مع اقتراب انتهاء الولاية الثانية للأمين العام الحالي للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 31 ديسمبر 2026، تعكف المنظمة حالياً على اختيار أمينها العام العاشر.
كان تريغفي لي، أول أمين عام للأمم المتحدة على الإطلاق، قد وصف هذا المنصب -في عبارة شهيرة- بأنه «أكثر الوظائف استحالةً في العالم». وقد قيل ذلك في وقت كان عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة يبلغ 60 دولة، وعدد سكان العالم 2.6 مليار نسمة. أما اليوم، فقد وصل عدد الدول الأعضاء إلى 193 دولة، وبلغ عدد سكان العالم 8.3 مليارات نسمة. وعلاوة على ذلك، يمكن القول بأن هذا المنصب هو الأهم في العالم.
تعتبر أنالينا بيربوك الرئيسة الحالية للجمعية العامة للأمم، واحدة من خمس نساء فقط انتُخبن لهذا المنصب على مدار 81 عاماً من مسيرة الأمم المتحدة التي تأسست سنة 1945، مقابل 76 رجلاً.
والنساء الخمس اللواتي تولين رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة هن فيجايا لاكشمي بانديت من الهند (1953)، وأنجي إليزابيث بروكس من ليبيريا (1969)، والشيخة هيا بنت راشد آل خليفة من مملكة البحرين (2006)، وماريا فرناندا إسبينوزا من الإكوادور (2018-2019)، وأنالينا بيربوك من ألمانيا (2025-2026).
تقول أنالينا بيربوك: «سيوجه اختيارنا رسالة قوية حول هويتنا، وما إذا كنا نخدم حقاً سكان العالم البالغ عددهم 8 مليارات نسمة بكل ما يتسمون به من تنوع».
تحدد المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة عملية الاختيار برمتها، حيث تنص على أن: «يُعيَّن الأمين العام بقرار من الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن»، غير أن الميثاق لا يقدم سوى القليل من التوجيهات الإضافية، ما أدى إلى نشوء مجموعة من الإجراءات والممارسات غير الرسمية بمرور الوقت.
ومن بين هذه الممارسات قاعدة التناوب الإقليمي؛ إذ يحل حالياً «دور» منطقة أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، رغم أنه لا يزال بالإمكان ترشيح مرشحين آخرين من مناطق أخرى، وهو ما حدث بالفعل في هذه الجولة.
تم ترشيح سبعة مرشحين حتى الآن: خمسة من أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (أربع نساء ورجل واحد) واثنان من إفريقيا (كلاهما رجلان).
ورغم أن ترشيح النساء بدأ في عام 1991، فإنه لم يتم تعيين أي امرأة في هذا المنصب قط، وذلك على الرغم من الحملات التي سعت لاختيار امرأة في عامي 2006 و2016.
وثمة توافق عام على ضرورة أن ينتمي المرشحون إلى دول صغيرة أو متوسطة الحجم، وألا يكونوا من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.
ولكي يُنظر في ترشيح شخص ما، يجب أن يحظى بترشيح دولة واحدة أو أكثر من الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة، مع العلم أن الترشيح لا يشترط أن يصدر عن الدولة التي يحمل المرشح جنسيتها.
ولسنوات عديدة، لم تتسم عملية الاختيار بالشفافية، إلا أن الوضع قد تحسن مؤخراً. فقد انطلقت الجولة الحالية من الترشيحات في 25 نوفمبر 2025 بموجب رسالة مشتركة من رئيسي الجمعية العامة ومجلس الأمن موجهة إلى جميع الدول الأعضاء، تدعو إلى تقديم الترشيحات وتشجع الدول صراحةً على «النظر بجدية في ترشيح نساء».
وقد طلبت الرسالة أن تكون الترشيحات مصحوبة بخطاب ترشيح، وبيان للرؤية، وسيرة ذاتية، وبيان للإفصاح عن تمويل الحملة. ومع استلام الترشيحات، قام الرئيسان بإبلاغ جميع الدول الأعضاء بذلك بشكل مشترك، كما نُشرت المعلومات على أحد مواقع الأمم المتحدة الإلكترونية.
بالإضافة إلى ذلك، نُظِّم في 23 يوليو الماضي لقاءٌ مفتوحٌ للأمم المتحدة في قاعة الجمعية العامة برعاية رئيس الجمعية، وبُثَّ مباشرةً عبر شبكة «بلومبرغ» بإدارة اثنين من مذيعيها.
وقد ظهر المرشحون الستة جميعاً آنذاك (إذ رُشِّح مرشحٌ سابعٌ لاحقاً) معاً على المنصة، وأجابوا عن أسئلة طرحها كلٌّ من المذيعين والجمهور، الذي تألَّف مجدداً من ممثلين عن الدول الأعضاء والمجتمع المدني. كما عقد مجلس الأمن جلساتٍ سريةً مغلقةً مع كل مرشحٍ من المرشحين.
وفي وقت لاحق، وتحديداً في 30 يوليو، أجرى مجلس الأمن أول «تصويت استطلاعي» سري له، وهي عملية متكررة تُجرى على مدار عدة أسابيع لتحديد المرشح الذي يحظى بأكبر قدر من الدعم.
وفي كل جولة، يُعبّر أعضاء المجلس الخمسة عشر - أي الدول الخمس دائمة العضوية (الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة) والأعضاء العشرة المنتخبون الذين يشغلون مقاعدهم مدة عامين (وهم حالياً: البحرين وكولومبيا والكونغو والدنمارك واليونان ولاتفيا وليبيريا وباكستان وبنما والصومال)- عن المرشحين الذين ينوون دعمهم من خلال التصويت بـ«تشجيع» (أي التأييد)، أو «عدم تشجيع» (أي المعارضة)، أو «لا رأي» (أي الامتناع عن التصويت).
في الجولات الأولى، تكون جميع بطاقات الاقتراع متطابقة؛ غير أنه بعد مرور بضع جولات (لم يُحدد عددها)، يبدأ المجلس في استخدام بطاقات مُميَّزة بالألوان: بطاقات «حمراء» للدول الخمس دائمة العضوية (P5) وبطاقات «بيضاء» للدول العشر غير دائمة العضوية (E10).
ومن تلك المرحلة فصاعداً، تكتسب الأصوات أوزاناً سياسية متفاوتة، إذ يُعد تصويت أي دولة من الدول الخمس دائمة العضوية بـ«عدم التأييد» (discourage) بمثابة استخدام لحق النقض (الفيتو).
ولاختيار مرشح ما، يلزم الحصول على تسعة أصوات «تأييد» (encourage) على الأقل، شريطة عدم صدور أي صوت «عدم تأييد» من الدول الخمس دائمة العضوية.
يمكن للمرشحين الذين يحققون نتائج ضعيفة الانسحاب من العملية، رغم عدم وجود قواعد تُلزمهم بذلك. ومن المفترض أن تكون عملية التصويت سرية، إلا أن النتائج عادةً ما تتسرب؛ وتُعرض هنا نتائج الاقتراع الاستطلاعي الذي أُجري في 30 يوليو.
بمجرد اتخاذ القرار، يُجري مجلس الأمن تصويتاً رسمياً بشأنه، ثم يرفع توصية رسمية إلى الجمعية العامة؛ ويمكن للجمعية العامة قبول هذه التوصية إما بالتزكية أو عبر تصويت رسمي تشارك فيه الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة. ومن الناحية النظرية، تملك الجمعية العامة صلاحية إعادة التوصية إلى المجلس لإعادة النظر فيها، وإن كان هذا الأمر لم يحدث قط.
في عام 2026، تبرز أربع مرشحات متميزات؛ لذا يُنصح القراء بالاطلاع على سيرهن الذاتية وبيانات رؤاهن، ومشاهدة جزء -على الأقل- من البث المباشر عبر الإنترنت. ونظراً لأن تعيين امرأة في هذا المنصب قد تأخر كثيراً، ثمة ما يدعو للتفاؤل بأن هذا هو ما سيتحقق بالفعل.
ولكن لكي يتحقق ذلك، لا بد ألا تستخدم أي من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن حق النقض (الفيتو) ضد ترشحها. وكما أشار تقرير صادر عن منظمة «المرأة في الأمن الدولي» (Women in International Security): «عند النظر في كافة الجوانب، فإن فرص المرشحات ستعتمد بشكل كبير على حق النقض الذي تمتلكه الولايات المتحدة أو روسيا، إذ يمكن لأي منهما عرقلة تعيينهن».
وفي حين أبدت كل من المملكة المتحدة وفرنسا والصين موقفاً إيجابياً تجاه تعيين امرأة، أظهرت روسيا تحفظاً على ربط عملية اختيار قيادة الأمم المتحدة باعتبارات النوع الاجتماعي، كما أبدت الولايات المتحدة - في ظل إدارة ترامب - معارضة لمبادئ «التنوع والإنصاف والشمول».
في تقرير يناقش احتمالية صدور تصويت «معارض» (أو تصويت يهدف إلى ثني المرشح عن المضي قدماً) من جانب الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، يُنظر إلى ريبيكا غرينسبان عموماً على أنها المرشحة الأقل إثارة للجدل من الناحية الأيديولوجية، كما أن كارولين رودريغيز بيركيت هي الأقل عرضة لاحتكاك ظاهر مع هذه الدول.
ومع ذلك، ونظراً الى كونها المندوبة الدائمة لغيانا لدى مجلس الأمن، فقد امتنعت عن التصويت على قرار بشأن وقف إطلاق النار في غزة -كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد رعته عام 2024- وهو موقف قد يثير استياء سلطات واشنطن.
أما الدعم السابق الذي قدمته ماريا فرناندا إسبينوزا لجوليان أسانج -خلال فترة عملها كمندوبة للإكوادور لدى الأمم المتحدة ثم كوزيرة للخارجية- فقد يثير قلق المملكة المتحدة التي أمضت سنوات في السعي لتسلمه.
وأخيراً، يُشار إلى أن الصين قد «تشكل تحدياً لميشيل باشيليت»؛ إذ إنها -في ختام ولايتها كمفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان- أجازت نشر تقرير أممي (رغم الضغوط الصينية المعارضة لذلك) يخلص إلى أن الانتهاكات المرتكبة ضد الأويغور وأقليات مسلمة أخرى ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
على الرغم من امتلاك مجموعة P5 حق النقض، فإن مجموعة E10 تمتلك هذا الحق أيضًا، إذا اتفق سبعة أعضاء على مرشح واحد ورفضوا تغيير تصويتهم، فلن تتمكن مجموعة P5 من تمرير المرشح، حتى لو وافقوا جميعًا، لأن الأمر يتطلب تسعة أصوات.
وإذا صوّت سبعة أعضاء من مجموعة E10 بـ«عدم تشجيع» مرشح من مجموعة P5، فلن يتبقى سوى ثمانية مصوّتين بـ«التشجيع»، وبالتالي سيتم رفض التصويت. وقد أُطلق على هذا «حق النقض السادس».
على الرغم من أن الدعم من جانب الدول العشر المنتخبة (E10) يُعد أمراً ضرورياً، إلا أنه ليس كافياً؛ إذ إن صوتاً واحداً معارضاً (أو صوتاً «مثبِّطاً») من إحدى الدول الخمس دائمة العضوية (P5) كفيلٌ بالقضاء على فرص المرشح.
ومع ذلك، فإن الزخم المبكر الذي قد يحظى به المرشح داخل مجموعة الدول العشر سيجعل من الصعب على أي دولة من الدول الخمس دائمة العضوية عرقلة ترشحه - حال تمتعه بدعم كافٍ من المجموعة - دون أن تدفع ثمناً يتعلق بسمعتها.
وبطبيعة الحال، وكما يشير تقرير صادر عن مركز «ستيمسون»: «لن تؤدي تولي امرأة منصب الأمين العام إلى حل كافة التحديات المؤسسية أو الجيوسياسية، إلا أن انتخاب امرأة قوية يبعث برسالة مفادها أن الأمم المتحدة قادرة على القيادة بالقدوة.. فوجود امرأة في هذا المنصب من شأنه أن يمثل نصف سكان العالم، ويطرح رؤى جديدة لحل المشكلات العالمية، ويتيح التعامل مع العقبات المؤسسية بمهارة واقتدار ومرونة. وبعد مرور ثمانين عاماً، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان العالم مستعداً لوجود امرأة في منصب الأمين العام، بل ما إذا كانت الأمم المتحدة مستعدة لذلك».
من المرجح جداً أن يُتخذ هذا القرار المصيري في مطلع شهر أكتوبر القادم؛ إذ سيكون لطريقة تنفيذ هذه العملية وكيفية النظر إلى نتائجها تداعياتٌ بالغة الأهمية على استعادة الثقة في قدرة الأمم المتحدة على الوفاء بولايتها في عالمٍ يزداد اضطرابا. ولنأمل بشدة أن يتخذ مجلس الأمن قراراً حكيماً.
{ مؤسسة برنامج معهد الأمم
المتحدة للتدريب والبحوث

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك