هل تبدأ الاستدامة التنموية عندما نتخلص من الأشياء في حاوية إعادة التدوير، أو تبدأ من قراراتنا قبل ذلك بفترة طويلة، ويفترض أن تبدأ لحظة وقوفنا أمام رفوف المتاجر، واتخاذ قرار الشراء لأي بضاعة، وهل نحن فعًلا نفكر في ذلك، ونمر بشعور عدم الحاجة إلى البضاعة التي نشرع في شرائها، أم هناك محفزات تدفعنا بقوة نحو الشراء دون التفكير جديًا كالسعر أو الجودة؟ ربما نحن بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في مفهوم الاستدامة من زاوية مختلفة؛ لذا فإن المسؤولية البيئية لا تبدأ بعد أن نستهلك المنتج، تبدأ من لحظة اختيارنا لما نشتريه، والكمية التي نحتاجها، ومدى قدرتنا على استخدامها والمحافظة عليها أطول فترة ممكنة، حيث إن كل قرار بالشراء مهما كان مقداره يحمل في داخله أثرًا يتجاوز الفرد ويصل إلى الموارد الطبيعية والطاقة، وتراكم النفايات والبيئة.
في ظل ما يشهده عصرنا اليوم من تزايد في الأنماط الاستهلاكية التي أسهمت بشكل واسع في تراكم النفايات، واستنزاف واضح للموارد بأنواعها، فقد أصبح الحديث يا للأسف يدور في مجال محدد ويرتبط بكيفية التخلص من المواد المستهلكة وغير المستهلكة والعمل على تدويرها! لكن الاستدامة التي تعرّف ببساطة بأننا نستخدم ما نملكه من موارد اليوم بطريقة تحافظ على هذه الموارد للجيل القادم، ودون أن نستهلكها أو نقوم بهدرها بشكل مضّر بالإنسان والبيئة، والاستدامة في الحقيقة يجب أن تبدأ بسؤال عميق جدًا، ويستحق التوقف عنده، وهو: لماذا أصبحنا نشتري ونكدّس، ثم نرمي، ثم نطالب بإعادة التدوير والاستدامة والمحافظة على الموارد للأجيال القادمة، لماذا نفكر في كيفية التخلص من الملابس والأجهزة والأدوات بعد أن امتلأت بها خزائننا وبيوتنا، بدلا من أن نفكر منذ البداية بحاجتنا الفعلية إلى شرائها أصلا، فالاستهلاك ليس قضية اقتصادية او بيئية حديثة، بل هو قيمة راسخة تقوم على عدم الإسراف، وحسن استخدام الموارد، وهذا ما يتوافق مع قيمنا الإسلامية التي تدعو إلى نبذ التبذير، والنهي بشكل صريح عن الإسراف في قوله تعالى: (... وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، وهنا تتجلى قيمة الاعتدال والمسؤولية نحو الاستدامة.
ومن المهم أن نفهم كذلك أن الاستهلاك المسؤول لا يعني أنه يجب علينا التوقف عن الشراء أو التضيق على حياتنا، بل أن يكون لدينا وعي وتوجه حول أهمية الحاجة إلى ما نريد شراءه، وخصوصًا أننا مقبلون على موسم جديد من الاستهلاك مع قرب العودة إلى المدارس حيث إن هذه الفترة تتسم بزيادة المشتريات وتعدد الاحتياجات، وهنا يجب أن نفكر ويكون لدينا وعي وتمييز حول ما نحتاجه فعًلا وما يوجد لدينا ويمكننا الاستفادة منه بالفعل، أو الانجراف بلا وعي وراء الرغبة في اقتناء كل ما هو جديد.
وهنا قد تكون العودة إلى المدارس فرصة عملية حتى نعمل على ترسيخ هذا السلوك لدى الأسرة؛ من خلال إعادة استخدام الذي لا يزال صالحًا من الأدوات والملابس، واختيار ما يتميز بالجودة وطول الأمد، والمحافظة قدر الإمكان على المقتنيات بدلا من استبدالها لمجرد الرغبة في التغيير؛ لذا يجب أن يكون لكل عملية شراء قيمة وهدف، ويحول موسم التسوق من مجرد إنفاق إلى ممارسة يومية تعكس وعيًا بالموارد واحترامًا للبيئة.
ربما لا نفكر كثيرًا في قرارتنا اليومية، فكل اختيار نختاره يترك أثرًا كل يوم تقريبًا، لكن قرار الشراء لا يرتبط بالسعر والجودة والحاجة فقط؛ فكل عملية شراء واختيار فإننا نرسل رسالة إلى السوق، وندعم بصورة مباشرة وغير مباشرة طرق الإنتاج، والموارد المستخدمة فيه، وفي حال عدم توافره فإن ذلك سيترك لدينا أثرًا. وكذلك في حال انتهاء استخدامه.
وهنا قد يبدو أن قرار الفرد بسيط وليس ذا تأثير واضح ، إلا أن تكرار هذه القرارات بالتدريج من المستهلكين يحولها إلى قوة مؤثرة في السوق، فاختيار المنتج الأقل تغليفًا واستهلاكًا للمواد البلاستيكية، ودعم المنتج المحلي، وإعادة استخدام ما يمكن استخدامه، إلى جانب تقليل المنتجات أحادية الاستخدام، وتجنب عمليات الشراء غير الضرورية، وجميع ما سبق بالتأكيد تعد ممارسات تسهم في توجيه السوق نحو مزيد من المسؤولية وجودة المنتجات والاستدامة، وهنا يكون المستهلك شريكًا في تشكيل المنتجات، وكيفية الإنتاج بدًلا من أن يكون مجرد مستهلك سلبي متلقِ لما يتم عرضه في الأسواق.
لذلك يمكن النظر إلى كل عملية شراء باعتبارها تصويتًا صامًتا على نوع المستقبل الذي نريده، فالمستهلك لا يشتري منتجًا فقط، إنما يختار بصورة غير مباشرة كمية الموارد المستهلكة وحجم النفايات الناتجة عن هذا المنتج، وكذلك طول العمر الافتراضي للمنتج، ونمط الاستهلاك الذي يرغب في استمراره.
ولذلك فإن بناء ثقافة المستهلك المسؤول يبدأ بسؤال قد تم طرحه مسبقًا وهو: هل أحتاج إلى هذا المنتج بالفعل؟ وإن كانت الإجابة بنعم، فإن السؤال الذي يليه: ما الخيار الذي يحقق ما أحتاجه بجودة وأقل أثر ممكن، كذلك من الممكن بخطوات بسيطة جدًا إذا أردنا أن يتحول مفهوم المستهلك المسؤول من مجرد شعار وكلمات كتبت في مقالات إلى ممارسة يمكننا بسهولة تطبيقها في حياتنا اليومية، مثًلا وفق النقاط التالية:
{ التقيد بقاعدة مهمة وهي التفكير قبل الشراء لبضع ثوان في مدى الحاجة وإن كان يوجد لدينا بديل، وهل سوف أستخدمه بعد الشراء.
{ العمل على اختيار المنتجات ذات العمر الأطول والجودة العالية، وليس بالضرورة أن المنتج الأرخص سعرًا هو الأقل جودة.
{ دعم المنتجات الوطنية وخاصة إذا كان المنتج جيدًا ويدعم المشاريع الشبابية والريادية.
{ من الممكن أن يتجه المستهلك كتحفيز للشركات المسؤولة والصديقة للبيئة والمجتمع أن يشجع منتجاتهم.
{ تقليل الاستهلاك وإعادة استخدام المقتنيات القابلة للتدوير.
{ زيادة الوعي المجتمعي بدءا من الأسرة التي تعد المدرسة الأولى في تربية الأطفال ومنها يتعلمون المسؤولية بصورة عملية.
وفي النهاية إن أهمية هذه الفكرة تكمن في أنها تجعل الاستدامة مصطلحًا قريبًا لـحياتنا اليومية، بدلا من أن يقتصر على الشركات والمشروعات والسياسات البيئية. فالمستهلك يمتلك أداة تأثير بسيطة لكنها قوية ومؤثرة: قرار الشراء نفسه، وعندما يختار المستهلك بوعي وترشيد، فإنه لا يحدد ما يريد امتلاكه فقط، إنما يسهم في تشكيل الطلب على الخدمات والمنتجات بأنواعها، وتشجيع المنتجات الأكثر كفاءة وجودة وصديقة للبيئة، ويترك أثرًا في الحد من الاستهلاك المفرط الذي لا يقوم على حاجة حقيقية.
وختامًا، بهذا المعنى، تصبح الاستدامة ممارسة تبدأ من الوعي، ثم الاختيار، ثم الاستخدام المسؤول، ولا ننتهي إلا عندما نحافظ على قيمة ما نملك لأطول فترة ممكنة. وهنا تتحول قوة المستهلك من مجرد قدرة شرائية إلى قوة تغيير، وفي حال أصبح هذا الوعي عادة يلتزم فيها أفراد الأسرة، وسلوكًا لدى أبنائنا الطلبة، وثقافة لدى المجتمع، فبالتأكيد الشركات سوف تستجيب لهذه التغيرات، وهنا سيكون قرار الشراء قد تحول من مجرد عملية اقتصادية إلى أداة صناعة لمجتمع أكثر مسؤولية واستدامة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك