مات الجدّ، واجتمع أبناؤه على تركته. وفي طرف المجلس امرأة أرملة ومعها صغيران، أبوهما هو الابن الذي مات في حياة أبيه. على الطاولة أوراق المنزل، ورجل يكتب أمام كل اسم نصيبه. ويخرج الصغيران من الدار التي لعبا في فنائها وما لهما في القسمة اسم. فقدا أباهما مرة، ثم فقدا موقعهما في بيت جدّهما مرة أخرى، وهما أحوج من حضر ذلك المجلس.
وللمسألة في الفقه حكم مستقرّ. الأقرب إلى الميت يتقدّم على الأبعد، والابن الحيّ أقرب إلى أبيه من ابن ابنه، فيأخذ العمّ ويقف الحفيدان خارج القسمة. ولو سبق الأبناء أباهم جميعاً لورث الأحفادُ جدَّهم ولم يحجبهم أحد، فالأمر معلّق بوجود عمّ على قيد الحياة. قاعدة منضبطة قام عليها علم المواريث، وفيها ما يقطع النزاع في البيوت ويمنع الأهواء أن تتحكم في التركات.
وفي بيوتنا أعمام يفتحون أبوابهم. رجال حملوا أبناء إخوتهم على أكتافهم وأنفقوا عليهم من غير منّة، وهؤلاء كثر يستحقّون أن يُذكروا. غير أن ما يجري بالمروءة يبقى معلّقاً بصاحبه، فإذا رحل العمّ أو ضاقت يده بقي الولدان بغير عون. الكرم خُلق يُشكر عليه أهله، وورقة يكتبها الجدّ في حياته تبقى نافذة بعد أن يمضي.
سألتني امرأة عن أبنائها، أبوهم رحل وجدّهم حيّ. جلست على طرف المقعد وحقيبتها في حجرها، تفتح هاتفها وتُغلقه وهي تتكلّم. قالتها بصوت من يعرف الجواب ويرجو أن يسمع غيره، ثم صمتت تنتظر. قلت لها إن الحكم واحد لا يتغيّر، وإن باباً آخر يبقى مفتوحاً ما دام الجدّ حياً. وسألت متى يُغلق هذا الباب، فقلت يوم يُغلق باب العمر. شكرتني وخرجت، وبقي سؤالها معي حتى كتبت هذه السطور.
وللجدّ في حياته ما يعالج هذا كلّه، اسمه الوصية. له أن يكتب ورقة يخصّ بها أبناء ابنه بشيء من ماله، فتُنفَّذ بعد موته قبل أن توزَّع التركة. والقرآن نفسه قدّمها على التوزيع في آية المواريث، فجعل أنصبة الورثة تُستخرج بعد تنفيذ ما أوصى به الميت وسداد ما عليه من دَين. وهؤلاء الصغار ليسوا من الورثة ما دام عمّهم حياً، فالوصية لهم لا تحتاج إلى إذن أحد ولا رضا أحد، وحدّها ثلث المال.
وفي بلاد عربية كثيرة رفعوا الأمر عن تقدير الجدّ وحده. سنّوا ما سمّوه الوصية الواجبة، فأخذ أبناء الابن المتوفّى نصيب أبيهم من تركة جدّهم في حدود الثلث، تُنفذ بحكم القانون على مَن كتب وصيته ومَن أهملها، قصدوا بها أن يُغلق باب الحاجة على أطفالٍ فقدوا أباهم. وقانون الأسرة عندنا لم يوحّد أحكام الميراث والوصية، ونصّ على أن يُطبَّق فيها الفقه الذي يتبعه المورّث أو الموصي، فبقي الأحفاد معلّقين بورقة يكتبها الجدّ بيده.
وأكثر ما يحول بين الجدّ وهذه الورقة شعور ثقيل بأن كتابتها استعجال للنهاية. يؤجّلها وهو في عافيته ويعدّ التأجيل تفاؤلاً، ثم يأتيه الموت في يوم لم يحسب حسابه، فتُقسَّم تركته بالحكم وحده ويبقى أحفاده خارجها، وقد كان يكفيه أن يجلس ساعة يكتب وصيته ويوثّقها. وفي الحديث الصحيح أن حقّ المسلم الذي عنده ما يوصي فيه ألا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده. فالوصية إذاً ليست ورقة تُؤجَّل إلى مرض الموت، وإنما شأن يرتّبه الإنسان في يوم عاديّ من أيام العافية.
وحتى لا تصير الورقة سبباً للخصومة، تُكتب في وضح النهار ويعلم بها أهل البيت. ويحسب بعض الناس التوثيق عبئاً يحتاج إلى وقت ومراجعات، والأمر اليوم أيسر من ذلك، فوزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف تتيح خدمات للتوثيق الإلكتروني وعن بُعد، إلى جانب خدمات الموثّقين الخاصين. لم تبقَ إذاً مشقّة تُعتذر بها، الذي يمنع الناس أمر آخر. والوصية التي تُخبّأ في درج ويُفاجأ بها الورثة يوم التوزيع تُورث نزاعاً يطول، أما التي يعرفها الجميع في حياة صاحبها فتُنفَّذ بعد وفاته بلا خصومة.
والورقة تُكتب بعبارة لا تحتمل التأويل. يُسمّي الجدّ أحفاده بأسمائهم ويحدّد لهم مقداراً من ماله أو عقاراً بعينه، ويذكر مَن يتولّى ما أوصى به لهم إلى أن يبلغوا رشدهم. الوصية المكتوبة بعبارة عامة عن «أولاد ابني» تفتح باباً للتفسير يوم يغيب صاحبها، والمقدار المحدّد أقرب إلى أن يُنفَّذ كما أراده صاحبه.
وفي العمر متّسع لمن قرأ هذه السطور وله ابن رحل قبله وترك صغاراً. ورقة تُكتب في ساعة وتُوثَّق في يوم، وتبقى بعده تحرس من لا سند لهم. الذي كتبها يمضي وقد أدّى ما عليه، والذي أجّلها يترك خلفه تركةً يحضرها من هو أشدّ الحاضرين حاجة إليها ولا يخرج منها بشيء.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك