لا يمكن النظر إلى اندماج الذكاء الاصطناعي في منظومات التعليم بوصفه مجرد تحديث تقني لأدوات الشرح والتلقين، بل هو في جوهره إعادة تشكيل جذرية لعلاقة المتعلم بالمعرفة، وبناء عليه، لعلاقة المجتمعات بمستقبلها. فالخطاب السائد الذي يختزل هذا التحول في وعود «التعليم الذكي»، وكذا «التعلم التكيفي»، يخفي وراءه إشكاليات أعمق تتصل ببنية السلطة المعرفية ذاتها: من ينتج المحتوي؟ ومن يصمم الخوارزمية التي تقرر ما يتعلمه التلميذ وما لا يتعلمه؟ ووفق أي منظومة قيمية يعاد رسم خرائط المعرفة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تستلزم، قبل الخوض في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها، مساءلة التعليم النظامي ذاته الذي يراد تحديثه. فهذا التعليم لم ينشأ في فراغ، ولم تكن المدرسة الحديثة في صورتها التي انتشرت عبر العالم العربي والإفريقي والآسيوي في القرنين التاسع عشر والعشرين سوى أداة استعمارية بامتياز. لم يكن هدفها تحرير عقول المتعلمين، بل تخريج الموظف المتحضر الذي يحسن تلقي الأوامر ويقنع نفسه بأن تلقيها دليل على رقيه.
بهذا المعني، حين نسأل اليوم عمن يصمم الخوارزمية التي تقرر ما يتعلمه التلميذ العربي، فنحن لا نسأل سؤالًا جديدًا. إنه السؤال ذاته الذي طرحته الحركات الوطنية حين رأت في المناهج الاستعمارية خريطة معرفية تعيد إنتاج التبعية. والفارق الوحيد أن هذه الخريطة لم تعد مطبوعة في كتب تحملها حقائب المدارس، بل باتت مضمنة في نماذج لغوية كبيرة أنتجت بمليارات الدولارات في وادي السيليكون، وتحمل في طياتها ما يحمله كل منتج ثقافي من قيم عائدة إلى من أنتجه، وأولوياته وحدود تصوره للعالم.
وتكشف النتائج الأخيرة لتقرير «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» حول التعليم الرقمي 2026 عن مفارقة جوهرية؛ إذ يؤكد التقرير أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادرٌ على تحسين أداء المهام بشكل ملحوظ، لكنه في الوقت ذاته قد يقوض عملية التعلم العميق إذا استخدم من دون تصميم بيداغوجي مدروس. والبيداغوجيا كلمةٌ يونانية مركبة من Pais أي الطفل، وAgogos أي القائد، ومعناها الحرفي «قيادة الطفل نحو المعرفة»، وتستخدم اليوم للدلالة على فلسفة التعليم وطرائق بنائه؛ وهي بالضبط القيادة التي لا تتقنها الخوارزمية مهما بلغت كفاءتها.
وتجسد هذه المعضلة دراسةٌ ميدانيةٌ على نحو ألف تلميذ في الثانوية في تركيا استشهد بها التقرير، أجريت في مادة الرياضيات؛ إذ أظهرت أن التلاميذ الذين استخدموا أنموذج GPT-4 بواجهته المعيارية حسنوا أداءهم بنسبة 48%، فيما ارتفع هذا التحسن إلى 127% حين استخدمت نسخة مصممة خصيصًا لدعم التعلم، لا لتقديم الإجابات مباشرة. غير أن التلاميذ في كلتا الحالتين حين أزيلت الأداة أدوا بشكل أسوأ بنسبة 17% مقارنة بأقرانهم الذين درسوا من دون ذكاء اصطناعي، ولا تبدو هذه المفارقة عرضية بقدر ما تمثل التناقض البنيوي بين منطق الكفاءة الذي تسعى إليه التقنية ومنطق الفهم الذي يقتضيه التعليم الحقيقي؛ فالأنظمة الذكية تستطيع أن تجيب عن السؤال نيابة عن التلميذ، لكنها لا تستطيع أن تعلمه كيف يطرح السؤال ابتداء، وهنا يكمن الفارق الحاسم.
عطفًا على ذلك، تزداد هذه المعضلة تعقيدًا حين ندرك حجم التحول الجاري؛ فوفقًا لتقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يتوقع أن تتغير 39% من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل بحلول عام 2030، وأن 59 من كل 100 عامل سيحتاجون إلى تدريب وإعادة تأهيل. هذه الأرقام تعني أن المنظومات التعليمية التي لا تعيد هيكلة نفسها اليوم ستنتج غدا أجيالا منفصلة عن الواقع الاقتصادي والمعرفي الجديد. ويضاف إلى ذلك ما يكشفه تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي 2025 الصادر عن جامعة ستانفورد، من أن 81% من معلمي علوم الحاسوب في الولايات المتحدة يرون ضرورة تضمين الذكاء الاصطناعي في مناهجهم، لكن أقل من نصفهم يشعرون بأنهم مؤهلون لتدريسه. فإذا كان هذا هو حال دولة تقود الابتكار العالمي في هذا المجال، فكيف يكون الوضع في عالمنا العربي الذي يعاني أصلًا من أزمات هيكلية متراكمة في منظومته التعليمية؟
الأنموذج البنكي الرقمي
لعل فهم هذه الإشكالية يتطلب تجاوز الأدوات التحليلية التقنية واللجوء إلى إطار نظري من حقل الفلسفة التربوية. وفي هذا السياق، يبدو مفهوم «التعليم البنكي» الذي طرحه المفكر البرازيلي باولو فريري في كتابه الرائد «بيداجوجيا المقهورين» ذا أهمية استثنائية. فقد وصف فريري النظام التعليمي التقليدي بأنه يعمل وفق «نموذج بنكي»؛ حيث يقتصر دور المعلم علي «إيداع» المعلومات في عقول التلاميذ السلبيين، تمامًا كما تودع الأموال في خزائن البنوك، من دون أن يكون للمتعلم دور نقدي أو تحويلي في هذه العملية. وقد أشارت اليونسكو في تقريرها حول مستقبل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي 2025 إلى هذا الأنموذج الفريري صراحة، محذرة من خطر أن يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاج «التعليم البنكي» في ثوب رقمي أكثر إغراء.
إلى جانب ذلك، فإن إسقاط هذا الإطار التحليلي على واقع تعامل عالمنا العربي مع الذكاء الاصطناعي في التعليم يكشف عن مشهد مقلق. فالاعتماد على منصات تعليمية ذكية مستوردة، من دون تكييفها مع السياقات الثقافية والمعرفية المحلية، يحول التلميذ العربي إلى «متلق مزدوج»؛ يتلقى المعرفة الجاهزة من الآلة، والمنظومة القيمية الكامنة فيها من المجتمع الذي أنتجها. والأخطر هنا أن «التعليم البنكي الرقمي» لا يكتفي بتكريس السلبية، بل يضفي عليها شرعية «الحداثة» و«الكفاءة»، فيتحول التلميذ من متلق صامت في الفصل التقليدي إلى متلق صامت أمام الشاشة، من دون أن يتغير جوهر العلاقة المعرفية. وهكذا، يتعمق ما سبق أن سميناه في سياقات مغايرة بالاغتراب الخوارزمي؛ حيث يتعطل الوعي النقدي لمصلحة الامتثال الآلي.
يتخذ هذا التحدي أبعادا أكثر حدة في ضوء الأرقام الفعلية. فقد كشف تقرير للبنك الدولي حول المهارات الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عن أن نحو 70% من الرؤساء التنفيذيين في المنطقة يعتبرون نقص المهارات الرقمية تهديدا رئيسا لأعمالهم، بينما يتطلب 23% من الوظائف الرقمية المعلنة مهارات مختصة في الذكاء الاصطناعي، وفي هذا السياق يتضح أن الفجوة بين المعروض التعليمي والمطلوب الاقتصادي ليست مجرد خلل وظيفي، بل هي تعبيرٌ صارخ عن فشل بنيوي في منظومات تعليمية لا تزال تراوح بين التلقين التقليدي والاستيراد التقني غير المدروس.
إن ما نحتاج إليه يتعدى مسألة إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الفصول الدراسية، وذلك في اتجاه بناء ما يمكن تسميته «بيداغوجيا عربية نقدية» تستلهم روح فريري في التحرر من «التعليم البنكي» وتترجمها في سياقنا الرقمي المعاصر. بيداغوجيا تعلم التلميذ كيف يساءل الخوارزمية لا أن يمتثل لها، وكيف ينتج المعرفة، لا أن يستهلكها، وكيف يوظف الأداة من دون أن توظفه.
هذا يستدعي بدوره ثورة حقيقية في مناهج إعداد المعلمين، وتكوين جيل من المعلمين الرقميين النقديين القادرين على الجمع بين الكفاءة التقنية والوعي التربوي العميق، وفهم الخوارزميات وفهم السياقات الحضارية التي تعمل فيها؛ وذلك في ضوء الاهتمام المتنامي عالميا بالنماذج اللغوية الكبيرة LLMs، ووكلاء الذكاء الاصطناعي AI Agents، ومؤخرا ما يدعى نماذج العالم World Models التي تجسد الذكاء المادي.
إجمالا، فإن الدعوة إلى هذه البيداغوجيا، مهما بلغت من الرصانة النظرية، تظل معلقة في الهواء ما لم نجب عن سؤال أكثر إلحاحًا: كيف تنشأ هذه البيداغوجيا، وفي أي مؤسسات، وضد مقاومة من؟
{ باحث في التنمية الاقتصادية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك