استضافت مكة المكرمة قمة ثلاثية جمعت كلا من ولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان آل سعود والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف وذلك بالديوان الملكي بمكة المكرمة في ظل ظروف دولية وإقليمية استثنائية بالغة الدقة في ظل التغيرات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط تحديدا بدءا من أكتوبر من عام 2023 بعد عملية «طوفان الأقصى» وما تبعها من هجمة إسرائيلية وعنف غير مسبوق على قطاع غزة ألحقت الدمار والخراب بالقطاع وقتلت وجرحت الآلاف وهجرت أعداد كبيرة من السكان المدنيين هربا من الإرهاب الصهيوني وانتهاء بالحرب الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في فبراير الماضي، وما نتج عنها من تداعيات وتغيرات جيوسياسية حيث انتهت القمة بتوقيع الأطراف الثلاثة على «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» وسط ترحيب عربي وإسلامي منقطع النظير.
لقد كان اختيار مكة المكرمة بكل عناية لتكون مكانا لعقد القمة، ومن ثم التوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك لما لها من دلالة تاريخية ورمزية دينية وروحية لدى كل المسلمين فلها قدسيتها باعتبارها مهد الإسلام وهي قبلة المسلمين، فضلا عما تتمتع به السعودية من مكانة عالية لأنها بلاد الحرمين الشريفين.
لا شك أن هذه الاتفاقية تشكل ضربة قوية لنظام الملالي في إيران الذي تمادى في عدوانيته وهمجيته وإرهابه من خلال اعتداءاته على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وسيكون للاتفاقية دور في التصدي لدعم إيران لأذرعها التي زرعتها في العديد من الدول العربية، وخصوصا في العراق ولبنان واليمن وتزويدهم بالأسلحة والذخائر والطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية بهدف ضرب المنشآت الحيوية ومواقع الطاقة في دول المنطقة وتعطيل الملاحة البحرية وإثارة الفوضى والتحريض ضد الأنظمة المستقرة في المنطقة.
إن هذه الاتفاقية التي وقعتها ثلاثة أطراف إسلامية قوية لها ثقلها السياسي والعسكري والاقتصادي فباكستان دولة نووية ولديها جيش من أقوى الجيوش في العالم، وهو جيش منظم وذو خبرات كبيرة، وتركيا هي الأخرى قوة عسكرية كبيرة لا يستهان بها وتشكل ثاني اكبر جيش في حلف «الناتو»، ولديها صناعة عسكرية متطورة، والمملكة العربية السعودية هي قوة اقتصادية كبيرة وقوة عسكرية مهمة في المنطقة، ولذلك فإن هذه الاتفاقية التي طال انتظارها سوف تسهم بلا شك في تعزيز القوة العسكرية في المنطقة لتكون قادرة على الدفاع عن أمن واستقرار الإقليم وردع أي محاولات للاعتداء على بلداننا وسيادتنا الوطنية وتأكيد الرغبة الأكيدة للقادة من أجل توحيد الجهود المشركة لمواجهة التحديات، فالاتفاقية تنص على إن أي اعتداء في أي دولة يعتبر عدوانا على الدول الثلاث، وكما قال وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان آل سعود: إن الاتفاقية ترسخ إطارا لشراكة دفاعية طويلة المدى تعزز الردع والتنسيق والتكامل بين بلداننا وتدعم أمن واستقرار المنطقة والعالم.
إن الاتفاقية تنص بشكل صريح على أنها دفاعية وليس لها أي أجندات هجومية هدفها دفاعي وهي ليست موجهة ضد أحد، بل هي لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وهذا حق شرعي للدول في ظل التوترات التي يشهدها الشرق الأوسط وتتطابق مع روح المادة 51 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة الذي وقعت عليه جميع دول العالم، التي تنص على حق الدول الأعضاء في الدفاع عن نفسها بشكل فردي أو جماعي إذا تعرضت لهجوم مسلح.
كما أن الاتفاقية مفتوحة أمام جميع الدول العربية وبإمكان أي دولة عربية الانضمام إليها حتى وإن كانت عضوا في تحالفات أخرى، فتركيا عضو في حلف الناتو والمملكة العربية السعودية في قوات «درع الجزيرة» الخليجية، وبناء عليه فإن هذه الاتفاقية يمكن أن تكون نواة لتشكيل تحالف قوي جديد يضم العديد من الدول العربية في إطار منظومة عسكرية متكاملة ومتطورة قادرة على مواجهة التحديات والتهديدات لمواكبة التغيرات التي حدثت في المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية في ظل تزايد الصراعات والخلافات وأجواء الحرب والتهديد باستخدام القوة في حل الخلافات، وفي ضوء تراجع اهتمامات الإدارة الأمريكية بقضايا الشرق الأوسط.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك