العدد : ١٧٦٨٠ - الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٠ - الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تأملات في أحكام الوراثة والقاعدة الشرعية «ومن بعد وصية يوصي بها»

بقلم: نبيلة رجب

الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

مات‭ ‬الجدّ،‭ ‬واجتمع‭ ‬أبناؤه‭ ‬على‭ ‬تركته‭. ‬وفي‭ ‬طرف‭ ‬المجلس‭ ‬امرأة‭ ‬أرملة‭ ‬ومعها‭ ‬صغيران،‭ ‬أبوهما‭ ‬هو‭ ‬الابن‭ ‬الذي‭ ‬مات‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬أبيه‭. ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬أوراق‭ ‬المنزل،‭ ‬ورجل‭ ‬يكتب‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬اسم‭ ‬نصيبه‭. ‬ويخرج‭ ‬الصغيران‭ ‬من‭ ‬الدار‭ ‬التي‭ ‬لعبا‭ ‬في‭ ‬فنائها‭ ‬وما‭ ‬لهما‭ ‬في‭ ‬القسمة‭ ‬اسم‭. ‬فقدا‭ ‬أباهما‭ ‬مرة،‭ ‬ثم‭ ‬فقدا‭ ‬موقعهما‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬جدّهما‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬وهما‭ ‬أحوج‭ ‬من‭ ‬حضر‭ ‬ذلك‭ ‬المجلس‭.‬

وللمسألة‭ ‬في‭ ‬الفقه‭ ‬حكم‭ ‬مستقرّ‭. ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الميت‭ ‬يتقدّم‭ ‬على‭ ‬الأبعد،‭ ‬والابن‭ ‬الحيّ‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬أبيه‭ ‬من‭ ‬ابن‭ ‬ابنه،‭ ‬فيأخذ‭ ‬العمّ‭ ‬ويقف‭ ‬الحفيدان‭ ‬خارج‭ ‬القسمة‭. ‬ولو‭ ‬سبق‭ ‬الأبناء‭ ‬أباهم‭ ‬جميعاً‭ ‬لورث‭ ‬الأحفادُ‭ ‬جدَّهم‭ ‬ولم‭ ‬يحجبهم‭ ‬أحد،‭ ‬فالأمر‭ ‬معلّق‭ ‬بوجود‭ ‬عمّ‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭. ‬قاعدة‭ ‬منضبطة‭ ‬قام‭ ‬عليها‭ ‬علم‭ ‬المواريث،‭ ‬وفيها‭ ‬ما‭ ‬يقطع‭ ‬النزاع‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬ويمنع‭ ‬الأهواء‭ ‬أن‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬التركات‭.‬

وفي‭ ‬بيوتنا‭ ‬أعمام‭ ‬يفتحون‭ ‬أبوابهم‭. ‬رجال‭ ‬حملوا‭ ‬أبناء‭ ‬إخوتهم‭ ‬على‭ ‬أكتافهم‭ ‬وأنفقوا‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬منّة،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬كثر‭ ‬يستحقّون‭ ‬أن‭ ‬يُذكروا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬بالمروءة‭ ‬يبقى‭ ‬معلّقاً‭ ‬بصاحبه،‭ ‬فإذا‭ ‬رحل‭ ‬العمّ‭ ‬أو‭ ‬ضاقت‭ ‬يده‭ ‬بقي‭ ‬الولدان‭ ‬بغير‭ ‬عون‭. ‬الكرم‭ ‬خُلق‭ ‬يُشكر‭ ‬عليه‭ ‬أهله،‭ ‬وورقة‭ ‬يكتبها‭ ‬الجدّ‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬تبقى‭ ‬نافذة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يمضي‭.‬

سألتني‭ ‬امرأة‭ ‬عن‭ ‬أبنائها،‭ ‬أبوهم‭ ‬رحل‭ ‬وجدّهم‭ ‬حيّ‭. ‬جلست‭ ‬على‭ ‬طرف‭ ‬المقعد‭ ‬وحقيبتها‭ ‬في‭ ‬حجرها،‭ ‬تفتح‭ ‬هاتفها‭ ‬وتُغلقه‭ ‬وهي‭ ‬تتكلّم‭. ‬قالتها‭ ‬بصوت‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬الجواب‭ ‬ويرجو‭ ‬أن‭ ‬يسمع‭ ‬غيره،‭ ‬ثم‭ ‬صمتت‭ ‬تنتظر‭. ‬قلت‭ ‬لها‭ ‬إن‭ ‬الحكم‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬يتغيّر،‭ ‬وإن‭ ‬باباً‭ ‬آخر‭ ‬يبقى‭ ‬مفتوحاً‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الجدّ‭ ‬حياً‭. ‬وسألت‭ ‬متى‭ ‬يُغلق‭ ‬هذا‭ ‬الباب،‭ ‬فقلت‭ ‬يوم‭ ‬يُغلق‭ ‬باب‭ ‬العمر‭. ‬شكرتني‭ ‬وخرجت،‭ ‬وبقي‭ ‬سؤالها‭ ‬معي‭ ‬حتى‭ ‬كتبت‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭. ‬

وللجدّ‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬ما‭ ‬يعالج‭ ‬هذا‭ ‬كلّه،‭ ‬اسمه‭ ‬الوصية‭. ‬له‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬ورقة‭ ‬يخصّ‭ ‬بها‭ ‬أبناء‭ ‬ابنه‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬ماله،‭ ‬فتُنفَّذ‭ ‬بعد‭ ‬موته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬توزَّع‭ ‬التركة‭. ‬والقرآن‭ ‬نفسه‭ ‬قدّمها‭ ‬على‭ ‬التوزيع‭ ‬في‭ ‬آية‭ ‬المواريث،‭ ‬فجعل‭ ‬أنصبة‭ ‬الورثة‭ ‬تُستخرج‭ ‬بعد‭ ‬تنفيذ‭ ‬ما‭ ‬أوصى‭ ‬به‭ ‬الميت‭ ‬وسداد‭ ‬ما‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬دَين‭. ‬وهؤلاء‭ ‬الصغار‭ ‬ليسوا‭ ‬من‭ ‬الورثة‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬عمّهم‭ ‬حياً،‭ ‬فالوصية‭ ‬لهم‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إذن‭ ‬أحد‭ ‬ولا‭ ‬رضا‭ ‬أحد،‭ ‬وحدّها‭ ‬ثلث‭ ‬المال‭.‬

وفي‭ ‬بلاد‭ ‬عربية‭ ‬كثيرة‭ ‬رفعوا‭ ‬الأمر‭ ‬عن‭ ‬تقدير‭ ‬الجدّ‭ ‬وحده‭. ‬سنّوا‭ ‬ما‭ ‬سمّوه‭ ‬الوصية‭ ‬الواجبة،‭ ‬فأخذ‭ ‬أبناء‭ ‬الابن‭ ‬المتوفّى‭ ‬نصيب‭ ‬أبيهم‭ ‬من‭ ‬تركة‭ ‬جدّهم‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الثلث،‭ ‬تُنفذ‭ ‬بحكم‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬مَن‭ ‬كتب‭ ‬وصيته‭ ‬ومَن‭ ‬أهملها،‭ ‬قصدوا‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬يُغلق‭ ‬باب‭ ‬الحاجة‭ ‬على‭ ‬أطفالٍ‭ ‬فقدوا‭ ‬أباهم‭. ‬وقانون‭ ‬الأسرة‭ ‬عندنا‭ ‬لم‭ ‬يوحّد‭ ‬أحكام‭ ‬الميراث‭ ‬والوصية،‭ ‬ونصّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يُطبَّق‭ ‬فيها‭ ‬الفقه‭ ‬الذي‭ ‬يتبعه‭ ‬المورّث‭ ‬أو‭ ‬الموصي،‭ ‬فبقي‭ ‬الأحفاد‭ ‬معلّقين‭ ‬بورقة‭ ‬يكتبها‭ ‬الجدّ‭ ‬بيده‭.‬

وأكثر‭ ‬ما‭ ‬يحول‭ ‬بين‭ ‬الجدّ‭ ‬وهذه‭ ‬الورقة‭ ‬شعور‭ ‬ثقيل‭ ‬بأن‭ ‬كتابتها‭ ‬استعجال‭ ‬للنهاية‭. ‬يؤجّلها‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬عافيته‭ ‬ويعدّ‭ ‬التأجيل‭ ‬تفاؤلاً،‭ ‬ثم‭ ‬يأتيه‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬لم‭ ‬يحسب‭ ‬حسابه،‭ ‬فتُقسَّم‭ ‬تركته‭ ‬بالحكم‭ ‬وحده‭ ‬ويبقى‭ ‬أحفاده‭ ‬خارجها،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬يكفيه‭ ‬أن‭ ‬يجلس‭ ‬ساعة‭ ‬يكتب‭ ‬وصيته‭ ‬ويوثّقها‭. ‬وفي‭ ‬الحديث‭ ‬الصحيح‭ ‬أن‭ ‬حقّ‭ ‬المسلم‭ ‬الذي‭ ‬عنده‭ ‬ما‭ ‬يوصي‭ ‬فيه‭ ‬ألا‭ ‬يبيت‭ ‬ليلتين‭ ‬إلا‭ ‬ووصيته‭ ‬مكتوبة‭ ‬عنده‭. ‬فالوصية‭ ‬إذاً‭ ‬ليست‭ ‬ورقة‭ ‬تُؤجَّل‭ ‬إلى‭ ‬مرض‭ ‬الموت،‭ ‬وإنما‭ ‬شأن‭ ‬يرتّبه‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬عاديّ‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬العافية‭.‬

وحتى‭ ‬لا‭ ‬تصير‭ ‬الورقة‭ ‬سبباً‭ ‬للخصومة،‭ ‬تُكتب‭ ‬في‭ ‬وضح‭ ‬النهار‭ ‬ويعلم‭ ‬بها‭ ‬أهل‭ ‬البيت‭. ‬ويحسب‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬التوثيق‭ ‬عبئاً‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬ومراجعات،‭ ‬والأمر‭ ‬اليوم‭ ‬أيسر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فوزارة‭ ‬العدل‭ ‬والشؤون‭ ‬الإسلامية‭ ‬والأوقاف‭ ‬تتيح‭ ‬خدمات‭ ‬للتوثيق‭ ‬الإلكتروني‭ ‬وعن‭ ‬بُعد،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬خدمات‭ ‬الموثّقين‭ ‬الخاصين‭. ‬لم‭ ‬تبقَ‭ ‬إذاً‭ ‬مشقّة‭ ‬تُعتذر‭ ‬بها،‭ ‬الذي‭ ‬يمنع‭ ‬الناس‭ ‬أمر‭ ‬آخر‭. ‬والوصية‭ ‬التي‭ ‬تُخبّأ‭ ‬في‭ ‬درج‭ ‬ويُفاجأ‭ ‬بها‭ ‬الورثة‭ ‬يوم‭ ‬التوزيع‭ ‬تُورث‭ ‬نزاعاً‭ ‬يطول،‭ ‬أما‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬صاحبها‭ ‬فتُنفَّذ‭ ‬بعد‭ ‬وفاته‭ ‬بلا‭ ‬خصومة‭.‬

والورقة‭ ‬تُكتب‭ ‬بعبارة‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬التأويل‭. ‬يُسمّي‭ ‬الجدّ‭ ‬أحفاده‭ ‬بأسمائهم‭ ‬ويحدّد‭ ‬لهم‭ ‬مقداراً‭ ‬من‭ ‬ماله‭ ‬أو‭ ‬عقاراً‭ ‬بعينه،‭ ‬ويذكر‭ ‬مَن‭ ‬يتولّى‭ ‬ما‭ ‬أوصى‭ ‬به‭ ‬لهم‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يبلغوا‭ ‬رشدهم‭. ‬الوصية‭ ‬المكتوبة‭ ‬بعبارة‭ ‬عامة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬أولاد‭ ‬ابني‮»‬‭ ‬تفتح‭ ‬باباً‭ ‬للتفسير‭ ‬يوم‭ ‬يغيب‭ ‬صاحبها،‭ ‬والمقدار‭ ‬المحدّد‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يُنفَّذ‭ ‬كما‭ ‬أراده‭ ‬صاحبه‭.‬

وفي‭ ‬العمر‭ ‬متّسع‭ ‬لمن‭ ‬قرأ‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬وله‭ ‬ابن‭ ‬رحل‭ ‬قبله‭ ‬وترك‭ ‬صغاراً‭. ‬ورقة‭ ‬تُكتب‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬وتُوثَّق‭ ‬في‭ ‬يوم،‭ ‬وتبقى‭ ‬بعده‭ ‬تحرس‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬سند‭ ‬لهم‭. ‬الذي‭ ‬كتبها‭ ‬يمضي‭ ‬وقد‭ ‬أدّى‭ ‬ما‭ ‬عليه،‭ ‬والذي‭ ‬أجّلها‭ ‬يترك‭ ‬خلفه‭ ‬تركةً‭ ‬يحضرها‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬أشدّ‭ ‬الحاضرين‭ ‬حاجة‭ ‬إليها‭ ‬ولا‭ ‬يخرج‭ ‬منها‭ ‬بشيء‭.‬

{ قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا