العدد : ١٧٦٨٠ - الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٠ - الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

مستقبل التعليم العربي في عصر الذكاء الاصطناعي

بقلم: رامز صلاح

الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬اندماج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬منظومات‭ ‬التعليم‭ ‬بوصفه‭ ‬مجرد‭ ‬تحديث‭ ‬تقني‭ ‬لأدوات‭ ‬الشرح‭ ‬والتلقين،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬جذرية‭ ‬لعلاقة‭ ‬المتعلم‭ ‬بالمعرفة،‭ ‬وبناء‭ ‬عليه،‭ ‬لعلاقة‭ ‬المجتمعات‭ ‬بمستقبلها‭. ‬فالخطاب‭ ‬السائد‭ ‬الذي‭ ‬يختزل‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬وعود‭ ‬‮«‬التعليم‭ ‬الذكي‮»‬،‭ ‬وكذا‭ ‬‮«‬التعلم‭ ‬التكيفي‮»‬،‭ ‬يخفي‭ ‬وراءه‭ ‬إشكاليات‭ ‬أعمق‭ ‬تتصل‭ ‬ببنية‭ ‬السلطة‭ ‬المعرفية‭ ‬ذاتها‭: ‬من‭ ‬ينتج‭ ‬المحتوي؟‭ ‬ومن‭ ‬يصمم‭ ‬الخوارزمية‭ ‬التي‭ ‬تقرر‭ ‬ما‭ ‬يتعلمه‭ ‬التلميذ‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬يتعلمه؟‭ ‬ووفق‭ ‬أي‭ ‬منظومة‭ ‬قيمية‭ ‬يعاد‭ ‬رسم‭ ‬خرائط‭ ‬المعرفة؟

الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬تستلزم،‭ ‬قبل‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وتطبيقاتها،‭ ‬مساءلة‭ ‬التعليم‭ ‬النظامي‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬يراد‭ ‬تحديثه‭. ‬فهذا‭ ‬التعليم‭ ‬لم‭ ‬ينشأ‭ ‬في‭ ‬فراغ،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬المدرسة‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬صورتها‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬عبر‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والإفريقي‭ ‬والآسيوي‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬والعشرين‭ ‬سوى‭ ‬أداة‭ ‬استعمارية‭ ‬بامتياز‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هدفها‭ ‬تحرير‭ ‬عقول‭ ‬المتعلمين،‭ ‬بل‭ ‬تخريج‭ ‬الموظف‭ ‬المتحضر‭ ‬الذي‭ ‬يحسن‭ ‬تلقي‭ ‬الأوامر‭ ‬ويقنع‭ ‬نفسه‭ ‬بأن‭ ‬تلقيها‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬رقيه‭.‬

بهذا‭ ‬المعني،‭ ‬حين‭ ‬نسأل‭ ‬اليوم‭ ‬عمن‭ ‬يصمم‭ ‬الخوارزمية‭ ‬التي‭ ‬تقرر‭ ‬ما‭ ‬يتعلمه‭ ‬التلميذ‭ ‬العربي،‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نسأل‭ ‬سؤالًا‭ ‬جديدًا‭. ‬إنه‭ ‬السؤال‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬طرحته‭ ‬الحركات‭ ‬الوطنية‭ ‬حين‭ ‬رأت‭ ‬في‭ ‬المناهج‭ ‬الاستعمارية‭ ‬خريطة‭ ‬معرفية‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬التبعية‭. ‬والفارق‭ ‬الوحيد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخريطة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مطبوعة‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬تحملها‭ ‬حقائب‭ ‬المدارس،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬مضمنة‭ ‬في‭ ‬نماذج‭ ‬لغوية‭ ‬كبيرة‭ ‬أنتجت‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬السيليكون،‭ ‬وتحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬كل‭ ‬منتج‭ ‬ثقافي‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬عائدة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬أنتجه،‭ ‬وأولوياته‭ ‬وحدود‭ ‬تصوره‭ ‬للعالم‭.‬

وتكشف‭ ‬النتائج‭ ‬الأخيرة‭ ‬لتقرير‭ ‬‮«‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‮»‬‭ ‬حول‭ ‬التعليم‭ ‬الرقمي‭ ‬2026‭ ‬عن‭ ‬مفارقة‭ ‬جوهرية؛‭ ‬إذ‭ ‬يؤكد‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي‭ ‬قادرٌ‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬أداء‭ ‬المهام‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬قد‭ ‬يقوض‭ ‬عملية‭ ‬التعلم‭ ‬العميق‭ ‬إذا‭ ‬استخدم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تصميم‭ ‬بيداغوجي‭ ‬مدروس‭. ‬والبيداغوجيا‭ ‬كلمةٌ‭ ‬يونانية‭ ‬مركبة‭ ‬من‭ ‬Pais‭ ‬أي‭ ‬الطفل،‭ ‬وAgogos‭ ‬أي‭ ‬القائد،‭ ‬ومعناها‭ ‬الحرفي‭ ‬‮«‬قيادة‭ ‬الطفل‭ ‬نحو‭ ‬المعرفة‮»‬،‭ ‬وتستخدم‭ ‬اليوم‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬التعليم‭ ‬وطرائق‭ ‬بنائه؛‭ ‬وهي‭ ‬بالضبط‭ ‬القيادة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتقنها‭ ‬الخوارزمية‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬كفاءتها‭.‬

‭ ‬وتجسد‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة‭ ‬دراسةٌ‭ ‬ميدانيةٌ‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ألف‭ ‬تلميذ‭ ‬في‭ ‬الثانوية‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬استشهد‭ ‬بها‭ ‬التقرير،‭ ‬أجريت‭ ‬في‭ ‬مادة‭ ‬الرياضيات؛‭ ‬إذ‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬التلاميذ‭ ‬الذين‭ ‬استخدموا‭ ‬أنموذج‭ ‬GPT-4‭ ‬بواجهته‭ ‬المعيارية‭ ‬حسنوا‭ ‬أداءهم‭ ‬بنسبة‭ ‬48‭%‬،‭ ‬فيما‭ ‬ارتفع‭ ‬هذا‭ ‬التحسن‭ ‬إلى‭ ‬127‭%‬‭ ‬حين‭ ‬استخدمت‭ ‬نسخة‭ ‬مصممة‭ ‬خصيصًا‭ ‬لدعم‭ ‬التعلم،‭ ‬لا‭ ‬لتقديم‭ ‬الإجابات‭ ‬مباشرة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التلاميذ‭ ‬في‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين‭ ‬حين‭ ‬أزيلت‭ ‬الأداة‭ ‬أدوا‭ ‬بشكل‭ ‬أسوأ‭ ‬بنسبة‭ ‬17‭%‬‭ ‬مقارنة‭ ‬بأقرانهم‭ ‬الذين‭ ‬درسوا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ذكاء‭ ‬اصطناعي،‭ ‬ولا‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬عرضية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تمثل‭ ‬التناقض‭ ‬البنيوي‭ ‬بين‭ ‬منطق‭ ‬الكفاءة‭ ‬الذي‭ ‬تسعى‭ ‬إليه‭ ‬التقنية‭ ‬ومنطق‭ ‬الفهم‭ ‬الذي‭ ‬يقتضيه‭ ‬التعليم‭ ‬الحقيقي؛‭ ‬فالأنظمة‭ ‬الذكية‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تجيب‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬التلميذ،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تعلمه‭ ‬كيف‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬ابتداء،‭ ‬وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬الفارق‭ ‬الحاسم‭.‬

عطفًا‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬تزداد‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة‭ ‬تعقيدًا‭ ‬حين‭ ‬ندرك‭ ‬حجم‭ ‬التحول‭ ‬الجاري؛‭ ‬فوفقًا‭ ‬لتقرير‭ ‬مستقبل‭ ‬الوظائف‭ ‬2025‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬المنتدى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬39‭%‬‭ ‬من‭ ‬المهارات‭ ‬الأساسية‭ ‬المطلوبة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2030،‭ ‬وأن‭ ‬59‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬100‭ ‬عامل‭ ‬سيحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬تدريب‭ ‬وإعادة‭ ‬تأهيل‭. ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬المنظومات‭ ‬التعليمية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعيد‭ ‬هيكلة‭ ‬نفسها‭ ‬اليوم‭ ‬ستنتج‭ ‬غدا‭ ‬أجيالا‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمعرفي‭ ‬الجديد‭. ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يكشفه‭ ‬تقرير‭ ‬مؤشر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬2025‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬جامعة‭ ‬ستانفورد،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬81‭%‬‭ ‬من‭ ‬معلمي‭ ‬علوم‭ ‬الحاسوب‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يرون‭ ‬ضرورة‭ ‬تضمين‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬مناهجهم،‭ ‬لكن‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬نصفهم‭ ‬يشعرون‭ ‬بأنهم‭ ‬مؤهلون‭ ‬لتدريسه‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬دولة‭ ‬تقود‭ ‬الابتكار‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬فكيف‭ ‬يكون‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬أصلًا‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬هيكلية‭ ‬متراكمة‭ ‬في‭ ‬منظومته‭ ‬التعليمية؟

 

الأنموذج‭ ‬البنكي‭ ‬الرقمي

لعل‭ ‬فهم‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬يتطلب‭ ‬تجاوز‭ ‬الأدوات‭ ‬التحليلية‭ ‬التقنية‭ ‬واللجوء‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬نظري‭ ‬من‭ ‬حقل‭ ‬الفلسفة‭ ‬التربوية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبدو‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬التعليم‭ ‬البنكي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬طرحه‭ ‬المفكر‭ ‬البرازيلي‭ ‬باولو‭ ‬فريري‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الرائد‭ ‬‮«‬بيداجوجيا‭ ‬المقهورين‮»‬‭ ‬ذا‭ ‬أهمية‭ ‬استثنائية‭. ‬فقد‭ ‬وصف‭ ‬فريري‭ ‬النظام‭ ‬التعليمي‭ ‬التقليدي‭ ‬بأنه‭ ‬يعمل‭ ‬وفق‭ ‬‮«‬نموذج‭ ‬بنكي‮»‬؛‭ ‬حيث‭ ‬يقتصر‭ ‬دور‭ ‬المعلم‭ ‬علي‭ ‬‮«‬إيداع‮»‬‭ ‬المعلومات‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬التلاميذ‭ ‬السلبيين،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬تودع‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬خزائن‭ ‬البنوك،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للمتعلم‭ ‬دور‭ ‬نقدي‭ ‬أو‭ ‬تحويلي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭. ‬وقد‭ ‬أشارت‭ ‬اليونسكو‭ ‬في‭ ‬تقريرها‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬2025‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الأنموذج‭ ‬الفريري‭ ‬صراحة،‭ ‬محذرة‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬إنتاج‭ ‬‮«‬التعليم‭ ‬البنكي‮»‬‭ ‬في‭ ‬ثوب‭ ‬رقمي‭ ‬أكثر‭ ‬إغراء‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬إسقاط‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬التحليلي‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬تعامل‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬مع‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬مشهد‭ ‬مقلق‭. ‬فالاعتماد‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬تعليمية‭ ‬ذكية‭ ‬مستوردة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تكييفها‭ ‬مع‭ ‬السياقات‭ ‬الثقافية‭ ‬والمعرفية‭ ‬المحلية،‭ ‬يحول‭ ‬التلميذ‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬متلق‭ ‬مزدوج»؛‭ ‬يتلقى‭ ‬المعرفة‭ ‬الجاهزة‭ ‬من‭ ‬الآلة،‭ ‬والمنظومة‭ ‬القيمية‭ ‬الكامنة‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬أنتجها‭. ‬والأخطر‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬التعليم‭ ‬البنكي‭ ‬الرقمي‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بتكريس‭ ‬السلبية،‭ ‬بل‭ ‬يضفي‭ ‬عليها‭ ‬شرعية‭ ‬‮«‬الحداثة‮»‬‭ ‬و«الكفاءة‮»‬،‭ ‬فيتحول‭ ‬التلميذ‭ ‬من‭ ‬متلق‭ ‬صامت‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬التقليدي‭ ‬إلى‭ ‬متلق‭ ‬صامت‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتغير‭ ‬جوهر‭ ‬العلاقة‭ ‬المعرفية‭. ‬وهكذا،‭ ‬يتعمق‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬سميناه‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬مغايرة‭ ‬بالاغتراب‭ ‬الخوارزمي؛‭ ‬حيث‭ ‬يتعطل‭ ‬الوعي‭ ‬النقدي‭ ‬لمصلحة‭ ‬الامتثال‭ ‬الآلي‭.‬

يتخذ‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬أبعادا‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الأرقام‭ ‬الفعلية‭. ‬فقد‭ ‬كشف‭ ‬تقرير‭ ‬للبنك‭ ‬الدولي‭ ‬حول‭ ‬المهارات‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬70‭%‬‭ ‬من‭ ‬الرؤساء‭ ‬التنفيذيين‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬يعتبرون‭ ‬نقص‭ ‬المهارات‭ ‬الرقمية‭ ‬تهديدا‭ ‬رئيسا‭ ‬لأعمالهم،‭ ‬بينما‭ ‬يتطلب‭ ‬23‭%‬‭ ‬من‭ ‬الوظائف‭ ‬الرقمية‭ ‬المعلنة‭ ‬مهارات‭ ‬مختصة‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬المعروض‭ ‬التعليمي‭ ‬والمطلوب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خلل‭ ‬وظيفي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬تعبيرٌ‭ ‬صارخ‭ ‬عن‭ ‬فشل‭ ‬بنيوي‭ ‬في‭ ‬منظومات‭ ‬تعليمية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تراوح‭ ‬بين‭ ‬التلقين‭ ‬التقليدي‭ ‬والاستيراد‭ ‬التقني‭ ‬غير‭ ‬المدروس‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه‭ ‬يتعدى‭ ‬مسألة‭ ‬إدخال‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬إلى‭ ‬الفصول‭ ‬الدراسية،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬بناء‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬‮«‬بيداغوجيا‭ ‬عربية‭ ‬نقدية‮»‬‭ ‬تستلهم‭ ‬روح‭ ‬فريري‭ ‬في‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬‮«‬التعليم‭ ‬البنكي‮»‬‭ ‬وتترجمها‭ ‬في‭ ‬سياقنا‭ ‬الرقمي‭ ‬المعاصر‭. ‬بيداغوجيا‭ ‬تعلم‭ ‬التلميذ‭ ‬كيف‭ ‬يساءل‭ ‬الخوارزمية‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يمتثل‭ ‬لها،‭ ‬وكيف‭ ‬ينتج‭ ‬المعرفة،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يستهلكها،‭ ‬وكيف‭ ‬يوظف‭ ‬الأداة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬توظفه‭. ‬

هذا‭ ‬يستدعي‭ ‬بدوره‭ ‬ثورة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬مناهج‭ ‬إعداد‭ ‬المعلمين،‭ ‬وتكوين‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬المعلمين‭ ‬الرقميين‭ ‬النقديين‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الكفاءة‭ ‬التقنية‭ ‬والوعي‭ ‬التربوي‭ ‬العميق،‭ ‬وفهم‭ ‬الخوارزميات‭ ‬وفهم‭ ‬السياقات‭ ‬الحضارية‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬فيها؛‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الاهتمام‭ ‬المتنامي‭ ‬عالميا‭ ‬بالنماذج‭ ‬اللغوية‭ ‬الكبيرة‭ ‬LLMs،‭ ‬ووكلاء‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬AI‭ ‬Agents،‭ ‬ومؤخرا‭ ‬ما‭ ‬يدعى‭ ‬نماذج‭ ‬العالم‭ ‬World‭ ‬Models‭ ‬التي‭ ‬تجسد‭ ‬الذكاء‭ ‬المادي‭.‬

إجمالا،‭ ‬فإن‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬البيداغوجيا،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬من‭ ‬الرصانة‭ ‬النظرية،‭ ‬تظل‭ ‬معلقة‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬نجب‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحًا‭: ‬كيف‭ ‬تنشأ‭ ‬هذه‭ ‬البيداغوجيا،‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬مؤسسات،‭ ‬وضد‭ ‬مقاومة‭ ‬من؟

 

{‭ ‬باحث‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا