اتصل بي ذات يوم أحد الأصدقاء المحاضرين في واحدة من الجامعات المحلية، وطلب مني زيارته ومقابلة طلابه، والتحدث معهم في جلسة وديه من ضمن مقرر في الإدارة والقيادة، وما يتعلق بهذا الموضوع.
جلسنا مع الطلاب، وتحدثنا في عديد من الموضوعات المتعلقة بالقيادة والإدارة، إلا أن الموضوع تشعب في عدة اتجاهات، وخاصة في موضوع الهوية الشخصية ما بعد سنوات التعليم، وكيف يمكن أن يبني الإنسان هويته الشخصية في ظل ظروف وزمن التسارع التقني، ودار حوار جميل منهجي حول هذا الموضوع.
وبعد عودتي إلى مكتبي شغلني هذا الموضوع، وبدأ يتردد وكأنه يريد أن يخرج إلى الملأ، لذلك هذا المقال إهداء لأبنائنا الطلاب وجميع من يسأل عن هذا الموضوع الحيوي.
من خلال بحثنا في موضوع الهوية الشخصية وجدنا أنه يُعدّ من أعرق الأسئلة الفلسفية وأكثرها التصاقًا بالوجود الإنساني، إذ يتقاطع فيه الميتافيزيقي بالنفسي، والفردي بالاجتماعي. فحين نسأل: (من أنا؟) أو (ما الذي يجعلني أنا هو نفسه عبر الزمن على الرغم من كل التغيرات التي تطرأ عليّ جسديًّا ونفسيًّا؟)، فإننا لا نطرح سؤالًا بسيطًا، بل نفتح بابًا على إشكاليات فلسفية عميقة تتعلق بالاستمرارية، والوعي، والذاكرة، والعلاقة بالآخر.
والهوية في أصلها اللغوي مشتقة من الضمير (هو)، أي ما يجعل الشيء هو ذاته وليس شيئًا آخر. أما اصطلاحًا فتشير إلى مجموع الخصائص والصفات والقيم والخبرات التي تمنح الفرد شعوره بالاستمرارية والتميّز عبر الزمن. وعليه فإنه يمكن تعريف الهوية الشخصية بأنها: (النسق المتكامل من السمات والقيم والمعتقدات والذكريات والاختيارات التي تجعل الفرد يدرك نفسه بوصفه ذاتًا متميزة ومستمرة على الرغم من تغير الظروف والتجارب).
تحديد مفهوم الهوية الشخصية
أولاً: مستويات المفهوم؛ يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات لمفهوم الهوية:
{ الهوية العددية (Numerical Identity): وتعني كون الشخص هو نفسه (عدديًا) عبر الزمن، أي أن (أنا) اليوم هو ذاته (أنا) الذي كان موجودًا قبل عشرين عامًا، على الرغم من كل التغيرات الجسدية والنفسية.
{ الهوية الكيفية (Qualitative Identity): وتشير إلى تشابه الصفات بين حالتين من حالات الشخص، دون أن يستلزم ذلك وحدة عددية.
{ الهوية السردية (Narrative Identity): وهي المعنى الذي يُنسجه الشخص لحياته عبر قصة متماسكة تربط ماضيه بحاضره ومستقبله، وهي مفهوم طوّره بشكل خاص بول ريكور.
الفلسفة التحليلية تُعنى غالبًا بالمستوى الأول، بينما تُعنى الفلسفة التأويلية وعلم النفس التنموي بالمستويين الثاني والثالث.
ثانيًا: السؤال المعياري والسؤال الوصفي؛ من المفيد منهجيًا التمييز بين سؤالين:
{ السؤال الميتافيزيقي: ما الذي يجعل الشخص (س) في اللحظة (زمن 1) هو نفسه الشخص (س) في اللحظة (زمن 2)؟
{ السؤال العملي/ الأخلاقي: ما الذي يهمّنا فعليًا حين نتحدث عن (البقاء على قيد الهوية)، من حيث المسؤولية الأخلاقية، والاهتمام الذاتي بالمستقبل، والانتماء؟
هذا التمييز ضروري لأن بعض الفلاسفة (مثل: كديريك بارفيت) يرون أن الهوية العددية الصارمة قد لا تكون هي ما يهمّ أخلاقيًا في نهاية المطاف.
مم تتكون الهوية الشخصية؟
{ القيم؛ ما الذي تراه مهمًا في الحياة؟ مثل الصدق، المسؤولية، الحرية.
{ المعتقدات والأفكار؛ ما نظرتك إلى الحياة والعالم؟
{ الاهتمامات والشغف؛ ما الأمور التي تستمتع بها وتسعى إليها؟
{ الأدوار الاجتماعية؛ مثل كونك ابنًا أو أبًا أو طالبًا أو موظفًا.
{ التجارب والخبرات؛ ما النجاحات والإخفاقات والمواقف التي مررت بها؟
{ الشخصية؛ ما طريقة تفكيرك وتصرفك وتفاعلك مع الآخرين؟
مراحل بناء الهوية الشخصية
وجدنا عديدا من الطرق التي يقول أصحابها إنها الطرق العلمية والمنطقية التي يمكن أن تسهم بطريقة فعالة في بناء الهوية الشخصية، ولكن دعونا نسلك هذا الطريق المختصر، وهي كالتالي:
1- مرحلة الوعي بالذات؛ تمثل نقطة الانطلاق في بناء الهوية. ففي هذه المرحلة يبدأ الفرد بالتساؤل:
{ من أنا؟
{ ماذا أريد؟
{ ما القيم التي أؤمن بها؟
إن الوعي بالذات يفتح المجال أمام التمييز بين الرغبات العابرة والقيم العميقة.
2- مرحلة قبول الذات؛ بعد أن يتعرف الفرد على ذاته، تأتي مرحلة قبول الذات التي تعني تقبل الإنسان لنفسه كما هي دون مبالغة في الانتقاد أو التقليل من القدرات. ويتضمن ذلك الاعتراف بالأخطاء والعيوب باعتبارها جزءًا من الطبيعة البشرية. ويساعد قبول الذات على تعزيز الثقة بالنفس وتقوية الشعور بالأمان النفسي، مما يجعل الفرد أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة.
3- مرحلة اكتشاف القيم؛ فالقيم تشكل العمود الفقري للهوية الشخصية. إذ إن الفرد الذي يجعل الصدق قيمة عليا تختلف هويته عن فرد يجعل المنفعة أو السلطة محورًا لسلوكه. ولهذا فإن وضوح النسق القيمي يؤدي إلى وضوح الهوية.
4- مرحلة بناء السردية الذاتية؛ لا يفهم الإنسان نفسه من خلال الوقائع وحدها، بل من خلال القصة التي يرويها عن حياته. فالهوية تتعزز عندما ينجح الفرد في دمج نجاحاته وإخفاقاته ضمن معنى متماسك يفسر مسار حياته.
5- مرحلة الممارسة والالتزام؛ لا تُبنى الهوية بالأفكار فقط، بل بالأفعال المتكررة. فالذي يعتبر نفسه باحثًا عن المعرفة يثبت هويته عبر التعلم المستمر، والذي يرى نفسه مسؤولاً يؤكد هويته من خلال تحمل المسؤولية فعليًا. وعليه فإن العادات اليومية تمثل التجسيد العملي للهوية.
6- مرحلة تحمل المسؤولية؛ تتمثل هذه المرحلة في إدراك الفرد لمسؤوليته عن أفعاله وقراراته ونتائجها. فالشخص الناضج لا يلقي اللوم على الآخرين عند وقوع الأخطاء، بل يسعى إلى التعلم منها والاستفادة من تجاربه. وتسهم تحمل المسؤولية في تنمية الاستقلالية والثقة بالنفس، كما تساعد على بناء شخصية قادرة على اتخاذ المبادرات وتحقيق الأهداف.
7- مرحلة إدارة المشاعر؛ تلعب المشاعر دورًا مهمًا في حياة الإنسان، ولذلك فإن القدرة على إدارتها بشكل صحيح تعد من ركائز الهوية الشخصية السوية. وتشمل هذه المرحلة تعلم كيفية التعبير عن المشاعر بطريقة مناسبة، والتحكم في الانفعالات السلبية مثل الغضب والخوف والقلق. كما تساعد إدارة المشاعر على تحسين العلاقات الاجتماعية وتعزيز الاستقرار النفسي.
8- مرحلة تقدير الآخرين؛ لا تُبنى الهوية الشخصية بمعزل عن المجتمع، بل تتطور من خلال التفاعل مع الآخرين. وتتمثل هذه المرحلة في احترام الآخرين، وتقدير مشاعرهم، وآرائهم وحقوقهم. ويساعد تقدير الآخرين على تنمية التعاطف والتسامح، ويعزز من قدرة الفرد على بناء علاقات إيجابية قائمة على الاحترام المتبادل.
9- مرحلة المراجعة وإعادة البناء؛ الهوية ليست بنية جامدة، بل نظامًا متطورًا يخضع للمراجعة والنقد. فكل تجربة جديدة تفتح إمكانية لإعادة تقييم الذات وتطويرها دون فقدان شعورها بالاستمرارية.
التحديات المعاصرة لبناء الهوية
في العصر الحديث واجهت الهوية الشخصية تحديات غير مسبوقة، منها:
1- العولمة؛ أدت إلى تداخل الثقافات وتعدد المرجعيات، مما جعل الفرد يعيش بين هويات متعددة ومتنافسة.
2- وسائل التواصل الاجتماعي؛ أصبح الإنسان يعرض صورة رقمية عن نفسه قد تختلف عن واقعه الحقيقي، مما يخلق أحيانًا فجوة بين الهوية الفعلية والهوية الافتراضية.
3- تسارع التغيرات الاجتماعية؛ أدى إلى زيادة القلق الوجودي وصعوبة الحفاظ على صورة مستقرة للذات.
4- النزعة الاستهلاكية؛ حيث تصبح الهوية مرتبطة بالمظاهر والرموز الاستهلاكية أكثر من ارتباطها بالقيم والمعاني العميقة.
إن بناء الهوية الشخصية عملية مستمرة تتطلب الوعي والتعلم والتطوير الذاتي في مختلف مراحل الحياة. فكل مرحلة من المراحل السابقة تسهم في تشكيل شخصية متكاملة قادرة على التكيف مع المتغيرات وتحقيق النجاح والتوازن النفسي والاجتماعي. وعندما يحرص الفرد على تنمية هذه الجوانب في حياته، فإنه يبني هوية قوية وواضحة تمكنه من مواجهة تحديات المستقبل بثقة واقتدار، وتسهم في تحقيق حياة أكثر استقرارًا وإنتاجية وسعادة.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك