لم تعد الاعتداءات العسكرية الإيرانية التي تشهدها المنطقة مجرد تطور أمني عابر، بل أصبحت تمس بصورة مباشرة أحد أهم المبادئ التي قام عليها القانون الدولي الإنساني، وهو حماية المدنيين وتجنيبهم ويلات النزاعات المسلحة، ومع تصاعد الهجمات الإيرانية التي طالت دولًا ومنشآت في منطقة الخليج، تتجدد الأسئلة حول مدى احترام قواعد القانون الدولي، وحول المسؤولية القانونية والسياسية المترتبة على استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر.
إذ شهدت المنطقة خلال الأشهر الماضية هجمات إيرانية طالت دولًا خليجية، فيما تحدثت تقارير عن أضرار بشرية ومادية في منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية، كما أُثيرت مخاوف من اتساع نطاق الاستهداف ليشمل مرافق الطاقة والمياه والنقل وغيرها من المنشآت التي ترتبط بصورة مباشرة بحياة السكان اليومية، فالقاعدة الأساسية في القانون الدولي الإنساني واضحة.. المدنيون لا يجوز أن يكونوا هدفًا للهجمات وليسوا طرفاً في الحرب.
إذ يلزم القانون أطراف النزاع بالتمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ولا يجوز توجيه الهجمات إلا إلى أهداف عسكرية مشروعة، كما تحظر قواعد القانون الدولي الإنساني الهجمات العشوائية التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، وهذا المبدأ لا يسقط بسبب طبيعة النزاع أو بسبب الادعاء بوجود دوافع انتقامية، فحتى في أشد النزاعات، تبقى حياة المدنيين وكرامتهم محمية بالقانون، ومن هنا، فإن أي هجوم يتعمد استهداف المدنيين، أو يُنفذ بطريقة عشوائية لا تراعي وجودهم، يمثل انتهاكًا خطيرًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، وقد يرقى، بحسب الوقائع والأدلة والظروف المحيطة بكل حادثة، إلى مستوى جريمة حرب.
فالبنية التحتية المدنية جزء من الحماية فخطورة الاعتداءات لا تتوقف عند الخسائر البشرية المباشرة، إذ يمكن أن تمتد آثارها إلى المستشفيات والمدارس والمطارات وشبكات الكهرباء والمياه والمنشآت الاقتصادية وغيرها من المرافق التي يعتمد عليها المدنيون، ويحظى بعض هذه المنشآت بحماية خاصة في القانون الدولي الإنساني، ولا سيما المنشآت التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، مثل مصادر مياه الشرب والمنشآت الزراعية والغذائية. وتحظر قواعد القانون الدولي الإنساني مهاجمة أو تدمير هذه الأعيان عندما يكون الهدف هو حرمان السكان المدنيين من مقومات بقائهم.
ومن ثم، فإن استهداف منشأة مدنية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد ضربة عسكرية محدودة، لأن تدميرها قد يؤدي إلى سلسلة من النتائج الإنسانية، مثل انقطاع الكهرباء، توقف المستشفيات، نقص المياه، تعطّل الخدمات الأساسية، وتعريض آلاف المدنيين لمخاطر إضافية.
وحتى عندما يكون الهدف عسكرياً مشروعا، فإن القانون الدولي الإنساني لا يمنح الطرف المهاجم حرية مطلقة في اختيار الوسيلة أو حجم القوة المستخدمة، فمبدأ التناسب يحظر الهجوم إذا كان من المتوقع أن يؤدي إلى خسائر مدنية عرضية تكون مفرطة مقارنة بالثكنة العسكرية المباشرة والمحددة المتوقعة من الهجوم، كما يفرض القانون الدولي اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين.
كما أن الأخطر من الاعتداء العسكري المباشر هو أن يتحول المدنيون إلى وسيلة للضغط السياسي أو العسكري، فتهديد الدول باستهداف منشآتها الحيوية أو تهديد السكان المدنيين بهدف التأثير في قرارات حكوماتهم يمثل مسارًا بالغ الخطورة؛ لأن المدنيين لا يجوز أن يتحولوا إلى أدوات في الصراعات بين الدول، وهنا ينبغي للمجتمع الدولي أن يتعامل مع حماية المدنيين باعتبارها مسؤولية قانونية وليست موقفًا سياسيا انتقائياً.
وبالتالي فإن الدفاع عن حقوق المدنيين لا يعني الانحياز إلى طرف في النزاع، وإنما يعني الانحياز إلى القانون والإنسان، فأمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر تحويل المدن والمنشآت الحيوية إلى ساحات للصراع، ولا عبر جعل المدنيين رهائن للتجاذبات العسكرية والسياسية، كما أن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على إطلاق الصواريخ أو توسيع نطاق المواجهة، وإنما بقدرتها على احترام القانون، وحماية شعوبها، ومنع تحويل المدنيين إلى ضحايا لصراعات لا يملكون قرارها.
وبناء عليه فالمدنيون ليسوا أهدافا، والمستشفيات والمياه والكهرباء والمطارات والمنشآت التي تقوم عليها حياة الناس ليست أوراقًا للمساومة، وحماية هؤلاء ليست ترفا سياسياً، بل هي جوهر القانون الدولي الإنساني وشرط أساسي لبقاء الإنسانية وسط الحروب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك