العدد : ١٧٦٧٩ - الثلاثاء ١٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٩ - الثلاثاء ١٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

كيف يمكن احتواء الصراعات في الشرق الأوسط؟

بقلم: د. عمرو حمزاوي {

الاثنين ١٧ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

تكشف‭ ‬التطورات‭ ‬المتلاحقة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قابلة‭ ‬للاختزال‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التحالفات‭ ‬والترتيبات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الثنائية‭ ‬والجماعية؛‭ ‬فالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يمتلك‭ ‬من‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية،‭ ‬ومن‭ ‬الحضور‭ ‬الأمني‭ ‬للقوي‭ ‬الكبري،‭ ‬ومن‭ ‬اتفاقات‭ ‬التعاون‭ ‬الدفاعي،‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لجعل‭ ‬المنطقة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬عسكرة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الأمن‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬هشًا،‭ ‬والحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬تتوالى،‭ ‬واستخدام‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬بات‭ ‬أداة‭ ‬متكررة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الخلافات،‭ ‬فيما‭ ‬تتراجع‭ ‬قدرة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والتفاوض‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬الأزمات‭ ‬قبل‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬مواجهات‭ ‬مفتوحة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬المقاربة‭ ‬الأمنية‭ ‬برمتها‭. ‬فالمطلوب‭ ‬بناء‭ ‬ترتيبات‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬تشمل‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وتقوم‭ ‬علي‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭ ‬لمنع‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬واحترام‭ ‬السيادة،‭ ‬وتسوية‭ ‬النزاعات‭ ‬بالوسائل‭ ‬السلمية،‭ ‬وإنشاء‭ ‬قنوات‭ ‬دائمة‭ ‬للحوار‭ ‬والتفاوض،‭ ‬وتطوير‭ ‬آليات‭ ‬للإنذار‭ ‬المبكر‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬ومنع‭ ‬التصعيد،‭ ‬فهناك‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬البيئة‭ ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬الصراعات،‭ ‬ولا‭ ‬تمنع‭ ‬سباقات‭ ‬التسلح‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬الأمن‭. ‬إسرائيل،‭ ‬بما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬تفوق‭ ‬عسكري‭ ‬نوعي‭ ‬ودعم‭ ‬أمريكي‭ ‬واسع،‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬بالقوة‭ ‬وحدها‭ ‬أن‭ ‬تخلق‭ ‬بيئة‭ ‬إقليمية‭ ‬مستقرة‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تنهي‭ ‬الصراعات‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭. ‬وإيران،‭ ‬رغم‭ ‬امتلاكها‭ ‬قدرات‭ ‬صاروخية‭ ‬وشبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الحلفاء‭ ‬والوكلاء‭ ‬وأدوات‭ ‬ضغط‭ ‬متعددة،‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬قوتها‭ ‬إلى‭ ‬أمن‭ ‬مستدام،‭ ‬بل‭ ‬أسهمت‭ ‬سياساتها‭ ‬ومغامراتها‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬بيئة‭ ‬من‭ ‬الشك‭ ‬والخوف‭. ‬أما‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهي‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬الأكبر‭ ‬حضورًا‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬فقد‭ ‬اكتشفت‭ ‬مرة‭ ‬بعد‭ ‬أخري‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬لا‭ ‬يمنحها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬المنطقة،‭ ‬وأن‭ ‬التدخل‭ ‬العسكري‭ ‬قد‭ ‬يحقق‭ ‬أهدافًا‭ ‬آنية‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬ينتج‭ ‬بالضرورة‭ ‬تسويات‭ ‬سياسية‭ ‬مستقرة‭.‬

المشكلة‭ ‬إذن‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬ميزان‭ ‬القوة‭. ‬إنها‭ ‬مشكلة‭ ‬غياب‭ ‬قواعد‭ ‬مشتركة‭ ‬لإدارة‭ ‬التنافس‭. ‬وحين‭ ‬تغيب‭ ‬هذه‭ ‬القواعد،‭ ‬تتحول‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أمنها‭ ‬منفردة،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬قوة‭ ‬خارجية،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬بناء‭ ‬قدراتها‭ ‬العسكرية،‭ ‬أو‭ ‬توسيع‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭. ‬وهكذا‭ ‬يصبح‭ ‬سعي‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬أمنه‭ ‬الخاص‭ ‬سببًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬انعدام‭ ‬أمن‭ ‬الآخرين‭. ‬إنها‭ ‬معضلة‭ ‬أمنية‭ ‬كلاسيكية،‭ ‬لكن‭ ‬خطورتها‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬تتضاعف‭ ‬بسبب‭ ‬كثرة‭ ‬الصراعات،‭ ‬وغياب‭ ‬آليات‭ ‬إقليمية‭ ‬فعالة‭ ‬للوساطة،‭ ‬وتداخل‭ ‬النزاعات‭ ‬المحلية‭ ‬والإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬واستمرار‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حل‭ ‬عادل،‭ ‬ووجود‭ ‬دول‭ ‬وقوى‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬باعتبارها‭ ‬وسيلة‭ ‬أولى‭ ‬لإدارة‭ ‬المصالح‭.‬

لهذا‭ ‬السبب،‭ ‬فإن‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إلغاء‭ ‬التعاون‭ ‬الدفاعي‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬ولا‭ ‬مطالبة‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬بالتخلي‭ ‬عن‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭. ‬المقصود‭ ‬هو‭ ‬وضع‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬داخل‭ ‬إطار‭ ‬سياسي‭ ‬وقانوني‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعًا،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تصبح‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الخيار‭ ‬الطبيعي‭ ‬أو‭ ‬الأول‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬أزمة‭. ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬لا‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬متفقة‭ ‬سياسيًا‭ ‬أو‭ ‬أيديولوجيًا،‭ ‬بل‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬اختلافها‭ ‬يجعل‭ ‬وجود‭ ‬قواعد‭ ‬مشتركة‭ ‬أكثر‭ ‬ضرورة‭ ‬وليس‭ ‬أقل‭.‬

ويمكن‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أن‭ ‬يستفيد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬دولية‭ ‬مختلفة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استنساخ‭ ‬أي‭ ‬نموذج‭ ‬بصورة‭ ‬آلية‭. ‬فقد‭ ‬نجحت‭ ‬ترتيبات‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬بعض‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنذر‭ ‬بالمواجهة‭ ‬إلى‭ ‬موضوعات‭ ‬للحوار‭ ‬وبناء‭ ‬الثقة‭ ‬وإدارة‭ ‬الخلاف‭. ‬والمطلوب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ليس‭ ‬إنشاء‭ ‬مؤسسة‭ ‬ضخمة‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬وإنما‭ ‬البدء‭ ‬بخطوات‭ ‬تدريجية‭: ‬اجتماعات‭ ‬دورية‭ ‬لوزراء‭ ‬الخارجية‭ ‬والدفاع،‭ ‬آليات‭ ‬للتشاور‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات،‭ ‬قنوات‭ ‬اتصال‭ ‬عسكرية‭ ‬لمنع‭ ‬سوء‭ ‬الفهم،‭ ‬اتفاقات‭ ‬للإخطار‭ ‬بالمناورات‭ ‬والتحركات‭ ‬العسكرية،‭ ‬قواعد‭ ‬لحماية‭ ‬الملاحة‭ ‬والممرات‭ ‬المائية،‭ ‬وترتيبات‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الهجمات‭ ‬على‭ ‬المنشآت‭ ‬المدنية‭ ‬والطاقة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭.‬

والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬هو‭ ‬التوافق‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬سياسي‭ ‬أساسي‭: ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الوسيلة‭ ‬الطبيعية‭ ‬لتسوية‭ ‬النزاعات‭ ‬الإقليمية‭. ‬فهذا‭ ‬المبدأ‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يشمل‭ ‬الجميع‭ ‬بلا‭ ‬استثناء‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬أمن‭ ‬جماعي‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬مقبولًا‭ ‬عندما‭ ‬تمارسه‭ ‬دولة‭ ‬ومرفوضًا‭ ‬عندما‭ ‬تمارسه‭ ‬دولة‭ ‬أخري‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إقناع‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬بجدوى‭ ‬ترتيبات‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬المعايير‭ ‬المزدوجة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الاعتداءات‭ ‬والانتهاكات‭ ‬والسيادة‭ ‬الوطنية‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬المغامرات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬تنخرط‭ ‬فيها‭ ‬إسرائيل‭ ‬وإيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬كل‭ ‬وفق‭ ‬حساباته‭ ‬ومصالحه‭ ‬ودوافعه،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حافزًا‭ ‬لاختبار‭ ‬فكرة‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬وليس‭ ‬سببًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬للتخلي‭ ‬عنها‭. ‬فالبديل‭ ‬عن‭ ‬المغامرة‭ ‬العسكرية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مغامرة‭ ‬عسكرية‭ ‬مضادة‭. ‬هذه‭ ‬الحلقة‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭ ‬الأمن،‭ ‬وإنما‭ ‬تنتج‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬الاستقطاب‭ ‬وسباقات‭ ‬التسلح‭ ‬والاستعداد‭ ‬الدائم‭ ‬للحرب‭.‬

ويكتسب‭ ‬الأمر‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تظل‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭ ‬ذات‭ ‬مصالح‭ ‬اقتصادية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬وعسكرية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬دورها‭ ‬أو‭ ‬استبعاده‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬ترتيبات‭ ‬إقليمية‭ ‬جادة‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬تبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬معتمدًا‭ ‬بصورة‭ ‬شبه‭ ‬كاملة‭ ‬على‭ ‬الضمانات‭ ‬الأمنية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬يجعل‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بتغير‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬وأولوياتها‭ ‬وتقديراتها‭ ‬لمصالحها‭ ‬العالمية‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬قد‭ ‬تستخدم‭ ‬القوة‭ ‬بصورة‭ ‬تتعارض‭ ‬أحيانًا‭ ‬مع‭ ‬مصالح‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬تنخرط‭ ‬في‭ ‬صراعات‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬البيئة‭ ‬الأمنية‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬تخفيفها‭.‬

لذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الدور‭ ‬الأمريكي‭ ‬داخل‭ ‬ترتيبات‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭. ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬البديل‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭. ‬وبالمثل،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تحاول‭ ‬إيران‭ ‬أن‭ ‬تفرض‭ ‬تصورها‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القوة‭ ‬والنفوذ،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬إسرائيل‭ ‬مع‭ ‬تفوقها‭ ‬العسكري‭ ‬باعتباره‭ ‬حقًا‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬خارج‭ ‬القيود‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭. ‬الأمن‭ ‬المستدام‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أمن‭ ‬طرف‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أمن‭ ‬الآخرين‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبدو‭ ‬مصر‭ ‬مؤهلة‭ ‬للاضطلاع‭ ‬بدور‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬الدفع‭ ‬نحو‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭. ‬فمصر،‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي،‭ ‬وثقلها‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري،‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬المتوازنة‭ ‬نسبيًا‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬المختلفة،‭ ‬وخبرتها‭ ‬الطويلة‭ ‬في‭ ‬الوساطة‭ ‬والتفاوض‭ ‬لديها‭ ‬ما‭ ‬يمكنها‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬تشمل‭ ‬الجميع‭.‬

إن‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬توافق‭ ‬أولي‭ ‬حول‭ ‬قواعد‭ ‬عدم‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬وحماية‭ ‬الملاحة،‭ ‬واحترام‭ ‬السيادة،‭ ‬ومنع‭ ‬استهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدنية،‭ ‬وتسوية‭ ‬النزاعات‭ ‬عبر‭ ‬التفاوض‭.‬

وقد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬فرصًا‭ ‬أكبر‭ ‬للتوافق،‭ ‬مثل‭ ‬أمن‭ ‬الممرات‭ ‬المائية،‭ ‬ومكافحة‭ ‬الإرهاب،‭ ‬وحماية‭ ‬المنشآت‭ ‬المدنية،‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬ثم‭ ‬تنتقل‭ ‬تدريجيًا‭ ‬إلى‭ ‬القضايا‭ ‬الأكثر‭ ‬صعوبة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الصراعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬وسباقات‭ ‬التسلح‭ ‬ومستقبل‭ ‬الترتيبات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأجنبية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬فالأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬لا‭ ‬يُبني‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬واحد،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تراكم‭ ‬الثقة‭ ‬والاتفاقات‭ ‬والإجراءات‭ ‬العملية‭.‬

إن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭ ‬متناقضين؛‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬التحالفات‭ ‬والمحاور،‭ ‬بحيث‭ ‬تنضم‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬إلي‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيؤدي‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الاستقطاب‭. ‬والثاني‭ ‬هو‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬أمن‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬يرتبط‭ ‬بأمن‭ ‬الآخرين،‭ ‬والبدء‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬ترتيبات‭ ‬جماعية‭ ‬تجعل‭ ‬الحوار‭ ‬والتفاوض‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬أدوات‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الإقليمية‭.‬

والاختيار‭ ‬الثاني‭ ‬هو‭ ‬الأصعب‭ ‬بالتأكيد،‭ ‬لكنه‭ ‬الأكثر‭ ‬قابلية‭ ‬لإنتاج‭ ‬أمن‭ ‬مستدام‭. ‬لأن‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الحرب‭ ‬ممكنة‭ ‬ومتكررة‭. ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬النقلة‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬اليوم؛‭ ‬أي‭ ‬كيف‭ ‬نمنع‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬ضد‭ ‬الجميع؟

تستطيع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الوازنة‭ ‬أن‭ ‬تدفع‭ ‬نحو‭ ‬عملية‭ ‬أمنية‭ ‬إقليمية‭ ‬تجعل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أكثر‭ ‬استقلالًا‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أزماته‭ ‬وأكثر‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والتفاوض‭. ‬وليس‭ ‬المقصود‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬التناقضات‭ ‬أو‭ ‬تختفي‭ ‬الصراعات،‭ ‬فهذا‭ ‬غير‭ ‬واقعي،‭ ‬وإنما‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬لها‭ ‬إطار‭ ‬سياسي‭ ‬لإدارتها‭ ‬واحتوائها‭.‬

لقد‭ ‬طال‭ ‬اعتماد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬الخارجية‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬العسكرية،‭ ‬بينما‭ ‬ظل‭ ‬الأمن‭ ‬الحقيقي‭ ‬غائبًا‭. ‬وحان‭ ‬الوقت‭ ‬لإدراك‭ ‬أن‭ ‬كثرة‭ ‬السلاح‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬الأمن،‭ ‬وأن‭ ‬الطريق‭ ‬الأكثر‭ ‬واقعية‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬دوامة‭ ‬الحروب‭ ‬والمغامرات‭ ‬إنما‭ ‬عبر‭ ‬بناء‭ ‬توافقات‭ ‬أمنية‭ ‬إقليمية‭ ‬تجعل‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة،‭ ‬وتجعل‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والتفاوض‭ ‬أكثر‭ ‬حضورًا،‭ ‬وتمنح‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬خلافاتها‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬الحرب‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا