أجراس الخطر باتت تُقرع لتنذر مما يحيق بالبشرية مع التطور المتلاحق للذكاء الاصطناعي الذي يوشك أن يخرج عن السيطرة. فقد شهد العالم كيف استخدمت الولايات المتحدة وإسرائيل أسلحة مزودة بالذكاء الاصطناعي لاستهداف المدنيين في حربي غزة وإيران، وهو ما دفع عددًا من رجال الدين في الغرب إلى التحذير من تحويل الذكاء الصناعي إلى سلاح تستخدمه النخب الحاكمة. والشهر الماضي، حفلت دورية أكاديمية متخصصة في العلوم بأجراس إنذار أخري. ففي أحد اختباراتهم، أثبت العلماء قدرة الذكاء الاصطناعي اليوم على إنتاج فيروسات قاتلة للبكتيريا. وهم يقولون في خلاصة بحثهم إنه ليس مستبعدًا أن يستطيع الذكاء الصناعي في المستقبل إنتاج فيروسات تهاجم البشر، فما بالك بالمرحلة التي يخرج فيها عن السيطرة البشرية!
وقد انتبهت شعوب كثيرة لمخاطر أخرى تمس حياتها اليومية. ففي الولايات المتحدة، باتت مكافحة «مراكز الذكاء الاصطناعي» من القضايا القليلة التي يجمع عليها الأمريكيون على اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية والحزبية والعرقية؛ فثلثا الأمريكيين يرفضون التوسع الراهن في بناء تلك المراكز، و14% فقط يؤيدون تشييدها في مدنهم وأحيائهم. فتطوير الذكاء الصناعي تهيمن عليه الشركات العملاقة، مثل «ميتا» و«أمازون» و«إكس إي آي». وهي خصصت أكثر من 670 مليار دولار لإنفاقها، في العام الحالي وحده، لتشييد تلك المراكز.
ذلك أن التطوير يلزمه تشييد مراكز ضخمة تضم رقائق عملاقة وقوية وشبكات إنترنت فائقة السرعة، فضلًا عن أماكن لتخزين المعلومات ومواقع لتدريب برامج الذكاء الصناعي على استخدام البيانات والمعلومات.
ولذلك تحتاج المباني إلى نظم تبريد بالغة القوة تُستخدم فيها توربينات تحدث ضجيجًا هائلًا لا يتوقف ليلًا ونهارًا، وتستهلك كميات مذهلة من الكهرباء والمياه، وهو ما يمثل خطرًا حياتيًا للملايين، وخصوصًا بولايات الغرب الأمريكي التي تعاني من الجفاف.
كما ان المدن التي تستضيف تلك المراكز تتوسع في بناء شبكات للكهرباء لاستيعاب الطلب الهائل متى بدأت تلك المراكز عملها.
إن الأخطر من ذلك كله هو التلوث الذي تنتجه تلك المراكز، لكن لأن تلك الشركات العملاقة تمول الحملات الانتخابية لصناع القرار فهي تحصل على إعفاءات ضريبية مذهلة، والمراكز التي تشيدها معفاة من الالتزام بضوابط البيئة المنصوص عليها في القانون الفيدرالي!
لقد أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أوامره بحرمان الولايات التي تضع قيودًا على تلك المراكز من الأموال الفيدرالية. وقد أدرك أبناء المدن التي تشيد فيها تلك المراكز أن أسعار استهلاكهم للكهرباء قد ارتفعت بنسب كبيرة، الأمر الذي يعني أن إيلون ماسك صاحب «إكس إي آي» مثلًا، ومارك زوكربرج صاحب «ميتا» يحققان أرباحًا خيالية على حساب المواطن العادي!
إن البعد العرقي ليس غائبًا عن المشهد. إذ تختار تلك الشركات مواقع متاخمة في أغلبها لأحياء الأقليات، بل تسعي لاستباحة أراضي السكان الأصليين للبناء عليها ولإخلائها للتنقيب عن المعادن النادرة.
والنتيجة هي ان الاحتجاجات قد اندلعت في 42 ولاية ضد تشييد تلك المراكز. وقامت عشرات من المنظمات المعنية بالبيئة بمقاضاة تلك الشركات؛ فهي قدرت أن مركزًا واحدًا من شأنه أن ينتج حوالي 2500 طن سنويًا من الضباب الدخاني، فضلًا عما يخلفه من نفايات سامة تحتوي على نسب مرتفعة من الزئبق والرصاص.
إن الذكاء الاصطناعي من شأنه أن يحقق تقدمًا حقيقيًا في الطب وغيره من العلوم التي تفيد البشرية، ولكنه في هيكله الراهن تهيمن عليه حفنة قليلة من أصحاب الشركات الذين لا يهمهم سوي الأرباح الخيالية التي يحققونها. والخطورة ان القفزات التي تحققت في مجال الذكاء الاصطناعي تسبق بخطوات واسعة التطور التشريعي الذي يضع الضوابط التي تضمن توجيه مساراته لما يخدم البشرية لا ما يقضي عليها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك