لقد أصبح الأمر رسمياً الآن، حيث رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفضاً قاطعاً الشروط الجوهرية لإطار عمل «مجلس السلام»، مصرحاً صراحةً بأن إسرائيل لن تلتزم بوقف إطلاق النار ولن تسحب قواتها من قطاع غزة.
خلال اجتماع لمجلس الوزراء عقد يوم 10 أغسطس 2026، صرّح بنيامين نتنياهو بعبارات لا لبس فيها قائلاً: «ترفض إسرائيل الوثيقة المكوّنة من 15 بنداً، التي نشرتها (لجنة السلام من أجل غزة)».
في محادثة سابقة مع المبعوث الأمريكي نيكولاي ملادينوف، وضع نتنياهو شروطاً -مثل المطالبة بحرية عملياتية أحادية الجانب للجيش الإسرائيلي لشن ضربات داخل غزة وقتما يشاء- تجعل التوصل إلى اتفاق سلام حقيقي أمراً مستحيلاً من الناحية الهيكلية.
وقد عززت قيادة الجيش الإسرائيلي، بقيادة رئيس الأركان إيال زامير، هذا الموقف من خلال تحديد ثلاثة «خطوط حمراء» لا تقبل المساومة أمام المستوى السياسي: حرية عملياتية كاملة للقضاء على التهديدات المحتملة في أي مكان داخل القطاع، ورقابة صارمة على جميع الأسلحة الداخلة إلى غزة أو الخارجة منها، ورفض تام لأي انسحاب عسكري ما لم يتم تجريد حركة حماس من سلاحها بالكامل.
يمكن توجيه انتقادات عديدة لنتنياهو، بما في ذلك مسؤوليته عن الإبادة الجماعية المستمرة؛ إلا أنه كان صريحاً للغاية بشأن نواياه في السنوات الأخيرة، ولذلك لا يمكن لأحد أن يدعي أن نتنياهو قد خدع أحداً.
وفي وقت سابق من هذا العام، وخلال كلمة ألقاها في مؤتمر عُقد في مستوطنة بالضفة الغربية المحتلة، تباهى نتنياهو صراحةً بأنه أصدر تعليمات للجيش الإسرائيلي بتوسيع نطاق وجوده الميداني واحتلال ما لا يقل عن 70% من قطاع غزة بشكل دائم؛ وهو توسع هائل يتجاوز بكثير خطوط الترسيم الإداري المؤقتة التي حُددت في أطر الهدنة السابقة.
في غضون ذلك، دفع وزراء اليمين المتطرف بموقف الحكومة الرافض إلى أبعد من ذلك؛ إذ طالب كل من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزيرة المهام الوطنية أوريت ستروك، في بيان مشترك، بعقد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء لإلغاء التفويض الخاص بنشر «قوة الاستقرار الدولية».
وقد أُنشئت هذه القوة -في إطار «مجلس السلام» وبوصفها هيئة انتقالية لحفظ السلام- بهدف الإشراف على الأمن الإنساني، بدءاً بمناطق تعافٍ تجريبية في رفح.
ومع ذلك، ادعى سموتريتش وستروك أن المجلس الوزاري الأمني المصغر قد «ضُلل» للموافقة على هذه القوة، بحجة أن السماح بدخول أفراد دوليين إلى غزة يعرض حرية العمليات الإسرائيلية للخطر ويتعارض بشكل مباشر مع أهداف الحرب المعلنة لديهم.
وتؤكد هذه التحركات الأخيرة -إلى جانب «الخطوط الحمراء» الصارمة التي وضعها الجيش- ما أوضحته أشهر من القصف المتواصل؛ إذ لا توجد لدى الحكومة الإسرائيلية أي نية لإنهاء الإبادة الجماعية التي ترتكبها في غزة أو التخلي عن سيطرتها على تلك الأراضي المحاصرة والمدمرة.
غير أن تسليط الضوء على مثل هذه المواقف لن يُحدث أي فرق، باستثناء التأكيد مجدداً انعدام رغبة إسرائيل التامة في السلام وعزمها على إدامة الصراع.
ورغم صحة ذلك، فإن مجرد إدراك هذا الأمر لا قيمة له؛ نظراً إلى أن ما يجري في غزة والضفة الغربية يتجاوز حدود الفظاعة، ولأن عمليات القتل اليومية للفلسطينيين تجعل من مصطلح «وقف إطلاق النار» أضحوكةً قاسية.
وفي حين يتناقش الدبلوماسيون حول الأطر المقترحة، تواصل الضربات الإسرائيلية حصد أرواح المدنيين يومياً؛ ما يرفع حصيلة القتلى في مرحلة ما بعد الهدنة إلى أكثر من 1250 قتيلاً، ويصل بإجمالي عدد القتلى منذ السابع من شهر أكتوبر 2023 إلى ما يزيد على 73000.
ومن ثم، فإن التحرك بات أمراً ضرورياً وعاجلاً؛ إذ إن الموقف الرسمي لإسرائيل لا يترك للمجتمع الدولي خياراً سوى اتخاذ إجراءات مباشرة ومنسقة على خمس جبهات رئيسية.
يتعين على الحكومات العربية والإسلامية وحلفائها، في المقام الأول، استغلال كل المنابر الدولية المتاحة -بدءاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن- لإدانة انتهاك إسرائيل إطار السلام الخاص بغزة رسمياً، وفضح سوء نيتها في المفاوضات.
كما يجب على هذه الدول تجاوز مرحلة البيانات الرمزية واللجوء إلى آليات مثل قرار «الاتحاد من أجل السلام» لتجاوز حق النقض (الفيتو) الغربي، والدفع نحو فرض عقوبات ملزمة، وتطبيق حظر شامل على توريد الأسلحة إلى إسرائيل.
ثانياً: لا بد أن تعيد حملة عالمية متجددة التركيز على قطاع غزة والضفة الغربية، كاشفةً عن الأهداف الإقليمية الأوسع لإسرائيل؛ وتحديداً التطهير العرقي الممنهج في غزة، والضم الإداري الهادئ للضفة الغربية.
وعلى مؤسسات المجتمع المدني والنقابات العمالية والمنظمات الشعبية في جميع أنحاء العالم ممارسة الضغط على حكوماتها الوطنية لقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل، إلى أن تمتثل للقانون الدولي.
ثالثاً: يتعين على الهيئات القانونية الدولية تسريع إجراءاتها؛ إذ يجب تجديد الضغط على المحكمة الجنائية الدولية لتنفيذ مذكرات الاعتقال الصادرة بحق كبار القادة الإسرائيليين، في حين يجب على محكمة العدل الدولية إنفاذ التدابير المؤقتة وإصدار أحكام نهائية بشأن انتهاكات إسرائيل اتفاقية منع الإبادة الجماعية. كما يجب التعامل مع الامتثال للقانون باعتباره شرطاً مسبقاً غير قابل للتفاوض في العلاقات الدولية.
رابعاً: ثمة حاجة إلى تحرك إعلامي دولي موحد للتصدي للدعاية التي ترعاها العربية، مع إبقاء أنظار الرأي العام مصوبةً نحو الخطط الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة الأمد، المتمثلة في التهجير الدائم لسكان غزة والاستيلاء الرسمي على الأراضي الفلسطينية.
يتعين على وسائل الإعلام المستقلة والصحفيين والمؤسسات الثقافية تحدي الروايات الرسمية التي تصوّر العدوان الإسرائيلي على أنه «دفاع عن النفس»، والتركيز بدلاً من ذلك على الواقع المعاش وشهادات الفلسطينيين القابعين تحت الحصار.
خامساً: يتعين على المجتمع الدولي تجاوز العراقيل الإسرائيلية لضمان دخول كميات هائلة من الغذاء والإمدادات الطبية ومواد الإيواء إلى غزة فوراً، وذلك للحيلولة دون تفشي المجاعة والتعرض لمخاطر الشتاء.
كما يجب على وكالات الإغاثة الدولية إنشاء ممرات إنسانية محمية بموجب تفويض دولي، ورفض السماح لإسرائيل باستخدام المجاعة المفتعلة وحرمان السكان من المساعدات الإنسانية كأسلحة حرب. ومع انكشاف النوايا الإسرائيلية تماماً، يتعين على المجتمع الدولي الانتقال من دور الوساطة السلبية إلى مرحلة الإنفاذ الفعلي.
تسعى إسرائيل إلى تطبيع الإبادة الجماعية، تماماً كما طبّعت من قبلُ الحصار غير القانوني المفروض على غزة، والاحتلال العسكري للضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، وعمليات التهجير المستمرة للفلسطينيين منذ عام 1948.
علينا أن نرفض بحزمٍ فكرةَ أن يصبح ذبح الأبرياء أمراً روتينياً مقبولاً.
إن مجرد العلم بهذه الفظائع لا يكفي، كما أن التعبير عن التضامن بالكلمات وحدها لا يكفي؛ إذ لا بد اليوم من اتخاذ إجراءات ملموسة وحاسمة، ومحاسبة الجناة أمرٌ يقع تماماً في نطاق قدرتنا، شريطة أن يتحلى العالم بالشجاعة السياسية اللازمة للتحرك.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك