العدد : ١٧٦٨٦ - الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٦ - الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل يمكن الرهان على خطة ترامب للسلام في غزة؟

بقلم: د. حسن نافعة

الاثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

قام‭ ‬جاريد‭ ‬كوشنر،‭ ‬صهر‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬ومستشاره‭ ‬لشؤون‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بجولة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬يومي‭ ‬الأحد‭ ‬والاثنين‭ ‬الماضيين،‭ ‬اقتصرت‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬و«إسرائيل‮»‬‭ ‬واستهدفت،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬تهدئة‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والحؤول‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬المزايدات‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬دون‭ ‬انفجارها،‭ ‬ومحاولة‭ ‬تذليل‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحول،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬دون‭ ‬وضع‭ ‬خطة‭ ‬ترامب‭ ‬لتسوية‭ ‬الأزمة‭ ‬موضع‭ ‬التنفيذ،‭ ‬خصوصاً‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬منها‭ ‬بنزع‭ ‬سلاح‭ ‬حماس‭ ‬وبقية‭ ‬فصائل‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭. ‬

ولأن‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬ذريعة‭ ‬لتبرير‭ ‬عدم‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬والإبقاء‭ ‬عليه‭ ‬مدمراً‭ ‬وغير‭ ‬قابل‭ ‬للحياة،‭ ‬أملاً‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬ذلك‭ ‬عاملاً‭ ‬ضاغطاً‭ ‬يدفع‭ ‬نحو‭ ‬التهجير‭ ‬القسري‭ ‬ويساعد‭ ‬على‭ ‬إخلاء‭ ‬القطاع‭ ‬من‭ ‬سكانه،‭ ‬تمهيداً‭ ‬لإعادة‭ ‬احتلاله‭ ‬واستيطانه،‭ ‬فقد‭ ‬حظيت‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬باهتمام‭ ‬خاص‭ ‬وشكلت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لحظة‭ ‬اختيار‭ ‬جديدة‭ ‬لمدى‭ ‬جدية‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬المضي‭ ‬قدماً‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬خطته،‭ ‬خصوصاً‭ ‬وأن‭ ‬الزيارة‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬بالغ‭ ‬الحساسية‭.‬

فقد‭ ‬سبقتها‭ ‬مؤشرات‭ ‬عديدة‭ ‬توحي‭ ‬بعودة‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬خطة‭ ‬ترامب‭ ‬للسلام‭ ‬في‭ ‬غزة‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الجمود،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدلى‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬بتصريحات‭ ‬تفيد‭ ‬بأن‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬نزع‭ ‬سلاحها‭ ‬وعبّر‭ ‬عن‭ ‬سعادته‭ ‬البالغة‭ ‬بهذه‭ ‬الخطوة‭ ‬‮«‬التاريخية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أكد‭ ‬أنها‭ ‬ستساعد‭ ‬على‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬طرح‭ ‬ميلادينوف،‭ ‬المدير‭ ‬التنفيذي‭ ‬لمجلس‭ ‬السلام،‭ ‬خطة‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬بنداً‭ ‬وُصفت‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬لتنفيذ‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬خطة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬الشاملة‭ ‬للسلام‭ ‬في‭ ‬غزة‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬أوحى‭ ‬بأن‭ ‬عجلة‭ ‬التسوية‭ ‬بدأت‭ ‬تدور‭ ‬بعد‭ ‬طول‭ ‬توقف‭. ‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬نتنياهو،‭ ‬المتربص‭ ‬دوماً‭ ‬بعملية‭ ‬السلام‭ ‬والحريص‭ ‬على‭ ‬وأدها‭ ‬في‭ ‬المهد،‭ ‬اعترض‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬ولم‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬إعلان‭ ‬رفضه‭ ‬الصريح‭ ‬لها،‭ ‬لكن‭ ‬البعض‭ ‬حاول‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬ورأى‭ ‬فيه‭ ‬مناورة‭ ‬انتخابية‭ ‬موجهة‭ ‬للداخل‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

‭ ‬لهذه‭ ‬الأسباب،‭ ‬حين‭ ‬أُعلن‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬أن‭ ‬كوشنر‭ ‬سيزور‭ ‬المنطقة‭ ‬قريباً،‭ ‬استنتج‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬تصميماً‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬خطة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تطلّب‭ ‬الأمر‭ ‬ممارسة‭ ‬ضغوط‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬نتنياهو،‭ ‬وهو‭ ‬الانطباع‭ ‬الذي‭ ‬ترسّخ‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬كوشنر‭ ‬خلال‭ ‬زيارته‭ ‬بخليل‭ ‬الحية،‭ ‬رئيس‭ ‬المكتب‭ ‬التنفيذي‭ ‬لحركة‭ ‬حماس،‭ ‬وهو‭ ‬تطور‭ ‬مهم‭ ‬يوحي‭ ‬بأن‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬قررت‭ ‬التعامل‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬أصحاب‭ ‬الحل‭ ‬والعقد‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تقيم‭ ‬وزناً‭ ‬لأي‭ ‬حساسيات‭ ‬أو‭ ‬عقد‭ ‬تتعلق‭ ‬بخصوصية‭ ‬العلاقات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

أشارت‭ ‬التقارير‭ ‬الإعلامية‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عقب‭ ‬لقاء‭ ‬كوشنر‭ ‬مع‭ ‬نتنياهو،‭ ‬والذي‭ ‬حضره‭ ‬ميلادينوف،‭ ‬واستغرق‭ ‬4‭ ‬ساعات،‭ ‬أن‭ ‬نتنياهو‭ ‬حرص‭ ‬على‭ ‬دعوة‭ ‬رؤساء‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء،‭ ‬ربما‭ ‬لكي‭ ‬ينفي‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬تهمة‭ ‬تغليب‭ ‬مصالحه‭ ‬الشخصية‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية،‭ ‬ولإثبات‭ ‬أن‭ ‬الاعتبارات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بأمن‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬هي‭ ‬شغله‭ ‬الشاغل،‭ ‬كما‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نتنياهو‭ ‬قام‭ ‬بتوبيخ‭ ‬كوشنر‭ ‬بسبب‭ ‬لقائه‭ ‬مع‭ ‬خليل‭ ‬الحية‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وكلها‭ ‬إشارات‭ ‬توحي‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬لقاء‭ ‬صعباً‭ ‬ومتوتراً،‭ ‬وأن‭ ‬نتائجه‭ ‬الملموسة‭ ‬كانت‭ ‬محدودة،‭ ‬وتنحصر‭ ‬في‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬لجنتين،‭ ‬الأولى‭: ‬لجنة‭ ‬نزع‭ ‬السلاح،‭ ‬حيث‭ ‬يتردد‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتولّى‭ ‬جنرال‭ ‬أمريكي‭ ‬مسؤولية‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬نزع‭ ‬سلاح‭ ‬حماس،‭ ‬والثانية‭: ‬لجنة‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬والمياه‭ ‬والصرف‭ ‬الصحي،‭ ‬التي‭ ‬ستركز‭ ‬على‭ ‬بحث‭ ‬المسائل‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمياه‭ ‬والصرف‭ ‬الصحي‭ ‬والصحة‭ ‬العامة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ثبت‭ ‬أن‭ ‬أوضاع‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬مزرية‭ ‬تنذر‭ ‬بأفدح‭ ‬الأضرار،‭ ‬بسبب‭ ‬تكدّس‭ ‬أكوام‭ ‬القمامة‭ ‬وانتشار‭ ‬الحشرات‭ ‬وتفشّي‭ ‬الأوبئة‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬تهديداً‭ ‬خطيراً،‭ ‬لا‭ ‬لأمن‭ ‬سكان‭ ‬القطاع‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬لأمن‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

الاتفاق‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬هاتين‭ ‬اللجنتين‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أبداً‭ ‬أن‭ ‬لقاء‭ ‬كوشنر‭ ‬مع‭ ‬نتنياهو‭ ‬حقق‭ ‬تقدماً‭ ‬أو‭ ‬اختراقاً‭ ‬يُذكر‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الجوهرية‭. ‬فتشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬مشتركة‭ ‬لنزع‭ ‬السلاح‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬حدوث‭ ‬أي‭ ‬تغير‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬الحيوية،‭ ‬بل‭ ‬ويدل‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬ظل‭ ‬متعنّتاً‭ ‬ولم‭ ‬يتزحزح‭ ‬قيد‭ ‬أنملة‭. ‬فما‭ ‬زال‭ ‬نتنياهو‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نزع‭ ‬سلاح‭ ‬جميع‭ ‬فصائل‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬هو‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تسبق‭ ‬أي‭ ‬خطوة‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالانسحاب‭ ‬أو‭ ‬بالإعمار‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بزيادة‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وأن‭ ‬الاتفاق‭ ‬عليها‭ ‬ينبغي‭ ‬ألّا‭ ‬يقيّد‭ ‬حق‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬في‭ ‬مطاردة‭ ‬الفصائل‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأوقات،‭ ‬قيادات‭ ‬وأعضاء،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬إخلاء‭ ‬القطاع‭ ‬تماماً‭ ‬من‭ ‬السلاح،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يمس‭ ‬بحقها‭ ‬في‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬حالي‭ ‬أو‭ ‬محتمل،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تحتفظ‭ ‬لنفسها‭ ‬بالحق‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬واحد‭!!!.‬

‭ ‬أما‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬لجنة‭ ‬أمريكية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬مشتركة‭ ‬للمياه‭ ‬والصرف‭ ‬الصحي‭ ‬والصحة‭ ‬العامة،‭ ‬فيعكس‭ ‬حرص‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬مواطنيها‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬قلقاً‭ ‬على‭ ‬تدهور‭ ‬الأوضاع‭ ‬الإنسانية‭ ‬للفلسطينيين‭.‬

والواقع‭ ‬أن‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬الموقف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المتعنّت،‭ ‬والذي‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬التطرف‭ ‬المستفز،‭ ‬والموقف‭ ‬الحمساوي‭ ‬المرن،‭ ‬والذي‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬الحقوق،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكشف‭ ‬بوضوح،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬الخداع‭ ‬الأمريكي‭ ‬فحسب،‭ ‬بإظهار‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بمظهر‭ ‬القوة‭ ‬العالمية‭ ‬العاجزة‭ ‬عن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬كيان‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬الضغط‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬بإظهار‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬التي‭ ‬انساقت‭ ‬وراء‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬تبنّي‭ ‬خطته‭ ‬بشأن‭ ‬غزة،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬ثغرات،‭ ‬بمظهر‭ ‬الأطراف‭ ‬الفاقدة‭ ‬للبوصلة،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬أمامها‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬آخر‭ ‬سوى‭ ‬مواصلة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬حماس‭ ‬وفصائل‭ ‬المقاومة‭ ‬لتقديم‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التنازلات‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬تصل‭ ‬فيها‭ ‬المفاوضات‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬مسدود‭ ‬بسبب‭ ‬التعنّت‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬والخداع‭ ‬الأمريكي،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصلت‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬الحالة‭ ‬الراهنة،‭ ‬والتي‭ ‬تجد‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬نفسها‭ ‬مطالبة‭ ‬بنزع‭ ‬سلاحها‭ ‬بعد‭ ‬تجريدها‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أوراقها‭ ‬التفاوضية،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬ورقة‭ ‬الأسرى‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬ضمانات‭ ‬تلزم‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالوفاء‭ ‬بالالتزامات‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الوثيقة‭ ‬الأصلية‭.‬

يبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬موقف‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬الحالي‭ ‬من‭ ‬مسألة‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬النقطة‭ ‬التي‭ ‬يستحيل‭ ‬تجاوزها،‭ ‬وإلا‭ ‬تعرّضت‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬نفسها‭ ‬لخطر‭ ‬التصفية‭ ‬التامة‭ ‬والنهائية‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬أبدت‭ ‬حماس‭ ‬استعدادها‭ ‬لتسليم‭ ‬السلاح‭ ‬لهيئة‭ ‬وطنية‭ ‬فلسطينية‭ ‬تتولى‭ ‬جمعه‭ ‬وتخزينه،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬انسحاب‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬وفق‭ ‬جدول‭ ‬زمني‭ ‬محدد،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يُعاد‭ ‬تسليمه‭ ‬للهيئات‭ ‬المنتخبة‭ ‬المعنية‭ ‬بأمن‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بعد‭ ‬قيامها،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬مجال‭ ‬لأي‭ ‬تنازل‭ ‬آخر‭ ‬يمكن‭ ‬لحماس‭ ‬أو‭ ‬لغيرها‭ ‬تقديمه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إثبات‭ ‬حسن‭ ‬النية‭ ‬والرغبة‭ ‬الصادقة‭ ‬في‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬سلام‭ ‬حقيقي‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬كنفه‭ ‬كل‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭. ‬فتخلّي‭ ‬حماس‭ ‬عن‭ ‬سلاحها،‭ ‬ومعها‭ ‬بقية‭ ‬فصائل‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الخطوة‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬تُختتم‭ ‬بها‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬وتسبق‭ ‬مباشرة‭ ‬إجراء‭ ‬الانتخابات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬العامة،‭ ‬الرئاسية‭ ‬والبرلمانية‭ ‬والمحلية‭ ‬التي‭ ‬تشارك‭ ‬فيها‭ ‬القوى‭ ‬الفلسطينية‭ ‬كافة،‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬الاستناد‭ ‬إلى‭ ‬نتائجها‭ ‬لبناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬أن‭ ‬تُحل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قيامها‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بعيدة‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬فهي‭ ‬ترفض‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلة،‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬فيها‭ ‬أي‭ ‬حزب‭ ‬أو‭ ‬تيار‭ ‬سياسي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬الانتخابات‭ ‬المقبلة‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬سياسي‭ ‬يتبنى‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭. ‬وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بقضية‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬تصر‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الحالية‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتولّى‭ ‬بنفسها‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬جمع‭ ‬السلاح‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬خلوّ‭ ‬القطاع‭ ‬بأكمله‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬قطعة‭ ‬سلاح،‭ ‬وأن‭ ‬تقوم‭ ‬بتدميره‭ ‬تماماً‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬مباشرة‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬القطاع‭.‬

ولو‭ ‬تمكنت‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف،‭ ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬بمقدور‭ ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض‭ ‬أن‭ ‬تجبرها‭ ‬على‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬القطاع‭. ‬فمن‭ ‬الواضح‭ ‬تماماً‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الحالية‭ ‬تستخدم‭ ‬موضوع‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬ذريعة‭ ‬لتبرير‭ ‬عدم‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬القطاع،‭ ‬لأن‭ ‬هدفها‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬احتلاله‭ ‬بالكامل،‭ ‬بعد‭ ‬التهجير‭ ‬القسري‭ ‬لسكانه،‭ ‬ثم‭ ‬زرعه‭ ‬بالمستوطنات‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬مثلما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭.‬

ليس‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬كوشنر‭ ‬قد‭ ‬تمكن‭ ‬في‭ ‬زيارته‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬من‭ ‬نتنياهو‭ ‬على‭ ‬التزام‭ ‬بالتهدئة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الدعاية‭ ‬الانتخابية‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬بالفعل،‭ ‬والأرجح‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭. ‬فمن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬الدم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬سيكون‭ ‬وقود‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وأن‭ ‬المزايدة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الدم‭ ‬تترجَم‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬في‭ ‬الصناديق‭ ‬ومزيداً‭ ‬من‭ ‬المقاعد‭ ‬في‭ ‬الكنيست‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬الوزراء‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬نتنياهو‭ ‬الحالية‭ ‬من‭ ‬يطالب‭ ‬علناً‭ ‬بقتل‭ ‬40-50‭ ‬فلسطينياً‭ ‬يومياً،‭ ‬ومن‭ ‬الشرائح‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬من‭ ‬يطرب‭ ‬لسماع‭ ‬هذه‭ ‬الدعوات‭ ‬الوحشية‭ ‬بالقتل‭ ‬الجماعي،‭ ‬ويعكس‭ ‬أعلى‭ ‬مراحل‭ ‬الفاشية‭ ‬في‭ ‬نظم‭ ‬الأبارتيد‭ ‬والفصل‭ ‬العنصري‭.‬

نخلص‭ ‬مما‭ ‬تقدم‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المراهنة‭ ‬على‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬تسوية‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬عبر‭ ‬وضع‭ ‬خطته‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬موضع‭ ‬التنفيذ،‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬محلها‭. ‬فعمر‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬يقترب‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬كامل،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬مستمراً‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬هو‭ ‬الجانب‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وكأن‭ ‬سقوط‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬ربع‭ ‬مليون‭ ‬فلسطيني‭ ‬بين‭ ‬قتيل‭ ‬وجريح‭ ‬ومفقود‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لإشباع‭ ‬المتعطشين‭ ‬للدماء‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬يعيش‭ ‬مشرّداً‭ ‬في‭ ‬العراء‭ ‬ويعاني‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬والخدمات‭ ‬ومن‭ ‬انتشار‭ ‬الأوبئة‭ ‬والأمراض‭ ‬الفتاكة‭.‬

والأدهى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬أن‭ ‬المساحة‭ ‬التي‭ ‬تحتلها‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬تزيد‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬المساحة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحتلها‭ ‬أو‭ ‬تسيطر‭ ‬عليها‭ ‬سيطرة‭ ‬تامة‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬التي‭ ‬تحمست‭ ‬لخطة‭ ‬ترامب‭ ‬وساعدت‭ ‬على‭ ‬تبنّيها‭ ‬وترويجها،‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬إصدار‭ ‬بيانات‭ ‬إدانة‭ ‬خجولة‭ ‬تحمّل‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬الانتهاكات‭ ‬الحالية‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬ولكل‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬الخطة‭ ‬من‭ ‬التزامات‭. ‬وإذا‭ ‬استمر‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه،‭ ‬فستكون‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬هي‭ ‬الخاسر‭ ‬الأكبر،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لن‭ ‬تنعم‭ ‬المنطقة‭ ‬كلها‭ ‬بالهدوء‭ ‬أو‭ ‬الاستقرار‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬لذا‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬كي‭ ‬تغيّر‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬المهددة‭ ‬بالخروج‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬سياساتها‭ ‬ومن‭ ‬نهجها‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا