امرأة مصرية اسمها نادية يونس أمضت ثلاثة وثلاثين عاماً في أروقة الأمم المتحدة. دخلتها عام 1970، وعملت سنوات طويلة في إعلام المنظمة، وصارت مديرة لمركز إعلامها في روما، ثم مساعدة للأمين العام. وفي صيف 2003 قبلت مهمة مؤقتة في بغداد، فتوقفت شاحنة مفخخة أمام الفندق الذي يضمّ البعثة، وانتهى كل شيء. رحلت في السابعة والخمسين، ولم تكن تحمل سلاحاً ولا تمثّل طرفاً في تلك الحرب.
لم تكن نادية يونس وحدها في ذلك اليوم. قضى في الهجوم اثنان وعشرون شخصاً، هي منهم، وبينهم ممثل الأمم المتحدة في العراق سيرجيو فييرا دي ميلو. وفي قائمة الأسماء التي نشرتها المنظمة عراقيون وأجانب، وموظفون في البعثة وآخرون من خارجها. رجال ونساء لا تجمعهم جنسية ولا وظيفة، جمعهم أنهم بقوا في مدينة كان الناس يغادرونها. وبعد خمس سنوات اختارت الأمم المتحدة تاريخ ذلك التفجير ليكون اليوم العالمي للعمل الإنساني. المناسبة التي يحتفي بها العالم كل عام وُلدت من انفجار.
والصورة في أذهاننا عن هذه المهنة صورة أجنبي هبط بطائرة إلى بلد منكوب ثم غادره بعد شهور. الواقع خلاف ذلك. الغالبية العظمى ممّن يُقتلون اليوم موظفون محليون يوزّعون الدواء والطحين على جيرانهم في أحيائهم، ومنهم من قُتل في بيته إلى جانب أسرته لا في موقع عمله. في عام 2024 وحده مات ثلاثمائة وثلاثة وثمانون منهم، وهو أعلى رقم منذ بدء التوثيق. هؤلاء لا يذهبون إلى الخطر كما ذهبت نادية يونس، فالخطر مقيم معهم في البيت.
وعمل الإغاثة أقلّ إثارة ممّا يتخيّله الناس. شاحنة محمّلة تخرج في موعد معلوم إلى مخيم معلوم، ويقف صاحبها عند البوابة يسلّم ويتسلم ويوقّع، ثم يعود من الطريق ذاته في اليوم التالي. لا سلاح معه ولا حراسة، وانتظامه هو ما يجعل المساعدة تصل، وهو نفسه ما يجعله مكشوفاً أمام من يريد إصابته. الرتابة التي تُنجح هذا العمل هي التي تقتل أصحابه.
وأكثر ما ورد في إحصاء ذلك العام وقع في بلدان نعرفها. ففي غزة قُتل مائة وواحد وثمانون من العاملين في المجال الإنساني، وفي السودان ستون شخصا. وفي مارس 2025 قُتل خمسة عشر من رجال الإسعاف والدفاع المدني في غزة وهم في زيّهم الرسمي، ثمانية منهم من الهلال الأحمر الفلسطيني. هؤلاء يعملون في محيطنا القريب، وأخبارهم تصل إلينا بلغتنا لا مترجمة، وبين ما يوزّعونه ما تبرّع به أهلنا في البحرين والخليج.
وأنا أقرأ قوائم كهذه بعين امرأة أمضت سنوات في ملفات التظلّم، فعادتي أن أبحث عمّا يأتي بعد الخبر: من فُتح له تحقيق، ومن جلس أمام قاضٍ. والجواب في معظم هذه الحوادث لا أحد.
إن قتل عامل الإغاثة هو جريمة حرب منذ عام 1998، فنظام روما الأساسي نصّ صراحة على أن تعمّد مهاجمة العاملين في مهمة مساعدة إنسانية جريمة يُعاقب عليها. النصّ موجود إذن، والمحاكمات شبه غائبة. والسبب بنيويّ وليس عارضا: التحقيق يُترك في الغالب لأطراف النزاع ذاتها. خصمٌ في دعوى يُنصَّب قاضياً فيها، ثم يُطلب من الناس أن يطمئنّوا إلى حكمه.
والمعالجة ليست في قانون جديد، فالقانون قائم منذ ثمانية وعشرين عاماً، والناقص ما يجعله نافذاً. جهة تحقيق مستقلة عن أطراف النزاع تصل إلى موقع الحادثة وتجمع ما فيه وتسلّم ملفها إلى القضاء، لا إلى بيان صحفي يصدر ثم يُنسى. وما تجمعه ينبغي أن يصلح دليلاً أمام محكمة، فالصورة المتداولة على الإنترنت تحرّك المشاعر ولا تُدين أحداً، الذي يُدين هو الشهادة المكتوبة والإحداثيات الدقيقة وسلسلة أدلة لا تنقطع من الميدان إلى قاعة المحكمة. ويحتاج ذلك كله إلى مال، وهذا ما يخجل العالم من قوله: قاعدة البيانات الوحيدة التي تُحصي هؤلاء القتلى كادت تتوقف العام الماضي لانقطاع تمويلها.
ولي في هذا الملف اعتراف. تمنّيت سنوات أن أكون في هذا الميدان ولم أجد إليه سبيلاً، وكنت أظنّ وقتها أن الرغبة تكفي. ونادية يونس دخلته وهي في الرابعة والعشرين، وأمضت ثلاثة وثلاثين عاماً من التدرّج والتأهيل قبل أن تُرسَل إلى بغداد. ما فاتني لم يكن حظاً عابراً، وما بلغته هي لم يكن نُبلاً وحده. الميدان مهنة تُبنى بالسنوات، ولها ثمن يعرفه الداخل إليها قبل غيره. ومازلت أحمل الرغبة، وقد صرت أعرف ثمنها.
ولهذا الكلام صلة مباشرة بقارئ هذه الزاوية. نحن في الخليج من أسخى الناس عطاءً، ولا يمرّ عام من دون أن تسافر أموالنا إلى مخيم أو مستشفى ميداني. وقلّما نتوقف عند أن المال لا يمشي وحده إلى صاحبه، فبينه وبين الطفل الجائع إنسان يحمله ويقطع به طريقاً غير آمن. مقتل هذا الإنسان يقطع الطريق الذي بنيناه بتبرعاتنا، وحمايته حماية لعطائنا نفسه.
بقي أن أقول شيئاً عن نادية يونس. المرأة التي أمضت ثلاثة وثلاثين عاماً في خدمة الناس تُذكر اليوم بوصفها اسماً في قائمة من اثنين وعشرين، وأكثر من يمرّ على القائمة لا يقف عند اسم. وهكذا تُقرأ الأرقام التي جاءت بعدها بعشرين عاماً: مائات في عام واحد، ووراء كل واحد منهم بيت وأطفال وعمل كان يؤديه صباح ذلك اليوم. ولا أطلب من قارئي أكثر من ثانيتين يمنحهما للخبر قبل أن ينتقل إلى ما بعده. الانتباه أول درجات الحماية، والصمت هو ما يُبقي المحاسبة مؤجّلة إلى أجل غير معلوم.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك