يمثل المرشد السياحي أحد أهم الزوايا في مثلث صناعة السياحة وهو حلقة الوصل ما بين السائح والموروث التاريخي والثقافي للبلاد، وتتجاوز أهمية المرشد مجرد سرد المعلومات، بل هو من يدير تجربة السياح ونجاحها بـأكملها، وتحويل المعالم التاريخية الصامتة إلى قصص نابضة بالحياة.
وبالمقابل يبحث السائح والزائر عن التجربة المحلية الأصيلة التي لا يمكن أن ينقلها إليه سوى ابن البلد حيث يمتلك فهما بروح المكان الذي ترعرع فيه والمليء بالعادات والتقاليد الموروثة من آبائه وأجداده وتقديم الرواية الوطنية الدقيقة للزوار بعيدًا عن التشويه والاجتهادات الشخصية التي يتداولها الغرباء.
بتاريخ 20 يوليو صدر قرار عن صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، يحدد القرار الأنشطة والمهن التي تقتصر مزاولتها على المواطنين البحرينيين، كما أشار إليها سعادة الوزير عبدالله بن عادل فخرو وزير الصناعة والتجارة، وهدف هذا القرار إلى حماية المهن التي لها روح أصالة التراث والتاريخ، ومهنة الإرشاد السياحي أيضًا تتضمن نفس المفاهيم والأهداف.
وقد تطرق إلى هذا القرار الصحفي القدير محميد المحميد في عموده «الرأي الثالث» الذي نشرته صحيفة أخبار الخليج الغراء بتاريخ 21 يوليو واصفًا إياه بأنه (قرار وطني) كما أردف قائلًا: «إن سوق العمل المفتوح بالكامل من دون ضوابط يؤدي إلى تهميش المواطن في بلده» ومن هذا المنطلق نسلط الضوء على وضع مهنة الإرشاد السياحي في البلاد، نجد أن المرشدين الأجانب بقوا سنوات طويلة ينافسون المرشدين البحرينيين في سوق العمل، علمًا بأن جميع الوافدين الأجانب هم من فئات دخلت البلاد بتأشيرات مختلفة لا يصرح لها قانون الدولة بممارسة هذه المهنة، إذًا سوق العمل المفتوح وبدون ضوابط رقابية ومنافسة الأجانب أدى إلى ترك العديد من المرشدين البحرينيين هذه المهنة!!
المواطن البحريني أصبح اليوم في مقدمة أولويات حكومتنا الرشيدة وسعيها الدائم للبحث عن مصادر لتوفير فرص عمل أساسها المحافظة على الهوية البحرينية الأصيلة، ومهنة الإرشاد السياحي توفر فرص عمل دائمة وبدلًا من تدريب الأجانب، الأجدر أن تعطى فرص لتشجيع خريجي طلبة الجامعات والمعاهد العليا بالتوجه إلى هذه المهنة ودمجهم في منظومة السياحة، وهذا التوجه لا يأتي إلا بعد أن تتم حماية المهنة وقوانين تضمن مستقبل منتسبيها أفضل من خلق منافسين لهم، أدى ذلك إلى إزاحتهم من السوق.
والمهنة اليوم بحاجة إلى العنصر النسائي، فالمرشدة البحرينية لديها حضور وطني وإبداع بالتحدث عن الموروث الشعبي، وتفتخر بثوب النشل الذي ترتديه والدتها وجدتها، وتسرد قصص شقاء وكفاح النساء وإدارة المجتمع في زمن الغوص عندما يغادر أزواجهن للبحث عن لقمة العيش في غياهب العالم المجهول، من يملك ذلك الشعور من المرشدات الأجانب؟
وإذا كان لا بد من استخدام الأجانب بسبب اللغات الأجنبية فهم يعملون كمترجمين في الجولات السياحية كما هو عليه الحال في جميع دول العالم.
نشيد بالجهود التي يبذلها القائمون على المهنة في وزارة السياحة وهيئة البحرين للسياحة والمعارض في إعداد برامج دورات التدريب، وتعزيز الشراكة مع القطاع الفندقي لإبراز الوجه البحريني لسياح وزوار مملكة البحرين.
في عام 2005 شاركت مملكة البحرين وشقيقتها المملكة العربية السعودية في تأسيس الاتحاد العربي للمرشدين السياحيين ومقره القاهرة، وتم تفعيل العديد من البرامج المشتركة بدعم من الاتحاد ومنها الرحلات الميدانية إلى 9 دول عربية للاطلاع على المعالم السياحية والتاريخية والتعرف على تجربة الإرشاد السياحي في كل بلد وتفعيل السياحة البينية وعمل برامج تأهيل المرشدين، وقد ارتقى زملاؤنا السعوديون بمهنة الإرشاد السياحي بشكل كبير وقاموا بتنظيمها، وهي الآن أفضل نموذج للدول العربية حيث تم (سعودة المهنة) وحمايتها واقتصارها على المرشد السعودي وما دونه من الأجانب فهم مترجمون فقط، وفي الأيام القادمة سوف يتم توقيع مذكرة تفاهم بين الطرفين.
وقد دعم الاتحاد العربي في مؤتمره الأخير الذي عقد بالقاهرة في أكتوبر 2025 تزكية مملكة البحرين مجددا المقر الإقليمي لمنطقة دول الخليج العربية.
يحمل المرشد السياحي الوطني في وجدانه ارتباطًا عاطفيًا عميقًا بوطنه وتاريخه مما يعزز مصداقية التجربة السياحية لدى السائح وعلى الصعيد الاقتصادي يضمن توطين المهنة أيضا بقاء العوائد المالية داخل البلاد بدلًا من تسريبها إلى الخارج.
المرشدون السياحيون البحرينيون بجمعية تاريخ وآثار البحرين يثمنون عاليًا هذا القرار الوطني كما يناشدون السادة النواب الأفاضل في مجلسي النواب والشورى والمؤسسات الحكومية والأهلية حماية هذه المهنة وضمان مستقبل منتسبيها بدعم مشروع توطين مهنة الإرشاد السياحي لما لها من مكانة في تأصيل الهوية الوطنية، وتأهيل المواطن البحريني ليكون سفيرًا وفخرًا لبلاده.
إن بناء قطاع سياحي قوي ومستدام يتطلب الاستثمار الحقيقي بالكوادر الوطنية وتأهيلها لتكون قادرة على قيادة هذه المهنة وتطويرها والارتقاء بها إلى مصاف الدول المتقدمة.
{ الممثل الإقليمي للاتحاد العربي للمرشدين السياحيين لمنطقة دول الخليج العربية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك