العدد : ١٧٦٨٩ - الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٩ - الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الاعتداءات الإيرانية وحقوق المدنيين

بقلم: د. بدر محمد عادل

الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تعد‭ ‬الاعتداءات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المنطقة‭ ‬مجرد‭ ‬تطور‭ ‬أمني‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تمس‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬عليها‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني،‭ ‬وهو‭ ‬حماية‭ ‬المدنيين‭ ‬وتجنيبهم‭ ‬ويلات‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة،‮ ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬الهجمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬طالت‭ ‬دولًا‭ ‬ومنشآت‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬تتجدد‭ ‬الأسئلة‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬احترام‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وحول‭ ‬المسؤولية‭ ‬القانونية‭ ‬والسياسية‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬استهداف‭ ‬المدنيين‭ ‬أو‭ ‬تعريضهم‭ ‬للخطر‭.‬‮ ‬

‮ ‬إذ شهدت‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭ ‬هجمات‭ ‬إيرانية‭ ‬طالت‭ ‬دولًا‭ ‬خليجية،‭ ‬فيما‭ ‬تحدثت‭ ‬تقارير‭ ‬عن‭ ‬أضرار‭ ‬بشرية‭ ‬ومادية‭ ‬في‭ ‬منشآت‭ ‬مدنية‭ ‬وبنى‭ ‬تحتية‭ ‬حيوية،‮ ‬كما‭ ‬أُثيرت‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الاستهداف‭ ‬ليشمل‭ ‬مرافق‭ ‬الطاقة‭ ‬والمياه‭ ‬والنقل‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المنشآت‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬بحياة‭ ‬السكان‭ ‬اليومية،‭ ‬فالقاعدة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬واضحة‭.. ‬المدنيون‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬هدفًا‭ ‬للهجمات وليسوا‭ ‬طرفاً‭ ‬في‭ ‬الحرب‭.‬

إذ‮ ‬يلزم‭ ‬القانون‭ ‬أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬بالتمييز‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأوقات‭ ‬بين‭ ‬المدنيين‭ ‬والمقاتلين،‭ ‬وبين‭ ‬الأعيان‭ ‬المدنية‭ ‬والأهداف‭ ‬العسكرية،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬توجيه‭ ‬الهجمات‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬أهداف‭ ‬عسكرية‭ ‬مشروعة،‮ ‬كما‭ ‬تحظر‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬الهجمات‭ ‬العشوائية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تميز‭ ‬بين‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية‭ ‬والمدنيين،‮ ‬وهذا‭ ‬المبدأ‭ ‬لا‭ ‬يسقط‭ ‬بسبب‭ ‬طبيعة‭ ‬النزاع‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬الادعاء‭ ‬بوجود‭ ‬دوافع‭ ‬انتقامية،‮ ‬فحتى‭ ‬في‭ ‬أشد‭ ‬النزاعات،‭ ‬تبقى‭ ‬حياة‭ ‬المدنيين‭ ‬وكرامتهم‭ ‬محمية‭ ‬بالقانون،‮ ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬هجوم‭ ‬يتعمد‭ ‬استهداف‭ ‬المدنيين،‭ ‬أو‭ ‬يُنفذ‭ ‬بطريقة‭ ‬عشوائية‭ ‬لا‭ ‬تراعي‭ ‬وجودهم،‭ ‬يمثل‭ ‬انتهاكًا‭ ‬خطيرًا‭ ‬لقواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني،‭ ‬وقد‭ ‬يرقى،‭ ‬بحسب‭ ‬الوقائع‭ ‬والأدلة‭ ‬والظروف‭ ‬المحيطة‭ ‬بكل‭ ‬حادثة،‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬جريمة‭ ‬حرب‭.‬‮ ‬

فالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدنية‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الحماية فخطورة‭ ‬الاعتداءات‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬الخسائر‭ ‬البشرية‭ ‬المباشرة،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬آثارها‭ ‬إلى‭ ‬المستشفيات‭ ‬والمدارس‭ ‬والمطارات‭ ‬وشبكات‭ ‬الكهرباء‭ ‬والمياه‭ ‬والمنشآت‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المرافق‭ ‬التي‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬المدنيون،‮ ‬ويحظى‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المنشآت‭ ‬بحماية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬المنشآت‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭ ‬لبقاء‭ ‬السكان‭ ‬المدنيين،‭ ‬مثل‭ ‬مصادر‭ ‬مياه‭ ‬الشرب‭ ‬والمنشآت‭ ‬الزراعية‭ ‬والغذائية‭. ‬وتحظر‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬مهاجمة‭ ‬أو‭ ‬تدمير‭ ‬هذه‭ ‬الأعيان‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬حرمان‭ ‬السكان‭ ‬المدنيين‭ ‬من‭ ‬مقومات‭ ‬بقائهم‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬استهداف‭ ‬منشأة‭ ‬مدنية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬مجرد‭ ‬ضربة‭ ‬عسكرية‭ ‬محدودة،‭ ‬لأن‭ ‬تدميرها‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬الإنسانية،‭ ‬مثل انقطاع‮ ‬الكهرباء،‭ ‬توقف‭ ‬المستشفيات،‭ ‬نقص‭ ‬المياه،‭ ‬تعطّل‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية،‭ ‬وتعريض‭ ‬آلاف‭ ‬المدنيين‭ ‬لمخاطر‭ ‬إضافية‭.‬‮ ‬

وحتى‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬عسكرياً‮ ‬مشروعا،‭ ‬فإن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬الطرف‭ ‬المهاجم‭ ‬حرية‭ ‬مطلقة‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الوسيلة‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬القوة‭ ‬المستخدمة،‮ ‬فمبدأ‭ ‬التناسب‭ ‬يحظر‭ ‬الهجوم‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خسائر‭ ‬مدنية‭ ‬عرضية‭ ‬تكون‭ ‬مفرطة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالثكنة‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة‭ ‬والمحددة‭ ‬المتوقعة‭ ‬من‭ ‬الهجوم،‮ ‬كما‭ ‬يفرض‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬اتخاذ‭ ‬الاحتياطات‭ ‬الممكنة‭ ‬لتقليل‭ ‬الأضرار‭ ‬التي‭ ‬تلحق‭ ‬بالمدنيين‭.‬‮ ‬

كما‭ ‬أن الأخطر‭ ‬من‭ ‬الاعتداء‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬المدنيون‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬للضغط‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬العسكري،‭ ‬فتهديد‭ ‬الدول‭ ‬باستهداف‭ ‬منشآتها‭ ‬الحيوية‭ ‬أو‭ ‬تهديد‭ ‬السكان‭ ‬المدنيين‭ ‬بهدف‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬قرارات‭ ‬حكوماتهم‭ ‬يمثل‭ ‬مسارًا‭ ‬بالغ‭ ‬الخطورة؛‭ ‬لأن‭ ‬المدنيين‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يتحولوا‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬بين‭ ‬الدول،‮ ‬وهنا‭ ‬ينبغي‭ ‬للمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬حماية‭ ‬المدنيين‭ ‬باعتبارها‭ ‬مسؤولية‭ ‬قانونية‭ ‬وليست‭ ‬موقفًا‭ ‬سياسيا‭ ‬انتقائياً‭.‬‮ ‬

وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬المدنيين‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الانحياز‭ ‬إلى‭ ‬طرف‭ ‬في‭ ‬النزاع،‭ ‬وإنما‭ ‬يعني‭ ‬الانحياز‭ ‬إلى‭ ‬القانون‭ ‬والإنسان،‮ ‬فأمن‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬عبر‭ ‬تحويل‭ ‬المدن‭ ‬والمنشآت‭ ‬الحيوية‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬للصراع،‭ ‬ولا‭ ‬عبر‭ ‬جعل‭ ‬المدنيين‭ ‬رهائن‭ ‬للتجاذبات‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية،‮ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬الصواريخ‭ ‬أو‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬المواجهة،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬القانون،‭ ‬وحماية‭ ‬شعوبها،‭ ‬ومنع‭ ‬تحويل‭ ‬المدنيين‭ ‬إلى‭ ‬ضحايا‭ ‬لصراعات‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬قرارها‭.‬

وبناء‭ ‬عليه فالمدنيون‭ ‬ليسوا‭ ‬أهدافا،‭ ‬والمستشفيات‭ ‬والمياه‭ ‬والكهرباء‭ ‬والمطارات‭ ‬والمنشآت‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬ليست‭ ‬أوراقًا‭ ‬للمساومة،‮ ‬وحماية‭ ‬هؤلاء‭ ‬ليست‭ ‬ترفا‭ ‬سياسياً،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬وشرط‭ ‬أساسي‭ ‬لبقاء‭ ‬الإنسانية‭ ‬وسط‭ ‬الحروب‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا