العدد : ١٧٦٨٤ - الأحد ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٤ - الأحد ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

رؤى استراتيجية غربية لمستقبل العالم

بقلم: د. رضوان السيد

الأحد ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

ليس‭ ‬بين‭ ‬كتاب‭ ‬برتران‭ ‬بادي‭ ‬ودومينيك‭ ‬فيدال‭ ‬بعنوان‭: ‬‮«‬نهاية‭ ‬الزعامة‭ ‬الأمريكية‮»‬‭ (‬2020‭) ‬وكتاب‭ ‬إيمانويل‭ ‬تود‭: ‬‮«‬هزيمة‭ ‬الغرب‮»‬‭ (‬2023‭) ‬سنوات‭ ‬كثيرة‭. ‬لكنّ‭ ‬اللهجة‭ ‬مختلفة؛‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬الكاتبان‭ ‬الاستراتيجيان‭ ‬الفرنسيان‭ ‬أنّ‭ ‬التفوق‭ ‬الأمريكي‭ ‬يتراجع‭ ‬بسرعة‭ ‬لصالح‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬مسائل‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬الهائل،‭ ‬وإنتاج‭ ‬السلع،‭ ‬والسيطرة‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭. ‬الذين‭ ‬ردّوا‭ ‬على‭ ‬الكتاب‭ ‬ذكروا‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمور‭: ‬الترابط‭ ‬القوي‭ ‬والمصالح‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بحيث‭ ‬لن‭ ‬يمضي‭ ‬الصينيون‭ ‬باتجاه‭ ‬الصراع؛‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬صالحهم‭. ‬والأمر‭ ‬الثاني‭ ‬أنّ‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هي‭ ‬نظام‭ ‬متفوق‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭. ‬والأمر‭ ‬الثالث‭ ‬أن‭ ‬نظام‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬العالم‭ (‬أو‭ ‬نظام‭ ‬الحضارة‭ ‬الواحدة‭) ‬هو‭ ‬نظام‭ ‬أمريكي‭ ‬إلى‭ ‬حدودٍ‭ ‬بعيدة‭. ‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الصينيون‭ ‬قد‭ ‬قلّدوا‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬التمايز؛‭ ‬فإنّ‭ ‬اليابانيين‭ ‬والهنود‭ ‬والأوروبيين‭ ‬والعرب‭ ‬وعشرات‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأُخرى‭ ‬قد‭ ‬قلّدت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬مواقع‭ ‬الإعجاب‭ ‬والتحالف‭! ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬المآل‭ ‬إلى‭ ‬الحلول‭ ‬الوسط‭ ‬بحيث‭ ‬يفيد‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬النظامين‭ ‬ويجري‭ ‬تجاوُز‭ ‬الصراع،‭ ‬وبخاصةٍ‭ ‬أنّ‭ ‬الأمريكيين‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬يؤكدون‭ ‬مواجهة‭ ‬الصين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنّ‭ ‬الصينيين‭ ‬يعلنون‭ ‬أن‭ ‬إرادات‭ ‬التعاون‭ ‬تحدوهم‭!‬

الفرنسي‭ ‬الآخر‭ ‬إيمانويل‭ ‬تود‭ ‬يتعرض‭ ‬للصعود‭ ‬الصيني،‭ ‬لكنّ‭ ‬محاولته‭ ‬لإظهار‭ ‬انحطاط‭ ‬أو‭ ‬انهيار‭ ‬الغرب‭ ‬تتجاوز‭ ‬التحدي‭ ‬الصيني‭ ‬للتركيز‭ ‬على‭ ‬تراجع‭ ‬حضاري‭ (‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬اقتصادي‭ ‬أو‭ ‬تكنولوجي‭) ‬يشمل‭ ‬الغرب‭ ‬كله،‭ ‬وهو‭ ‬يقصد‭ ‬به‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وهذا‭ ‬الانهيار‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬متأثر‭ ‬بصعود‭ ‬اليمين‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬الأوروبي،‭ ‬وصعود‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬ضد‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬اليمين‭ ‬السياسي،‭ ‬بل‭ ‬ضد‭ ‬نزوع‭ ‬الانحسار‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الشاملة‭ ‬والاتجاهات‭ ‬العالمية‭ ‬والكونية،‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الثانية،‭ ‬وأثرت‭ ‬في‭ ‬نشوء‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومفوضياتها‭ ‬ومؤسساتها،‭ ‬والإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬ثم‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬النقدية‭ ‬الدولية‭ ‬ونظام‭ ‬‮«‬برايتون‭ ‬وودز‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬تجلّت‭ ‬نزعة‭ ‬الانحسار‭ ‬في‭ ‬ظهور‭ ‬سياسيين‭ ‬ومفكرين‭ ‬معنيين‭ ‬بالبقاء‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬والحكومة،‭ ‬وتراجع‭ ‬أفكار‭ ‬المصالحات‭ ‬والتوافقيات‭ ‬الوطنية،‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬موجات‭ ‬الهجرة،‭ ‬وعدم‭ ‬الجرأة‭ ‬في‭ ‬الإصلاح‭ ‬المستمر،‭ ‬وثقل‭ ‬وطأة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬متأخرة‭. ‬ومع‭ ‬تراجع‭ ‬الاهتمامات‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬الاتحاد‭ ‬ما‭ ‬اهتمّ‭ ‬أحدٌ‭ ‬لبؤس‭ ‬روسيا‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭. ‬لقد‭ ‬اهتم‭ ‬الألمان‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭ ‬بمصير‭ ‬روسيا‭ ‬واستجلاب‭ ‬مصالح‭ ‬لهم‭ ‬فيها؛‭ ‬لكنّ‭ ‬إعراض‭ ‬البريطانيين‭ ‬وتقلب‭ ‬الفرنسيين‭ ‬والإيطاليين،‭ ‬أفقد‭ ‬روسيا‭ ‬كل‭ ‬اهتمامٍ‭ ‬أوروبي،‭ ‬حتى‭ ‬استفاق‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬تحركات‭ ‬روسيا‭ ‬بدءاً‭ ‬بعام‭ ‬2008‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

لقد‭ ‬ظهر‭ ‬الانحسار‭ ‬الأوروبي‭ ‬بالتدريج،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فقد‭ ‬تسارع‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬مجيء‭ ‬ترامب‭ ‬الى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬بمدة‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أرادت‭ ‬الإفادة‭ ‬منفردةً‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬وأرادت‭ ‬بالحروب‭ ‬إثبات‭ ‬سيطرتها،‭ ‬وبنتيجة‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬هجوم‭ ‬المسلمين‭ ‬الراديكاليين‭ ‬عليها،‭ ‬وخسارتها‭ ‬حربَي‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق‭! ‬بيد‭ ‬أنّ‭ ‬ثالثة‭ ‬الأثافي‭ ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬كانت‭ ‬الانقسام‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وأوروبا؛‭ ‬لأن‭ ‬ترامب‭ (‬وحتى‭ ‬أوباما‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬بعض‭ ‬الأوروبيين‭!) ‬أراد‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الحليفة‭ ‬القديمة‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يتعامل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬ثم‭ ‬مع‭ ‬روسيا،‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬‮«‬الناتو‮»‬‭ ‬ومجال‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭!‬

قضايا‭ ‬أو‭ ‬مشكلات‭ ‬الانحسار‭ ‬والانكماش‭ ‬بدأت‭ ‬معالمها‭ ‬بالظهور‭ ‬لدى‭ ‬الباحثين‭ ‬الاستراتيجيين‭ ‬منذ‭ ‬مطالع‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭. ‬وبدأت‭ ‬لدى‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬مثل‭ ‬كتاب‭: ‬‮«‬ما‭ ‬هي‭ ‬مصائر‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة؟‮»‬‭ ‬لجوزيف‭ ‬ناي‭ (‬1993‭)‬؛‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬هي‭ ‬القوة‭ ‬الجاذبة‭ ‬للعالم‭ ‬تجاه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بسبب‭ ‬حرياتها‭ ‬والفُرَص‭ ‬التي‭ ‬تتيحها‭ ‬للأفراد،‭ ‬وتفوق‭ ‬جامعاتها،‭ ‬وسهولة‭ ‬استقطابها‭ ‬للكفاءات‭ ‬العالمية،‭ ‬وتأثيراتها‭ ‬التنموية‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الثانية،‭ ‬وفي‭ ‬مجال‭ ‬التنافس‭ ‬على‭ ‬‮«‬خدمة‮»‬‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭.‬

جوزيف‭ ‬ناي،‭ ‬وهو‭ ‬الأستاذ‭ ‬الكبير‭ ‬والموظف‭ ‬في‭ ‬الإدارات‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬يذكر‭ ‬ويذكّر‭ ‬بالقوة‭ ‬الناعمة‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لكنه‭ ‬ينتبه‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬حملة‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬المدينة‭ ‬المباركة‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬الجبل‮»‬‭ ‬يتنافسون‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭ ‬على‭ ‬مَنْ‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬وطنية‭. ‬وبينهم‭ ‬أُناس‭ ‬سياسيون‭ ‬وباحثون‭ ‬ينصحون‭ ‬باستخدام‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المفاوضات‭ ‬الطويلة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭.‬

تكاثرت‭ ‬خلال‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ -‬إذن‭- ‬إنذارات‭ ‬الانهيار‭ ‬لتراجع‭ ‬القيم‭ ‬والقوى‭ ‬الإنسانية‭ ‬الشاملة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬كله،‭ ‬وصارت‭ ‬حتى‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالحروب‭ ‬الأخيرة‭ ‬تقول‭ ‬بتراجع‭ ‬الإمكانات‭ ‬الغربية‭ ‬بعامة،‭ ‬وبخاصةٍ‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاقتناع‭ ‬العالمي‭ ‬بها‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬من‭ ‬لبنان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا