أبرزت حلقتان حديثتان من البودكاست في الولايات المتحدة الأمريكية، استضاف فيهما نجوم إعلاميون تقدميون مجموعة من السياسيين الديمقراطيين البارزين، الفجوة العميقة الموجودة بين طريقة عمل السياسيين ووسائل الإعلام التقليدية والطريقة التي يتحدث بها كلا الطرفين عن منطقة الشرق الأوسط.
في أواخر الشهر الماضي، استضاف مهدي حسن السيناتور مارك وارنر في برنامجه الصوتي (بودكاست) «Mehdi Unfiltered»، بينما انضم عضو الكونغرس آدم سميث إلى كريستال بول في برنامجها «Breaking Points». وقد كشف كلا البرنامجين عما يحدث حين يواجه سياسيو المؤسسة التقليدية -الذين لا تحيد نقاط حديثهم المُعدّة مسبقاً عن «الحكمة السائدة» بشأن إسرائيل وفلسطين- محاورين يرفضون التساهل معهم أو تمرير طروحاتهم من دون مساءلة.
ثمة ملاحظتان تجدر الإشارة إليهما. تتعلق الملاحظة الأولى بطبيعة العلاقة التي نشأت بين المؤسسة السياسية الأمريكية ووسائل الإعلام السائدة، بينما تتناول الملاحظة الثانية كيفية انعكاس التطورات الإقليمية على الساحة الأمريكية.
ويمكن رصد هذه العلاقة المتشابكة -التي تتسم بتداخل وثيق ومثير للريبة- بين النخب السياسية والإعلامية في أبهى صورها خلال حفل العشاء السنوي لرابطة مراسلي البيت الأبيض. ففي واشنطن، يعيش معظم السياسيين -سواء كانوا ديمقراطيين ليبراليين أو جمهوريين من تيار الوسط- وشخصيات الإعلام السائد التي تغطي أخبارهم، ويعملون في أماكن متقاربة للغاية. إنهم غالباً ما يسكنون هؤلاء في الأحياء نفسها، ويرسلون أبناءهم إلى المدارس ذاتها، ويرتادون دور العبادة نفسها، كما أنهم يتبادلون العلاقات الاجتماعية فيما بينهم.
وهناك أيضاً ظاهرة «الباب الدوار»؛ إذ يغادر بعض المسؤولين الحكوميين السابقين مناصبهم ليصبحوا مقدمي برامج تلفزيونية أو معلقين يتقاضون أجوراً مرتفعة، بينما يترك بعض الصحفيين وظائفهم لقبول تعيينات حكومية.
وتتجلى هذه المشكلة بوضوح أكبر فيما يتعلق بالتغطية الإعلامية لمنطقة الشرق الأوسط. فرغم أن الرأي العام الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية قد تغير بلا شك، إلا أن هذا لا ينطبق على النخب الإعلامية والسياسية.
ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال بيانات استطلاعات الرأي، وعمليات التصويت في الكونغرس، وعدد الانتخابات التي فاز فيها منتقدو إسرائيل، ومئات الملايين من الدولارات التي ضختها الجماعات المؤيدة لإسرائيل بهدف هزيمة من تسميهم «المتطرفين المعادين لإسرائيل» ومحاولة التأثير على الخطاب العام.
لقد كشفت هاتان الحلقتان من البودكاست عن أثر هذه التغيرات بطرق أخرى. فعلى سبيل المثال، عندما تظهر شخصيات سياسية بارزة من كلا الحزبين في برامج تلفزيونية كبرى لمناقشة قضايا الشرق الأوسط، عادةً ما تكون الحوارات مقيدة بتلك القناعات السائدة -والمفتقرة إلى المعرفة الدقيقة- التي يشترك فيها كل من السياسيين ومحاوريهم.
يعود ذلك إلى سببين اثنين - أولاً، لا يكاد يوجد أي من الشخصيات الإعلامية البارزة في الشبكات الكبرى مَنْ يلمّ بتاريخ الشرق الأوسط أو ثقافته أو سياساته. فبالنسبة لمعظم المراسلين، يبدأ تاريخ تلك المنطقة من ذات اليوم الذي كُلِّفوا فيه بتغطية أخبارها.
وحتى أولئك الذين قضوا سنوات في تغطية أحداث الشرق الأوسط، غالباً ما ينظرون إليه من منظور الصراعات التي كُلِّفوا بتغطيتها أو استناداً إلى الإيجازات التي تلقوها من صنّاع السياسات، الذين يفتقرون بدورهم -في الغالب- إلى معرفة مباشرة بالأشخاص المتأثرين بسياساتهم.
إن مجموعة الخبراء الذين تدعوهم الشبكات الاخبارية بانتظام للتعليق والتحليل هم في الغالب مسؤولون حكوميون سابقون أخفقوا في الماضي، ولم يستخلصوا أي دروس من أخطائهم، ولذا يواصلون الترويج للآراء ذاتها التي طبعت مسيراتهم المهنية المخيبة للآمال.
وينطبق الأمر ذاته إلى حد كبير عند النظر في كيفية تعامل الساسة الأمريكيين مع منطقة الشرق الأوسط. فمعظمهم إما يفتقرون إلى المعرفة بالمنطقة وتاريخها، أو أنهم يمارسون ما يمكن تسميته «الجهل المتعمد»؛ أو أنهم لا يرغبون في المعرفة لأن القوالب الجاهزة والمفاهيم السائدة قد خدمت مصالحهم جيداً.
ولماذا تعقيد الأمور؟ فهم يكتفون بمقولات مثل: «إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، أو «إسرائيل حليف يحمي المصالح الأمريكية»، أو غيرها من الصيغ التي تدور حول فكرة أن «إسرائيل تنشد السلام، بينما لا يريد العرب سوى تدمير إسرائيل».
وبغض النظر عن القضايا الأخرى المتعلقة بالشرق الأوسط التي يناقشها المسؤولون المنتخبون، فإن مثل هذه الأفكار النمطية تشكل الخلفية التي تؤطر تفكيرهم. فهي تمثل قناعات راسخة يشترك فيها السياسيون ووسائل الإعلام على حد سواء.
لذا، عندما وافق كل من السيد «سميث» والسيد «وارنر» على إجراء مقابلات مع «بول» و«حسن»، كان من الواضح أنهما لم يكونا مستعدين لمواجهة أسئلة استجوابية حادة حول قضايا مثل: كيف يمكن للولايات المتحدة الأمريكية الاستمرار في تقديم دعم عسكري متطور لإسرائيل في حين تستخدم الأخيرة هذه المساعدات بما ينتهك القانون الدولي؟ وهل تؤثر ملايين الدولارات -التي تضخها لجان العمل السياسي الكبرى (Super-PACs) المؤيدة لإسرائيل- سلباً على انتخاباتنا؟ أم هل ينبغي ضمان حقوق متساوية للفلسطينيين في إسرائيل/فلسطين؟
لقد ظهرت في كلتا المقابلتين بعض المؤشرات الدالة على تغير المزاج العام تجاه إسرائيل؛ إذ أشار كلا السياسيَّين إلى شعورهما بضغط شعبي كافٍ يدفعهما الى معارضة بعض حزم المساعدات العسكرية المقترحة لإسرائيل والمدرجة ضمن الميزانية الجديدة.
غير أنهما كشفا بعد ذلك عن قصور في الفهم، حين لجآ إلى ترديد «القناعة السائدة الجديدة» القائلة بأن موقفهما هذا نابعٌ فقط من كون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو «المشكلة»، وأنهما لا يرغبان في مكافأته.
والدرس الجليّ الذي تخلص إليه كلتا المقابلتين هو الدور المهم الذي تؤديه وسائل الإعلام الجديدة التي تتمحور حول شخصيات إعلامية بارزة؛ فهؤلاء الإعلاميون يلمّون جيداً بالقضايا التي يتناولونها، ولا يلتزمون بأسئلة مُعدّة مسبقاً (نصوص جاهزة)، كما أنهم لا يخشون تحدي النخب.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك