العدد : ١٧٦٨٨ - الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٨ - الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الخلق العظيم.. وذكرى المولد النبوي الشريف

بقلم: نبيلة رجب

الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

لي‭ ‬صديقة‭ ‬تسافر‭ ‬كل‭ ‬صيف،‭ ‬فتحمل‭ ‬قفص‭ ‬بلابلها‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الجيران‭ ‬القريب‭ ‬وتمضي‭ ‬مطمئنة‭. ‬وديعةٌ‭ ‬تتنفّس،‭ ‬يقتلها‭ ‬النسيان‭ ‬ليلة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬حرّ‭ ‬صيفنا‭ ‬الملتهب‭. ‬تعود‭ ‬بعد‭ ‬أسابيع‭ ‬فتجد‭ ‬الماء‭ ‬مبدّلاً‭ ‬وقد‭ ‬وُضع‭ ‬لها‭ ‬طعامها‭ ‬في‭ ‬موعده،‭ ‬ويسلّمها‭ ‬الجار‭ ‬القفص‭ ‬وهو‭ ‬يسألها‭ ‬كيف‭ ‬كان‭ ‬سفرها‭.‬

الأمانة‭ ‬في‭ ‬عرف‭ ‬أهالينا‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬صفة‭ ‬تُعرف‭ ‬في‭ ‬صاحبها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُطلب‭ ‬منه‭. ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬أقف‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬سيرة‭ ‬المصطفى‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭. ‬سمّاه‭ ‬قومه‭ ‬الأمين‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُبعث‭ ‬فيهم،‭ ‬فكانوا‭ ‬يستودعونه‭ ‬ما‭ ‬يخافون‭ ‬عليه‭. ‬ثم‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬مكة‭ ‬ليلا‭ ‬وقوم‭ ‬يتربّصون‭ ‬بدمه،‭ ‬وترك‭ ‬علياً‭ ‬وراءه‭ ‬يرد‭ ‬إلى‭ ‬أهلها‭ ‬ودائعهم‭. ‬الذين‭ ‬دبّروا‭ ‬قتله‭ ‬كانوا‭ ‬يأتمنونه‭ ‬على‭ ‬أموالهم،‭ ‬وما‭ ‬خطر‭ ‬لواحدٍ‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬يسحب‭ ‬وديعته‭.‬

وصفٌ‭ ‬بهذا‭ ‬العلوّ‭ ‬قد‭ ‬يوهم‭ ‬أن‭ ‬الخُلق‭ ‬العظيم‭ ‬مرتبة‭ ‬يُنظر‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬بعيد‭. ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬سيرته‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬أراد،‭ ‬فأكثره‭ ‬أفعالٌ‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬الناس،‭ ‬تُنال‭ ‬بالعزم‭ ‬عليها‭.‬

ويُروى‭ ‬أنّه‭ ‬اشترى‭ ‬من‭ ‬رجلٍ‭ ‬سلعةً‭ ‬قبل‭ ‬البعثة،‭ ‬فبقي‭ ‬عليه‭ ‬شيءٌ‭ ‬من‭ ‬ثمنها،‭ ‬فوعد‭ ‬الرجلَ‭ ‬أن‭ ‬ينتظره‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬حتى‭ ‬يأتيه‭ ‬بماله‭. ‬ونسي‭ ‬الرجلُ‭ ‬الموعد‭ ‬وانصرف‭ ‬إلى‭ ‬شأنه،‭ ‬فلمّا‭ ‬ذكره‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬المكان،‭ ‬فوجده‭ ‬واقفاً‭ ‬فيه‭ ‬لم‭ ‬يبرحه،‭ ‬فلم‭ ‬يزد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬قال‭ ‬له‭ ‬لقد‭ ‬شققتَ‭ ‬عليّ،‭ ‬أنا‭ ‬هنا‭ ‬منذ‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيامٍ‭ ‬أنتظرك‭. ‬دَينٌ‭ ‬لم‭ ‬يطالب‭ ‬به‭ ‬صاحبه،‭ ‬وانتظارٌ‭ ‬لم‭ ‬يعلم‭ ‬به‭ ‬أحد‭.‬

في‭ ‬طريق‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬بيتي‭ ‬في‭ ‬ظهيرةٍ‭ ‬من‭ ‬ظهائر‭ ‬الصيف،‭ ‬رأيتُ‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬امرأةً‭ ‬أجنبية‭ ‬جالسة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وفي‭ ‬حضنها‭ ‬قطة‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تسقيها‭ ‬ماءً‭. ‬سألتها‭ ‬عن‭ ‬القطة،‭ ‬فقالت‭ ‬إنها‭ ‬رأتها‭ ‬تتألم‭ ‬فنزلت‭ ‬من‭ ‬سيارتها‭ ‬وجاءتها‭ ‬بالماء‭. ‬وكانت‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬الطريق،‭ ‬لولا‭ ‬أنّي‭ ‬مررتُ‭ ‬بها‭ ‬ما‭ ‬علم‭ ‬بفعلها‭ ‬أحد‭.‬

رجلٌ‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬بيته‭ ‬فيلقى‭ ‬الناس‭ ‬بوجهٍ‭ ‬طلق،‭ ‬ويحتمل‭ ‬زميله‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬ساعاتٍ‭ ‬طويلة،‭ ‬ثم‭ ‬يدخل‭ ‬آخر‭ ‬النهار‭ ‬فيضيق‭ ‬بأولاده‭ ‬في‭ ‬دقائق‭. ‬الغريب‭ ‬يحدّث‭ ‬الناس‭ ‬بما‭ ‬رأى‭ ‬منه،‭ ‬وأهل‭ ‬البيت‭ ‬لا‭ ‬يسألهم‭ ‬أحد‭. ‬فما‭ ‬يصنعه‭ ‬معهم‭ ‬يصنعه‭ ‬وهو‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬سيرويه‭ ‬عنه‭.‬

خدمه‭ ‬أنس‭ ‬بن‭ ‬مالك‭ ‬عشر‭ ‬سنين،‭ ‬دخل‭ ‬بيته‭ ‬غلاماً‭ ‬وخرج‭ ‬رجلاً‭. ‬ثم‭ ‬قال‭ ‬عنه‭ ‬إنّه‭ ‬ما‭ ‬قال‭ ‬له‭ ‬أُفٍّ‭ ‬قطّ،‭ ‬وما‭ ‬لامه‭ ‬على‭ ‬شيءٍ‭ ‬صنعه‭ ‬أو‭ ‬تركه‭. ‬عشر‭ ‬سنين‭ ‬في‭ ‬بيتٍ‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬تفلت‭ ‬فيها‭ ‬كلمة‭ ‬ضجرٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬وأنسٌ‭ ‬يومها‭ ‬غلامٌ‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬أن‭ ‬يرد‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يشكو‭. ‬وفي‭ ‬روايةٍ‭ ‬أخرى‭ ‬عنه‭ ‬أنّه‭ ‬ما‭ ‬عاب‭ ‬عليه‭ ‬طعاماً‭ ‬قُدّم‭ ‬إليه‭ ‬قطّ،‭ ‬عشر‭ ‬سنين‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬يحمله‭ ‬غلامٌ‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬بيتٍ‭ ‬ضيّق‭ ‬العيش،‭ ‬ولا‭ ‬تخرج‭ ‬فيه‭ ‬كلمة‭ ‬في‭ ‬ملحٍ‭ ‬زاد‭ ‬أو‭ ‬خبزٍ‭ ‬أحرقته‭ ‬النار‭. ‬والرحمة‭ ‬بمن‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الردّ‭ ‬أصدق‭ ‬من‭ ‬الرحمة‭ ‬بمن‭ ‬يُخشى‭ ‬ردّه‭.‬

ما‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عنده‭. ‬القانون‭ ‬يأتي‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬الخطأ،‭ ‬ويأخذ‭ ‬الحقّ‭ ‬ممّن‭ ‬قامت‭ ‬عليه‭ ‬بيّنة‭. ‬فإن‭ ‬كانت‭ ‬الوديعة‭ ‬قد‭ ‬رُدّت‭ ‬بلا‭ ‬إيصال،‭ ‬والموعد‭ ‬قد‭ ‬حُفظ‭ ‬بلا‭ ‬شاهد،‭ ‬وقف‭ ‬مكتوف‭ ‬اليد‭. ‬ولو‭ ‬أنّ‭ ‬رجلاً‭ ‬استُودع‭ ‬مالاً‭ ‬في‭ ‬مجلسٍ‭ ‬خلا‭ ‬لهما‭ ‬وحدهما،‭ ‬ثم‭ ‬أنكر‭ ‬أنه‭ ‬أخذه،‭ ‬لخرج‭ ‬من‭ ‬قاعة‭ ‬القضاء‭ ‬بريئاً‭ ‬وفي‭ ‬يده‭ ‬ما‭ ‬ليس‭ ‬له‭. ‬القضاء‭ ‬يحمي‭ ‬صاحب‭ ‬الورقة،‭ ‬وأكثر‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬يجري‭ ‬بلا‭ ‬ورقة‭.‬

وأمانة‭ ‬السرّ‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كلّه‭ ‬عن‭ ‬متناول‭ ‬القضاء‭. ‬القانون‭ ‬يعاقب‭ ‬من‭ ‬أفشى‭ ‬سرّاً‭ ‬ائتمنته‭ ‬عليه‭ ‬مهنته،‭ ‬ويقف‭ ‬عند‭ ‬باب‭ ‬صديقٍ‭ ‬حدّثه‭ ‬صاحبه‭ ‬بما‭ ‬يؤلمه‭ ‬في‭ ‬ليلةٍ‭ ‬ضاقت‭ ‬به‭. ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬تفتح‭ ‬قلبها‭ ‬لجارتها‭ ‬لا‭ ‬تأخذ‭ ‬منها‭ ‬تعهّداً،‭ ‬ومن‭ ‬نقل‭ ‬الحديث‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬سالماً‭ ‬أمام‭ ‬القانون،‭ ‬وترك‭ ‬في‭ ‬صاحبه‭ ‬أثراً‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬له‭ ‬باباً‭ ‬يطرقه‭.‬

في‭ ‬المحكمة،‭ ‬لو‭ ‬أنكر‭ ‬الجار‭ ‬أنه‭ ‬تسلم‭ ‬القفص،‭ ‬ولو‭ ‬أنكر‭ ‬الصديق‭ ‬أنه‭ ‬سمع‭ ‬السرّ،‭ ‬لبرّأتهما‭ ‬الأدلة‭. ‬والحياة‭ ‬تجري‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬هذا‭. ‬فالناس‭ ‬ينامون‭ ‬مطمئنين‭ ‬على‭ ‬ودائع‭ ‬لا‭ ‬تغطيها‭ ‬البيّنات،‭ ‬ويودعون‭ ‬أسرارهم‭ ‬عند‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يلزمه‭ ‬نصّ،‭ ‬وهم‭ ‬يعرفون‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ينطقوا‭ ‬أن‭ ‬أوثق‭ ‬ما‭ ‬بينهم‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يعجزون‭ ‬عن‭ ‬إثباته‭.‬

والناس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬درجات،‭ ‬فالإحسان‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يشبه‭ ‬المرء‭ ‬امتدادٌ‭ ‬لحبّه‭ ‬نفسه‭. ‬ويُروى‭ ‬أنّ‭ ‬إيمان‭ ‬المرء‭ ‬يبقى‭ ‬ناقصاً‭ ‬حتى‭ ‬يحبّ‭ ‬لأخيه‭ ‬ما‭ ‬يحبّ‭ ‬لنفسه،‭ ‬والأخوّة‭ ‬عند‭ ‬من‭ ‬فسّرها‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬أخوّة‭ ‬الناس‭ ‬جميعاً،‭ ‬يدخل‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬يبعد‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬النسب‭ ‬والدين‭.‬

وتلك‭ ‬المرأة‭ ‬نزلت‭ ‬إلى‭ ‬أسفلتٍ‭ ‬يلسع‭ ‬وجلست‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬بثيابها،‭ ‬ترفع‭ ‬رأس‭ ‬قطة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬لها‭ ‬صاحباً‭. ‬ثم‭ ‬قامت‭ ‬ومضت‭.‬

وذكرى‭ ‬مولد‭ ‬النبي‭ ‬الكريم‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ (‬عليه‭ ‬أفضل‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭) ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬عام‭ ‬تعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الوجه‭ ‬من‭ ‬سيرته،‭ ‬فخلقه‭ ‬هو‭ ‬الميزان‭ ‬الذي‭ ‬يوزن‭ ‬به‭ ‬الناس،‭ ‬وأثقل‭ ‬ما‭ ‬يوضع‭ ‬فيه‭ ‬طيبُ‭ ‬السريرة‭. ‬ومن‭ ‬أراد‭ ‬الاقتداء‭ ‬به‭ ‬أخذ‭ ‬من‭ ‬طباعه‭ ‬ما‭ ‬يصلح‭ ‬به‭ ‬بيته‭ ‬قبل‭ ‬مجلسه،‭ ‬ورفقه‭ ‬بأهل‭ ‬بيته‭ ‬ومن‭ ‬يخدمه‭.‬

 

{ قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا