بتأمل العلاقة بين تركيا وإسرائيل، يمكن القول، إنها باتت علاقة ملتبسة، أو متحركة، بما لا يمكن تقديره، أو التنبؤ به تماما، ذلك أن العلاقة بين تركيا وإسرائيل لا تشبه علاقات تركيا بأي دولة أخرى، كما أن علاقة إسرائيل بتركيا لا تشبه علاقة إسرائيل بأي دولة أخرى، والحقيقة أن العلاقة بينهما تمتد إلى نحو سبعة عقود ونصف العقد، أي منذ إقامة التمثيل الدبلوماسي بين البلدين مطلع عام 1950 حتى الآن، والتي استمرت بشكل طبيعي، وإن لم تكن بشكل خاص أو مميز حتى مطلع الألفية الثالثة، حين اتخذ مسار العلاقة طريقا آخر، مختلفا عما كان عليه سابقا، لكنه لم ينقلب عليه تماما، وبذلك صارت العلاقة ملتبسة، تشبه النار تحت الرماد، يتوقع لها أن تشتعل أو تتوتر على أقل تقدير، أكثر مما هو متوقع لها أن تكون أفضل مما هي عليه الآن.
وقد كان لافتا اعتراف تركيا في مارس عام 1949 بإسرائيل، لتكون أول دولة إسلامية تفعل ذلك، بل تظل كذلك عقودا طويلة، بالتحديد ثلاثة عقود، كدولة إسلامية متفردة في اعترافها بإسرائيل، وكان ذلك مرتبطا بطبيعة النظام التركي العلماني الذي أقامه العسكر التركي بعد الحرب العالمية الأولى، ونجم عنه التباعد مع المحيط الإسلامي والجوار العربي، وتقرب تركيا من الغرب، لدرجة الانخراط في حلف «الناتو»، ثم السعي للدخول في الاتحاد الأوروبي، وفي هذه المرحلة، يمكن ملاحظة أن تركيا كانت أقرب إلى الغرب منها إلى إسرائيل، وكانت علاقتها بها «طبيعية» من حيث التمثيل الدبلوماسي، لكنها لم تكن مميزة، وتركيا تعتبر ثاني أقوى جيش في «الناتو»، كما أن علاقتها، اليوم، بأمريكا افضل طبعا من علاقتها مع أوروبا، وافضل بكثير من علاقتها مع إسرائيل.
أما المنعطف في العلاقة التركية الإسرائيلية، بل في علاقة تركيا بكل دول وشعوب الشرق الأوسط، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، التي ينعكس الموقف منها بشكل مباشر على العلاقة مع إسرائيل، فكان حين تولى الإسلاميون الحكم، ومن ثم استقروا فيه في عهد رجل النظام الإسلامي القوي رجب طيب أردوغان، لكن كانت أول أو أهم بوادر الشقاق كانت بشأن الموقف من «حماس»، والاصطدام ظهرت فيما يخص العلاقة مع «حماس» بالتحديد. ذلك أن إسرائيل كانت تشجع انفصال «حماس» بغزة عن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، لكنها كانت تحكم عليها وعلى غزة الحصار البري والبحري والجوي، فيما حاولت تركيا كسر هذا الحصار بتسيير زوارق وسفن أسطول الحرية، إلى أن وقعت حادثة سفينة «مافي مرمرة» حيث قتلت إسرائيل متضامنين أتراكا، فتوترت العلاقة الدبلوماسية بينهما، لكن من دون أن يقع الصدام.
كذلك ظهرت بوادر الشقاق والخصام، وحتى التنافس بينهما فيما يخص النفوذ على حقول الغاز في شرق المتوسط، وصولا إلى عقد إسرائيل تحالفا مع قبرص اليونانية واليونان، لإلحاق الهزيمة بالطموح التركي بمد نفوذها البحري عبر مياه قبرص التركية الإقليمية، وقد اتضح هذا التنافس في اكثر من موقف، وصولا إلى إسقاط نظام الأسد في سورية آخر العام 2024، أي قبل نحو عامين من الآن، حيث كان واضحا أن سقوط الأسد لصالح احمد الشرع، يعتبر انتصارا لتركيا بالنظر إلى أن الشرع بتنظيمه النصرة كان متحالفا ومدعوما من تركيا، وفعلا سارعت تركيا إلى إسناد النظام الجديد سياسيا، بينما اندفعت إسرائيل إلى تقويض النظام السوري الجديد. إن كان من خلال دعم التمرد الدرزي الذي واجهه في أول حكمه، أو من خلال التوغل في الأرض السورية وفرض منطقة أمنية تصل إلى قرب العاصمة السورية، دمشق.
ثم في ملف غزة أيضا، وبعد أن دخلت تركيا على خط وقف حرب الإبادة الإسرائيلية عليها، تصاعد الرفض الإسرائيلي للحضور التركي، الذي لم يكن منفردا على أي حال، بل كان واحدا من ثماني دول إسلامية تحاورت مع ترامب على هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 وتوصلت معه لاتفاق النقاط العشرين، حيث أصرت إسرائيل على منع تركيا وقطر من المشاركة في قوات مجلس السلام وفي الإعمار، وبهذا تعاكس الموقف الإسرائيلي حتى مع الموقف الأمريكي ليس فقط تجاه تركيا، ولكن في ملفي غزة وسورية، حيث إن الموقف التركي في كليهما يحوز الموافقة الأمريكية، ولعل ما عبر عنه المندوب الأمريكي الخاص لمتابعة ملفي سورية والعراق توماس باراك، الذي أطار عقل وزير الحرب الإسرائيلي إسرائيل كاتس حين قال، إن احتلال إسرائيل للجولان غير شرعي، خير دليل على أن مواصلة إسرائيل الحرب على غزة والعدوان على سورية، لا توتر علاقتها بتركيا وحسب، بل تزيد الشقاق مع الموقف الأمريكي.
في مواجهة التصاعد في حدة الموقف بين البلدين، أقدمت إسرائيل على قصف مطار «أبو الظهور» بشمال سورية وهو مطار خارج الخدمة أصلا، لكن بشكل استباقي، لمنع تركيا مما قالت، انه اعادة تموضع لقواتها، رغم أن القوات التركية لم تتوغل في الأرض السورية، إلا حين قاتلت القوات الكردية قبل سقوط نظام الأسد، لترد تركيا بإصدار مذكرة اعتقال رسمية بحق بنيامين نتنياهو، أما أمريكا فما زالت تحاول منع انزلاق العلاقة بين حليفيها الشرق أوسطيين إلى حد المواجهة المباشرة، فأرجعت القصف الجوي الإسرائيلي لأبو ظهور الذي يبعد كثيرا عن الحدود السورية الإسرائيلية، إلى الدافع الانتخابي لنتنياهو، ولم تعتبر ذلك كما هي معتادة على انه دفاع استباقي مشروع عن النفس.
يمكن القول، إذاً، إن ما يمنع اندلاع المواجهة المفتوحة بين تركيا وإسرائيل، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة المواجهة العسكرية، هو الموقف الأمريكي، المرتبط بالوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، لكن كلا البلدين ــ تركيا وإسرائيل، يدرك أن أمريكا في طريقها للخروج من المنطقة وترك إدارة الإقليم لدوله، لذلك هما ترسمان سياستهما على ذلك الاحتمال، ولعل معارضة إسرائيل للتقارب الشخصي بين ترامب وأردوغان، الذي ظهر في حضور ترامب شخصيا قمة حلف «الناتو» في أنقرة، وموافقته على الدفع ببرنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «أف 35» الشبحية وتسلم الطائرات التي تعاقدت عليها مسبقا أو استرداد مبلغ 1.4 مليار دولار والذي توقف بسبب صفقة «اس 400» التي عقدتها تركيا قبل سنين مع روسيا، يؤكد هذه الوجهة.
أما أبلغ وضوح للصدام الذي تخطط له إسرائيل على طريق إقامة إسرائيل الكبرى، فكان حين اعلن نتنياهو أن إسرائيل عقدت تحالفا إقليميا لمواجهة مرحلة ما بعد الخروج الأمريكي، وذلك مع كل من اليونان وقبرص والهند، وأن إسرائيل تحارب الحلف الشيعي الآن، وأنها تنوي بعد الانتصار عليه، محاربة القوس السني، وهذا يعني محاربة تركيا، السعودية ومصر وحتى باكستان، ولعل هذا الإعلان من قبل إسرائيل، إضافة إلى تعثر اهداف الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية ضد ايران، وحتى بوادر ملامح تحالف إيراني ــ صيني ــ روسي، هو ما دفع أولا باكستان للتوسط لوقف الحرب على ايران، مع موقف سعودي ــ تركي ضاغط لتفضيل الحل السياسي على الحل العسكري بالتضاد مع الموقف الإسرائيلي، هو ما دفع الدول الثلاث: تركيا والسعودية وباكستان لعقد اتفاقية الدفاع المشترك بينهم.
وكأن تركيا، تدرك جيدا أن المواجهة مع إسرائيل واقعة لا محالة، لذلك هي تفضل أن تواجهها ليس منفردة، ولكن ضمن تحالف إسلامي، مكون من قوة إقليمية كبيرة، تجمع السلاح النووي الباكستاني، والقوة العسكرية التركية وقوة الاقتصاد السعودي، ووراء هذه القوة الثلاثية قوة روحية هائلة لأكثر من مليار مسلم سني في العالم، وإذا ما أضيف إلى هؤلاء كل من مصر وإندونيسيا، ثم باقي دول الخليج العربي، والدول العربية الأخرى، فإن إسرائيل لو كانت معها أميركا وليس الهند، لن تربح حربا مع عالم إسلامي متحد.
مع ذلك فإن تركيا القوية عسكريا، لا تزال تفتقد قوة المال المتمثل بعوائد الطاقة النفطية أو الغازية. لذا فإن الصدام التركي ــ الإسرائيلي قد يكون في سورية، وقد يكون في شرق المتوسط، حول آبار الغاز، أو على طريق تصدير طاقة الشرق الأوسط لأوروبا، مع ذلك لا بد من التنويه إلى أن حجة إسرائيل في محاولتها السيطرة الأمنية على كل سورية، لا تنطلي على احد، فقد كانت القوات الروسية من قبل في قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، ولم تضربهما إسرائيل، لكنها تحاول منع أي وجود تركي في سورية، لأن ذلك يقطع الطريق على إسرائيل الكبرى.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك