لي صديقة تسافر كل صيف، فتحمل قفص بلابلها إلى بيت الجيران القريب وتمضي مطمئنة. وديعةٌ تتنفّس، يقتلها النسيان ليلة واحدة في حرّ صيفنا الملتهب. تعود بعد أسابيع فتجد الماء مبدّلاً وقد وُضع لها طعامها في موعده، ويسلّمها الجار القفص وهو يسألها كيف كان سفرها.
الأمانة في عرف أهالينا في البحرين صفة تُعرف في صاحبها قبل أن تُطلب منه. على هذا المعنى أقف طويلاً في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. سمّاه قومه الأمين قبل أن يُبعث فيهم، فكانوا يستودعونه ما يخافون عليه. ثم خرج من مكة ليلا وقوم يتربّصون بدمه، وترك علياً وراءه يرد إلى أهلها ودائعهم. الذين دبّروا قتله كانوا يأتمنونه على أموالهم، وما خطر لواحدٍ منهم أن يسحب وديعته.
وصفٌ بهذا العلوّ قد يوهم أن الخُلق العظيم مرتبة يُنظر إليها من بعيد. الذي جاء في سيرته صلى الله عليه وسلم يفتح الباب لكل من أراد، فأكثره أفعالٌ في متناول الناس، تُنال بالعزم عليها.
ويُروى أنّه اشترى من رجلٍ سلعةً قبل البعثة، فبقي عليه شيءٌ من ثمنها، فوعد الرجلَ أن ينتظره في مكانه حتى يأتيه بماله. ونسي الرجلُ الموعد وانصرف إلى شأنه، فلمّا ذكره بعد ثلاثة أيام عاد إلى المكان، فوجده واقفاً فيه لم يبرحه، فلم يزد على أن قال له لقد شققتَ عليّ، أنا هنا منذ ثلاثة أيامٍ أنتظرك. دَينٌ لم يطالب به صاحبه، وانتظارٌ لم يعلم به أحد.
في طريق العودة إلى بيتي في ظهيرةٍ من ظهائر الصيف، رأيتُ من بعيد امرأةً أجنبية جالسة على الأرض وفي حضنها قطة تحاول أن تسقيها ماءً. سألتها عن القطة، فقالت إنها رأتها تتألم فنزلت من سيارتها وجاءتها بالماء. وكانت وحدها في الطريق، لولا أنّي مررتُ بها ما علم بفعلها أحد.
رجلٌ يخرج من بيته فيلقى الناس بوجهٍ طلق، ويحتمل زميله في العمل ساعاتٍ طويلة، ثم يدخل آخر النهار فيضيق بأولاده في دقائق. الغريب يحدّث الناس بما رأى منه، وأهل البيت لا يسألهم أحد. فما يصنعه معهم يصنعه وهو يعلم أن لا أحد سيرويه عنه.
خدمه أنس بن مالك عشر سنين، دخل بيته غلاماً وخرج رجلاً. ثم قال عنه إنّه ما قال له أُفٍّ قطّ، وما لامه على شيءٍ صنعه أو تركه. عشر سنين في بيتٍ واحد لا تفلت فيها كلمة ضجرٍ واحدة، وأنسٌ يومها غلامٌ لا يملك أن يرد ولا أن يشكو. وفي روايةٍ أخرى عنه أنّه ما عاب عليه طعاماً قُدّم إليه قطّ، عشر سنين من الطعام يحمله غلامٌ صغير في بيتٍ ضيّق العيش، ولا تخرج فيه كلمة في ملحٍ زاد أو خبزٍ أحرقته النار. والرحمة بمن لا يستطيع الردّ أصدق من الرحمة بمن يُخشى ردّه.
ما يبدأ في البيت لا يقف عنده. القانون يأتي بعد وقوع الخطأ، ويأخذ الحقّ ممّن قامت عليه بيّنة. فإن كانت الوديعة قد رُدّت بلا إيصال، والموعد قد حُفظ بلا شاهد، وقف مكتوف اليد. ولو أنّ رجلاً استُودع مالاً في مجلسٍ خلا لهما وحدهما، ثم أنكر أنه أخذه، لخرج من قاعة القضاء بريئاً وفي يده ما ليس له. القضاء يحمي صاحب الورقة، وأكثر ما يجري بين الناس يجري بلا ورقة.
وأمانة السرّ أبعد من ذلك كلّه عن متناول القضاء. القانون يعاقب من أفشى سرّاً ائتمنته عليه مهنته، ويقف عند باب صديقٍ حدّثه صاحبه بما يؤلمه في ليلةٍ ضاقت به. المرأة التي تفتح قلبها لجارتها لا تأخذ منها تعهّداً، ومن نقل الحديث بعد أشهر خرج من ذلك سالماً أمام القانون، وترك في صاحبه أثراً لا يعرف له باباً يطرقه.
في المحكمة، لو أنكر الجار أنه تسلم القفص، ولو أنكر الصديق أنه سمع السرّ، لبرّأتهما الأدلة. والحياة تجري على غير هذا. فالناس ينامون مطمئنين على ودائع لا تغطيها البيّنات، ويودعون أسرارهم عند من لا يلزمه نصّ، وهم يعرفون من غير أن ينطقوا أن أوثق ما بينهم هو ما يعجزون عن إثباته.
والناس في هذا على درجات، فالإحسان إلى من يشبه المرء امتدادٌ لحبّه نفسه. ويُروى أنّ إيمان المرء يبقى ناقصاً حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، والأخوّة عند من فسّرها من العلماء أخوّة الناس جميعاً، يدخل فيها من يبعد عنه في النسب والدين.
وتلك المرأة نزلت إلى أسفلتٍ يلسع وجلست على الأرض بثيابها، ترفع رأس قطة لا تعرف لها صاحباً. ثم قامت ومضت.
وذكرى مولد النبي الكريم محمد بن عبدالله (عليه أفضل الصلاة والسلام) في كلّ عام تعيدنا إلى هذا الوجه من سيرته، فخلقه هو الميزان الذي يوزن به الناس، وأثقل ما يوضع فيه طيبُ السريرة. ومن أراد الاقتداء به أخذ من طباعه ما يصلح به بيته قبل مجلسه، ورفقه بأهل بيته ومن يخدمه.
{ قانونية وكاتبة بحرينية
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك