أنفسنا بأننا لم نعد نهتم، ونبحث عن أسباب تجعل التخلي ممكنًا، لكن العقل، في المساحة التي تركها الغياب، يعود فيملؤها بما كان يمكن أن يكون. وهكذا نكتشف أننا لم نغادر القصة تمامًا؛ كنا فقط نبحث عن طريقة أقل ألمًا للبقاء فيها.
أحيانًا تنتهي القصة التي كنا نظن أنها النهاية، فقط لكي نكتشف أنها كانت فصلًا علّمنا كيف نكتب بقية الفصول.
تعود بنا الحكاية، في نهايتها، إلى تلك السيدة السبعينية التي جلست تحلم بمشهد ترى فيه حفيدها خريجًا ثم عريسًا. قد يتحقق ما تتمنى أو لا يتحقق، ومع ذلك، لا يبدو أن قيمة الأمل تتوقف على تحقق الاحتمال؛ وربما تكمن الحكمة في أن نمنح احتمالاتنا حقها من الحلم، لكن ألّا نمنحها عمرنا كله؛ وأن نتعلم، بهدوء، أن نحب ما حدث، ونتصالح مع ما لم يحدث، ونترك للحياة حقها في أن تكتب لنا نهايات لم نفكر فيها. فليس كل احتمال خُلق ليصبح واقعًا، وليس كل قصة لم تكتمل كانت بلا معنى.
فمن المفيد جدًا ألّا نخجل من قصة لم تحدث، وألّا نعدّ التعلّق بالاحتمال ضعفًا. ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله أمام قصة لم تحدث هو أن نترك لها مكانًا في ذاكرتنا، من دون أن نمنحها بقية أعمارنا، فالاعتراف والفهم لا يجعلاننا أضعف، بل يجعلان التصالح مع الذات أكثر رحمةً وهدوءًا، وهذا بحد ذاته شيء ثمين.
{ صحفية بحرينية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك