التطور الذي يحدث في هذا العصر لم يتوقف على التقنيات فحسب، بل امتد ليغطي جوانب الإدارة المختلفة، وهذا الموضوع من الموضوعات التي كثيرًا ما يتم مناقشتها والاستفسار عنها في الملتقيات والدورات التدريبية، وخاصة من الإدارات العليا في المؤسسات.
وكلما تحدثنا وناقشنا أكثر، اكتشفنا أكثر، وكان السؤال المطروح: كيف أعرف أي نوع من الإدارات أسلك؟ وأيهما الأفضل؟ ومن هذه الأسئلة وغيرها الكثير.
لنحاول من خلال سلسلة من هذه المقالات أن نوضح بعض أنواع الإدارات وخاصة الحديثة منها، حتى نتعرف عليها وكيف يمكن استخدامها وتطويعها في حياتنا المهنية.
أولاً: الإدارة بالنتائج (Management by Results)
الإدارة بالنتائج هي أسلوب إداري حديث يركّز على تحديد النتائج المرجوة أولاً: قياس أداء الأفراد والإدارات بناءً على مدى تحقيقها لتلك النتائج، بدلاً من التركيز على الأنشطة والإجراءات والوقت المبذول في العمل. بمعنى آخر: (لا يهم كيف عملت بل ماذا حققت).
هذا الأسلوب يُعد امتدادًا وتطويرًا لمفهوم (الإدارة بالأهداف) الذي طرحه بيتر دراكر، لكنه يذهب خطوة أبعد بالتركيز على النتائج النهائية القابلة للقياس بدقة، وليس فقط الأهداف العامة.
المفاهيم الأساسية
1. تحديد النتائج بوضوح ودقة؛ إذ يجب أن تكون النتائج المستهدفة محددة وقابلة للقياس والتحقق (مبيعات، نسبة رضا عملاء، معدل إنتاجية وما إلى ذلك) بدلًا من الأهداف الفضفاضة.
2. التركيز على المخرجات لا المدخلات؛ لا يُحاسب الموظف على عدد ساعات العمل أو الجهد المبذول، بل على النتيجة الفعلية التي حققها.
3. المساءلة والمسؤولية الفردية؛ ومن الجدير بالذكر أن كل فرد أو فريق يتحمل مسؤولية مباشرة عن نتائجه، مما يعزز روح الالتزام.
4. المرونة في أسلوب العمل؛ طالما أن النتيجة تُحقَّق، يُترك للموظف حرية اختيار الطريقة والوسائل المناسبة لإنجاز المهمة.
5. القياس المستمر والتغذية الراجعة؛ متابعة دورية لمدى التقدم نحو النتائج المستهدفة، مع تصحيح المسار عند الحاجة.
6. ربط النتائج بالحوافز والتقييم؛ تكون المكافآت والترقيات مرتبطة مباشرة بما تحقق من نتائج فعلية وليس بالجهد الظاهري.
كيفية تطبيقها في الإدارة الحديثة؟
1. صياغة الأهداف بواحدة من الطرق العديدة، ومنها طريقة الأهداف الذكية.
2. استخدام مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs)، من أجل تحديد معايير واضحة يُقاس بها الأداء الفعلي مقابل الأهداف الموضوعة.
3. اعتماد أنظمة مثل [(OKRs) Objectives and Key Results]، وهي أداة عملية منتشرة في الشركات الحديثة (مثل جوجل) لربط الأهداف الكبرى بنتائج قابلة للقياس على مستوى الفرق والأفراد.
4. تفويض الصلاحيات، إذ يمنح الموظفين حرية اتخاذ القرار في كيفية أداء العمل، مع بقاء المسؤولية عن النتيجة عليهم.
5. مراجعات دورية للأداء، اجتماعات أسبوعية أو شهرية لمتابعة التقدم وتعديل الخطط بناءً على النتائج الفعلية.
6. ربط النتائج بنظام الحوافز، مكافآت مالية أو معنوية مرتبطة مباشرة بتحقيق النتائج، مما يرفع الدافعية.
7. الاستفادة من التكنولوجيا، استخدام أنظمة تتبع الأداء الرقمية ولوحات المعلومات لمراقبة النتائج في الوقت الفعلي.
كيف يتعامل مع المشكلات؟
لنفترض أن إدارة خدمات المواطنين في إحدى الجهات الحكومية لاحظت خلال الربع الأول من العام تراجعًا ملحوظًا في الأداء:
{ ارتفاع متوسط زمن إنجاز المعاملة من 3 أيام إلى 7 أيام.
{ زيادة شكاوى المراجعين بنسبة 40%.
{ تراكم المعاملات المتأخرة لدى عدد من الموظفين دون وضوح سبب محدد.
في ظل النمط الإداري التقليدي، غالبًا ما يُكتفى بتوجيه لوم عام أو تعميم تحذيري لجميع الموظفين، أما في ظل الإدارة بالنتائج، فتُعالَج المشكلة بشكل مختلف تمامًا، كالتالي:
خطوات الحل تحت مظلة الإدارة بالنتائج
1 - تحديد الفجوة بدقة رقمية لا انطباعية، بدلًا من (الأداء ضعيف بشكل عام)، استخرج المسؤول بيانات دقيقة من نظام إدارة المعاملات:
{ متوسط زمن الإنجاز الفعلي لكل موظف مقارنة بالمستهدف (يومان كحد أقصى للمعاملة الواحدة).
{ عدد المعاملات المنجزة لكل موظف أسبوعيًا مقارنة بالمعدل المطلوب.
{ توزيع الشكاوى حسب نوع المعاملة والموظف المسؤول.
النتيجة: تبيّن أن التراجع لم يكن عامًا على جميع الموظفين، بل مركّزًا لدى 6 موظفين من أصل 20، بينما كان أداء البقية ضمن المعدل الطبيعي أو أعلى منه.
2 - تحليل الأسباب الجذرية بمشاركة الموظفين، بدلًا من افتراض أن السبب التقصير مباشرة، عقد المسؤول لقاءات فردية وجماعية مع الموظفين المتأثرين لفهم العائق الحقيقي. تبيّن أن الأسباب متعددة:
{ تحديث في نظام إصدار التراخيص الإلكتروني لم يُدرَّب عليه بعض الموظفين تدريبًا كافيًا.
{ زيادة حجم المعاملات الواردة لهؤلاء الموظفين تحديدًا بسبب توزيع غير متوازن للمهام بين الفرق.
{ غياب مؤشرات أداء فردية واضحة سابقًا، بحيث لم يكن الموظف نفسه يدرك مدى تأخره الفعلي مقارنة بزملائه.
3 - وضع خطة تصحيحية مرتبطة بنتائج محددة لا بأوامر عامة، بدلًا من تعميم (يجب تحسين الأداء)، وضع المسؤول أهدافًا محددة وقابلة للقياس لكل حالة:
{ إعادة توزيع عبء المعاملات بالتساوي بين جميع الموظفين خلال أسبوع واحد.
{ برنامج تدريبي مكثف مدته 3 أيام على النظام الإلكتروني الجديد للموظفين المتأثرين، مع مرافقة موظف خبير لهم أسبوعين إضافيين.
{ تحديد مستهدف أسبوعي واضح لكل موظف، زمن إنجاز لا يتجاوز يومين للمعاملة، مع لوحة متابعة تُحدَّث يوميًا يراها كل موظف بنفسه.
{ آلية تصعيد فورية لأي معاملة تتجاوز يومين، بحيث يتدخل المشرف المباشر قبل تراكم المشكلة لا بعدها.
4 - المتابعة الدورية بمؤشرات لا بانتظار نهاية الفترة، بدلًا من مراجعة الأداء في نهاية الربع فقط، اعتمد المسؤول متابعة أسبوعية لكل موظف عبر لوحة المتابعة الإلكترونية، مع اجتماع قصير (15 دقيقة) كل يوم اثنين لمراجعة أرقام الأسبوع السابق وتذليل أي عقبة فورًا، بدلًا من انتظار تراكم المشكلة.
5 - ربط النتائج بالتقدير لا بالعقاب فقط:
{ الموظفون الذين تحسّن أداؤهم بشكل ملموس خلال شهر حصلوا على تقدير رسمي وإشارة إيجابية في تقييمهم السنوي.
{ الموظفون الذين استمر تأخرهم على الرغم من التدريب والدعم، خضعوا لمراجعة فردية أعمق لتحديد ما إذا كانت المشكلة تتعلق بالكفاءة أو بعوامل أخرى تستدعي معالجة مختلفة (كإعادة توزيع الأدوار).
6 - تقييم النتيجة النهائية واستخلاص الدروس، بعد شهرين من التدخل:
{ انخفض متوسط زمن إنجاز المعاملة من 7 أيام إلى يومين ونصف، قريبًا من المستهدف.
{ انخفضت الشكاوى بنسبة كبيرة.
{ تم توثيق الدرس المستفاد رسميًا، ضرورة إجراء تدريب استباقي إلزامي قبل أي تحديث مستقبلي على الأنظمة الإلكترونية، وربط توزيع المعاملات بنظام آلي يوازن الحمل بين الموظفين تلقائيًّا لتفادي تكرار المشكلة.
الدرس الجوهري من المثال:
يكمن الفرق الأساسي بين الإدارة بالنتائج والإدارة التقليدية في معالجة هذه المشكلة في:
{ القياس قبل الحكم: لم يُتّهم الجميع بالتقصير، بل حُددت المشكلة بدقة عند مصدرها الفعلي.
{ معالجة السبب لا العرض: التدخل استهدف السبب الجذري (نقص تدريب، توزيع غير عادل) لا مجرد (التحذير من ضعف الأداء).
{ المتابعة المستمرة بالأرقام: لم يُترك الحل للصدفة، بل تمت متابعته أسبوعيًا حتى تحقّقت النتيجة المرجوة فعليًا.
{ الموضوعية في المحاسبة والتقدير: التمييز بين من تحسّن نتيجة الدعم المقدَّم، ومن استمرت مشكلته وتطلبت معالجة أعمق ينسجم مع مبدأ المساءلة العادلة القائمة على الأدلة لا الانطباع.
الخلاصة
ولكن من المهم أن نفهم أنه على الرغم من كل هذه الإيجابيات حتمًا هناك بعض السلبيات، ولكن دعونا قبل ذلك نكمل التعرف على بقية الأنواع الأخرى من الإدارات الحديثة.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك