العدد : ١٧٦٩٠ - السبت ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٠ - السبت ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تأثير انقسامات الحزب الديمقراطي في انتخابات الكونجرس الأمريكي

بقلم: د. منار الشوربجي

السبت ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

إن‭ ‬انخفاض‭ ‬شعبية‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬33‭% ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬بالضرورة‭ ‬هزيمة‭ ‬حزبه‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬الكونجرس‭ ‬القادمة‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬تلك‭ ‬الهزيمة‭ ‬إن‭ ‬وقعت‭ ‬فلا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تحولا‭ ‬حقيقيا‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭. ‬فصحيح‭ ‬أن‭ ‬انتخابات‭ ‬منتصف‭ ‬المدة‭ ‬تكون‭ ‬عادة‭ ‬استفتاء‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬الرئيس‭ ‬ومعاقبة‭ ‬حزبه‭ ‬أو‭ ‬مكافأته،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬القاعدة،‭ ‬حتى‭ ‬تتحقق،‭ ‬لها‭ ‬شروط‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بأداء‭ ‬الرئيس‭ ‬وحزبه‭ ‬وإنما‭ ‬بالحزب‭ ‬المنافس‭. ‬وتلك‭ ‬بالضبط‭ ‬هي‭ ‬معضلة‭ ‬انتخابات‭ ‬الكونجرس‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬القادم‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭. ‬فالديمقراطيون‭ ‬يخوضون‭ ‬اليوم‭ ‬معركتين‭ ‬واحدة‭ ‬حول‭ ‬روح‭ ‬الحزب،‭ ‬والثانية‭ ‬ضد‭ ‬الجمهوريين‭.‬

فالحزب‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬حزب‭ ‬اليسار‭ ‬تقليديا،‭ ‬شهد‭ ‬تحولات‭ ‬كبرى‭ ‬منذ‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬أفرغته‭ ‬من‭ ‬المحتوى‭ ‬الذي‭ ‬ضمن‭ ‬له‭ ‬مقاعد‭ ‬الأغلبية‭ ‬بالمجلسين‭ ‬لأربعة‭ ‬عقود‭ ‬متتالية‭. ‬فروزفلت،‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬ومعه‭ ‬أغلبية‭ ‬حزبه‭ ‬بالكونجرس‭ ‬أرسيا‭ ‬حزمة‭ ‬من‭ ‬البرامج‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الحكومية،‭ ‬أهمها‭ ‬برنامج‭ ‬المعاشات‭ ‬المعروف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الضمان‭ ‬الاجتماعي‮»‬‭. ‬ثم‭ ‬أنشأ‭ ‬جونسون‭ ‬في‭ ‬الستينيات‭ ‬مع‭ ‬أغلبية‭ ‬حزبه‭ ‬حزمة‭ ‬أخرى‭ ‬أهمها‭ ‬برنامجي‭ ‬الرعاية‭ ‬الطبية‭ ‬والمساعدة‭ ‬الطبية‭ ‬اللذين‭ ‬وفرا‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬للمسنين‭ ‬والفقراء‭ ‬وذوي‭ ‬الهمم‭. ‬وتلك‭ ‬البرامج‭ ‬استفاد‭ ‬منها‭ ‬الملايين‭ ‬فضمنت‭ ‬للحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬ولاء‭ ‬اتحادات‭ ‬العمال‭ ‬وأغلب‭ ‬المهنيين‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬حركة‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬التي‭ ‬ألهمت‭ ‬حركات‭ ‬المرأة‭ ‬والأمريكيين‭ ‬الأصليين‭ ‬وذوي‭ ‬الأصول‭ ‬اللاتينية‭. ‬ونتج‭ ‬عنها‭ ‬مجموعة‭ ‬قوانين،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سيطرة‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬على‭ ‬الكونجرس‭ ‬والرئاسة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أكد‭ ‬ولاء‭ ‬السود‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬الأقليات‭ ‬للحزب‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬كان‭ ‬الائتلاف‭ ‬الانتخابي‭ ‬للحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعا‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬ائتلاف‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬حزب‭ ‬أصحاب‭ ‬الأعمال‭ ‬الكبار‭ ‬ومصالحهم‭. ‬لكن‭ ‬تلك‭ ‬المعادلة‭ ‬خدمت‭ ‬الجمهوريين‭ ‬الذين‭ ‬راحوا‭ ‬يفوزون‭ ‬بالرئاسة‭ ‬مرات‭ ‬متتالية‭ ‬عبر‭ ‬التمويل‭ ‬الهائل‭ ‬للحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬أصحاب‭ ‬الأعمال‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الأكثر‭ ‬راديكالية‭ ‬في‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬الرئاسة‭ ‬1992‭.‬

فطمعا‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬الأعمال‭ ‬الكبرى‭ ‬للحملات‭ ‬وسعيا‭ ‬وراء‭ ‬أصوات‭ ‬البيض،‭ ‬تخلى‭ ‬عن‭ ‬العمال‭ ‬واعتبر‭ ‬أصوات‭ ‬الأقليات‭ ‬مسلما‭ ‬بها‭ ‬لأن‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬خطر‭ ‬على‭ ‬مصالحها‭. ‬ومن‭ ‬وقتها،‭ ‬يتجنب‭ ‬مرشحو‭ ‬الحزب‭ ‬التعبير‭ ‬الصريح‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬العمال،‭ ‬وباتوا‭ ‬يطلقون‭ ‬تعهدات‭ ‬فارغة‭ ‬للأقليات‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬تنفيذ‭ ‬أغلبها‭. ‬وأصبح‭ ‬الحزب‭ ‬يفوز‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬عبر‭ ‬التمويل‭ ‬الهائل‭ ‬خصوصا‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬المال‭ ‬وصار‭ ‬منافسا‭ ‬شرسا‭ ‬للحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬على‭ ‬الأموال‭ ‬الضخمة‭! ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬بات‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬نسخة‭ ‬مخففة‭ ‬من‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭.‬

ومن‭ ‬يتابع‭ ‬بدقة‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬يتبنى‭ ‬اليوم‭ ‬التوجهات‭ ‬ذاتها‭ ‬تقريبا‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يتبناها‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينحرف‭ ‬بشدة‭ ‬نحو‭ ‬اليمين‭! ‬وقد‭ ‬نجحت‭ ‬النسخة‭ ‬الجديدة‭ ‬للديمقراطيين،‭ ‬أول‭ ‬الأمر،‭ ‬بفوز‭ ‬كلينتون،‭ ‬وظلت‭ ‬المنطق‭ ‬الحاكم‭ ‬لحملتي‭ ‬أوباما،‭ ‬بالمناسبة‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬التقط‭ ‬جمهور‭ ‬الحزب‭ ‬الخدعة،‭ ‬وضاق‭ ‬ذرعا‭ ‬بتصويته‭ ‬المستمر‭ ‬للأقل‭ ‬سوءا،‭ ‬فاتسعت‭ ‬بشدة‭ ‬الهوة‭ ‬بين‭ ‬قاعدة‭ ‬الحزب‭ ‬الانتخابية،‭ ‬التي‭ ‬تميل‭ ‬بشكل‭ ‬حاسم‭ ‬نحو‭ ‬اليسار‭ ‬وقيادات‭ ‬الحزب‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتمترس‭ ‬في‭ ‬يمين‭ ‬الوسط‭. ‬وجاءت‭ ‬صدمة‭ ‬قيادات‭ ‬الحزب‭ ‬حين‭ ‬فاز‭ ‬ذلك‭ ‬العدد‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬الاشتراكيين‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التمهيدية،‭ ‬بل‭ ‬وكشفت‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬أن‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭ ‬الناخبين‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬يعتبرون‭ ‬أنفسهم‭ ‬اشتراكيين‭ ‬ديمقراطيين‭!‬

لكن‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تغير‭ ‬قيادات‭ ‬الحزب‭ ‬مسارها‭ ‬وتستفيد‭ ‬من‭ ‬فوز‭ ‬هؤلاء‭ ‬باسم‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬وتتعاون‭ ‬معهم‭ ‬لهزيمة‭ ‬الجمهوريين‭ ‬في‭ ‬نوفمبر،‭ ‬إذ‭ ‬بها‭ ‬تشن‭ ‬حربا‭ ‬على‭ ‬الاشتراكيين‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬وتوجه‭ ‬طاقتها‭ ‬لتشويههم‭ ‬وهزيمتهم‭ ‬بل‭ ‬وتحالفت‭ ‬مع‭ ‬أصحاب‭ ‬الأموال‭ ‬الضخمة‭ ‬لدعم‭ ‬مرشحي‭ ‬يمين‭ ‬الوسط‭ ‬ضد‭ ‬الاشتراكيين‭ ‬الديمقراطيين‭!‬

وما‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬الحزب‭ ‬في‭ ‬سد‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬قاعدته‭ ‬وقياداته،‭ ‬تظل‭ ‬انتخابات‭ ‬نوفمبر‭ ‬القادم‭ ‬وما‭ ‬يليها‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الاحتمالات‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا