تكشف التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط أن المشكلة الأمنية في المنطقة لم تعد قابلة للاختزال في غياب القوة العسكرية أو في الحاجة إلى مزيد من التحالفات والترتيبات الدفاعية الثنائية والجماعية؛ فالشرق الأوسط يمتلك من القدرات العسكرية، ومن الحضور الأمني للقوي الكبري، ومن اتفاقات التعاون الدفاعي، ما يكفي لجعل المنطقة واحدة من أكثر مناطق العالم عسكرة. ومع ذلك، فإن الأمن لا يزال هشًا، والحروب والصراعات تتوالى، واستخدام القوة العسكرية بات أداة متكررة في إدارة الخلافات، فيما تتراجع قدرة الدبلوماسية والتفاوض على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات مفتوحة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في المقاربة الأمنية برمتها. فالمطلوب بناء ترتيبات للأمن الجماعي تشمل أكبر عدد ممكن من دول الشرق الأوسط، وتقوم علي قواعد واضحة لمنع استخدام القوة، واحترام السيادة، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وإنشاء قنوات دائمة للحوار والتفاوض، وتطوير آليات للإنذار المبكر وإدارة الأزمات ومنع التصعيد، فهناك حاجة إلى معالجة البيئة الإقليمية التي تنتج الصراعات، ولا تمنع سباقات التسلح.
لقد أثبتت التجارب الأخيرة أن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية لا يؤدي بالضرورة إلى الأمن. إسرائيل، بما تمتلكه من تفوق عسكري نوعي ودعم أمريكي واسع، لم تستطع بالقوة وحدها أن تخلق بيئة إقليمية مستقرة أو أن تنهي الصراعات المحيطة بها. وإيران، رغم امتلاكها قدرات صاروخية وشبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء وأدوات ضغط متعددة، لم تنجح هي الأخرى في تحويل قوتها إلى أمن مستدام، بل أسهمت سياساتها ومغامراتها الإقليمية في إنتاج بيئة من الشك والخوف. أما الولايات المتحدة، وهي القوة العسكرية والسياسية الأكبر حضورًا في الشرق الأوسط، فقد اكتشفت مرة بعد أخري أن التفوق العسكري لا يمنحها القدرة على التحكم الكامل في مسارات المنطقة، وأن التدخل العسكري قد يحقق أهدافًا آنية لكنه لا ينتج بالضرورة تسويات سياسية مستقرة.
المشكلة إذن أعمق من ميزان القوة. إنها مشكلة غياب قواعد مشتركة لإدارة التنافس. وحين تغيب هذه القواعد، تتحول كل دولة إلى البحث عن أمنها منفردة، أو من خلال التحالف مع قوة خارجية، أو عبر بناء قدراتها العسكرية، أو توسيع نفوذها في الدول المجاورة. وهكذا يصبح سعي كل طرف إلى تحقيق أمنه الخاص سببًا إضافيًا في زيادة انعدام أمن الآخرين. إنها معضلة أمنية كلاسيكية، لكن خطورتها في الشرق الأوسط تتضاعف بسبب كثرة الصراعات، وغياب آليات إقليمية فعالة للوساطة، وتداخل النزاعات المحلية والإقليمية والدولية، واستمرار القضية الفلسطينية من دون حل عادل، ووجود دول وقوى تتعامل مع القوة العسكرية باعتبارها وسيلة أولى لإدارة المصالح.
لهذا السبب، فإن الانتقال إلى منطق الأمن الجماعي لا يعني إلغاء التعاون الدفاعي بين الدول، ولا مطالبة دول المنطقة بالتخلي عن حقها في الدفاع عن نفسها. المقصود هو وضع استخدام القوة داخل إطار سياسي وقانوني أكثر اتساعًا، بحيث لا تصبح القوة العسكرية الخيار الطبيعي أو الأول عند كل أزمة. الأمن الجماعي لا يفترض أن جميع دول المنطقة متفقة سياسيًا أو أيديولوجيًا، بل ينطلق من حقيقة أن اختلافها يجعل وجود قواعد مشتركة أكثر ضرورة وليس أقل.
ويمكن للشرق الأوسط أن يستفيد في هذا السياق من تجارب دولية مختلفة، من دون استنساخ أي نموذج بصورة آلية. فقد نجحت ترتيبات الأمن الجماعي في مناطق أخرى من العالم في تحويل بعض القضايا التي كانت تنذر بالمواجهة إلى موضوعات للحوار وبناء الثقة وإدارة الخلاف. والمطلوب في الشرق الأوسط ليس إنشاء مؤسسة ضخمة دفعة واحدة، وإنما البدء بخطوات تدريجية: اجتماعات دورية لوزراء الخارجية والدفاع، آليات للتشاور في أوقات الأزمات، قنوات اتصال عسكرية لمنع سوء الفهم، اتفاقات للإخطار بالمناورات والتحركات العسكرية، قواعد لحماية الملاحة والممرات المائية، وترتيبات للتعامل مع الهجمات على المنشآت المدنية والطاقة والبنية التحتية.
والأهم من ذلك كله هو التوافق على مبدأ سياسي أساسي: لا يجوز أن تكون القوة العسكرية الوسيلة الطبيعية لتسوية النزاعات الإقليمية. فهذا المبدأ يجب أن يشمل الجميع بلا استثناء. فلا يمكن بناء أمن جماعي إذا كان استخدام القوة مقبولًا عندما تمارسه دولة ومرفوضًا عندما تمارسه دولة أخري. ولا يمكن إقناع شعوب المنطقة بجدوى ترتيبات الأمن الجماعي إذا استمرت المعايير المزدوجة في التعامل مع الاعتداءات والانتهاكات والسيادة الوطنية.
ومن هنا فإن المغامرات العسكرية التي تنخرط فيها إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، كل وفق حساباته ومصالحه ودوافعه، ينبغي أن تكون حافزًا لاختبار فكرة الأمن الجماعي وليس سببًا إضافيًا للتخلي عنها. فالبديل عن المغامرة العسكرية لا ينبغي أن يكون مغامرة عسكرية مضادة. هذه الحلقة لا تنتج الأمن، وإنما تنتج مزيدًا من الاستقطاب وسباقات التسلح والاستعداد الدائم للحرب.
ويكتسب الأمر أهمية خاصة في ظل الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في المنطقة. فالولايات المتحدة تظل قوة عظمى ذات مصالح اقتصادية واستراتيجية وعسكرية ودبلوماسية ضخمة في الشرق الأوسط، ولا يمكن تجاهل دورها أو استبعاده من أي ترتيبات إقليمية جادة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الأمن الإقليمي معتمدًا بصورة شبه كاملة على الضمانات الأمنية الأمريكية، لأن ذلك يجعل استقرار المنطقة مرتبطًا بتغير الإدارات الأمريكية وأولوياتها وتقديراتها لمصالحها العالمية. وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن واشنطن قد تستخدم القوة بصورة تتعارض أحيانًا مع مصالح الاستقرار الإقليمي، أو قد تنخرط في صراعات تزيد من هشاشة البيئة الأمنية بدلًا من تخفيفها.
لذلك ينبغي أن يكون الهدف إعادة تعريف الدور الأمريكي داخل ترتيبات الأمن الإقليمي. الولايات المتحدة يمكن أن تكون شريكًا في الأمن الجماعي، لكنها لا ينبغي أن تكون البديل عن الأمن الجماعي. وبالمثل، لا ينبغي أن تحاول إيران أن تفرض تصورها للأمن الإقليمي من خلال القوة والنفوذ، ولا أن تتعامل إسرائيل مع تفوقها العسكري باعتباره حقًا دائمًا في استخدام القوة خارج القيود الإقليمية والدولية. الأمن المستدام لا يمكن أن يكون أمن طرف على حساب أمن الآخرين.
وفي هذا السياق، تبدو مصر مؤهلة للاضطلاع بدور مهم في الدفع نحو هذا التحول. فمصر، بحكم موقعها الجغرافي، وثقلها السياسي والعسكري، وعلاقاتها المتوازنة نسبيًا مع القوى المختلفة، وخبرتها الطويلة في الوساطة والتفاوض لديها ما يمكنها من العمل على بناء ترتيبات أمنية تشمل الجميع.
إن هناك حاجة إلى بناء توافق أولي حول قواعد عدم استخدام القوة، وحماية الملاحة، واحترام السيادة، ومنع استهداف البنية التحتية المدنية، وتسوية النزاعات عبر التفاوض.
وقد يكون من المفيد أن تبدأ هذه العملية من القضايا التي تملك فرصًا أكبر للتوافق، مثل أمن الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، وحماية المنشآت المدنية، وإدارة الأزمات، ثم تنتقل تدريجيًا إلى القضايا الأكثر صعوبة، في مقدمتها الصراعات الإقليمية وسباقات التسلح ومستقبل الترتيبات العسكرية الأجنبية في المنطقة. فالأمن الجماعي لا يُبني في مؤتمر واحد، وإنما من خلال تراكم الثقة والاتفاقات والإجراءات العملية.
إن الشرق الأوسط أمام خيارين متناقضين؛ الأول هو الاستمرار في بناء التحالفات والمحاور، بحيث تنضم كل دولة إلي ترتيبات أمنية في مواجهة دولة أو مجموعة دول أخرى، وهو ما سيؤدي على الأرجح إلى مزيد من الاستقطاب. والثاني هو الاعتراف بأن أمن كل دولة يرتبط بأمن الآخرين، والبدء في بناء ترتيبات جماعية تجعل الحوار والتفاوض وإدارة الأزمات أدوات أساسية في العلاقات الإقليمية.
والاختيار الثاني هو الأصعب بالتأكيد، لكنه الأكثر قابلية لإنتاج أمن مستدام. لأن الأمن الجماعي يسعى إلى معالجة البيئة التي تجعل الحرب ممكنة ومتكررة. وهذه هي النقلة الفكرية والسياسية التي يحتاج إليها الشرق الأوسط اليوم؛ أي كيف نمنع الجميع من استخدام القوة ضد الجميع؟
تستطيع الدول العربية الوازنة أن تدفع نحو عملية أمنية إقليمية تجعل الشرق الأوسط أكثر استقلالًا في إدارة أزماته وأكثر اعتمادًا على الدبلوماسية والتفاوض. وليس المقصود أن تنتهي التناقضات أو تختفي الصراعات، فهذا غير واقعي، وإنما أن يصبح لها إطار سياسي لإدارتها واحتوائها.
لقد طال اعتماد الشرق الأوسط على القوة الخارجية والاتفاقيات العسكرية، بينما ظل الأمن الحقيقي غائبًا. وحان الوقت لإدراك أن كثرة السلاح لا تعني بالضرورة مزيدًا من الأمن، وأن الطريق الأكثر واقعية للخروج من دوامة الحروب والمغامرات إنما عبر بناء توافقات أمنية إقليمية تجعل استخدام القوة أكثر صعوبة، وتجعل الدبلوماسية والتفاوض أكثر حضورًا، وتمنح دول المنطقة قدرة أكبر على إدارة خلافاتها بعيدًا عن منطق الحرب.
{ أستاذ العلوم السياسية
في جامعة القاهرة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك