بعد اقتراف جنودٍ إسرائيليين بقيادة أرييل شارون مذبحة قبية يومي 14 و15 أكتوبر عام 1953، التي قُتل فيها 74 مدنيًا فلسطينيًا أغلبهم من النساء والأطفال، وتدمير 45 منزلًا ومدرسة ومسجدًا، أدان مجلس الأمن الدولي المذبحة بالقرار رقم 101 الذي دعمته وصوّتت معه الولايات المتحدة. ثم قامت وزارة الخارجية الأمريكية بتعليق تقديم المساعدات لإسرائيل. ودفع ذلك بالصحفي اليهودي الأمريكي إشعياء كينين لتأسيس «اللجنة الصهيونية الأمريكية للشؤون العامة» التي تغير اسمها في عام 1954 ليصبح «اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة - AIPAC آيباك»، بهدف التأثير داخل الولايات المتحدة لمنع أي إدانات أمريكية مستقبلية في مجلس الأمن لأي شيء تقوم به إسرائيل، ولمنع اتخاذ أي قرارات بشأن وقف المساعدات لإسرائيل، ولدعم علاقات «التحالف الاستراتيجي بين الدولة الإسرائيلية والولايات المتحدة».
وقد سهّل من مهمة «آيباك» الادعاء أن «إسرائيل هي الديمقراطية» الوحيدة في الشرق الأوسط، وأن ما يجمع الدولتين هو «إرث قيمي وأخلاقي بالأساس»، وأن «إسرائيل هي الحليف» لواشنطن ضد المد الشيوعي السوفيتي في وقت مالت فيه الجمهوريات العربية تجاه موسكو.
خلال العقود التالية، أصبحت «آيباك» أكبر منظمات اللوبي اليهودي (وهم بالآلاف) في الولايات المتحدة، ويراها كثيرون إحدى أكثر الكيانات المتوحشة والمخيفة في السياسة الأمريكية. وهي آلة نفوذ تمتلك ملايين الدولارات وتؤثر بها بصور مختلفة في قلب وتفاصيل كل ما يتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي في صورته الأوسع.
وأصبح دارجًا في أروقة واشنطن ودهاليزها الهمس بخطورة «آيباك»، وبإمكاناتها الضخمة التي تمكنها من القضاء على كثير من السياسيين الذين تراهم معادين لأجندتها الداعمة لإسرائيل. وبلغت من القوة ما يسمح لها بالتمتع بنفوذ طاغٍ داخل الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، وأصبح العداء لـ«آيباك» بمثابة انتحار سياسي لمن يقدم عليه.
وعملت «آيباك» على تقديم الدعم لمرشحي الحزبين، وخاصة من يعملون في لجان مجلسي الشيوخ والنواب المتعلقة بالميزانية والعلاقات الخارجية والدفاع والاستخبارات. وسهّل من مهمة «آيباك» رفعها سوط تهمة «معاداة السامية» لمهاجمة أي منتقد للسياسات الإسرائيلية، وادعاؤها أنها مؤسسة أمريكية خالصة تهدف لتقوية العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لما في ذلك من خدمة لمصالح واشنطن، بغض النظر عن هوية الرئيس أو هوية حزب الأغلبية في الكونجرس.
وحتى عام 2015، استطاعت منظمة «آيباك» النجاح في الحفاظ على وضعيتها الخاصة في واشنطن؛ إذ لم يُعرف عنها ميلٌ لأحد الحزبين، الجمهوري أو الديمقراطي، وأصبح حيادها الحزبي مصدر قبول وترحيب من الحزبين.
وجاء أول شقاق كبير بين «آيباك» والحزب الديمقراطي عقب توقيع إدارة الرئيس باراك أوباما الاتفاق النووي مع إيران؛ إذ دفعت «آيباك» بالقيادة الجمهورية للكونجرس لتدعو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإلقاء كلمة أمام جلسة مشتركة للحزبين فيما اعتُبر صفعةً على وجه الرئيس أوباما. ووقفت «آيباك» بوضوح مع سردية نتنياهو المعارضة للاتفاق ضد سردية أوباما، وهو ما شكّل بداية جنوح «آيباك» إلى جانب الحزب الجمهوري، وتراجع دعم «آيباك» للمرشحين الديمقراطيين وإن لم يختفِ.
ومنذ ذلك الحين، ارتبطت «آيباك» ارتباطًا وثيقًا بالليكود الإسرائيلي والحزب الجمهوري في الوقت ذاته، في وقت لا يزال فيه أغلب اليهود الأمريكيين ديمقراطيين.
وبعد وصول الرئيس دونالد ترامب الأول (في ولايته الأولى) للبيت الأبيض، وإلغائه الاتفاق النووي عام 2018، زاد الغضب بين الديمقراطيين، وبرز تيار تقدمي صغير ينتقد إسرائيل بصورة مباشرة من مرشحين وأعضاء جدد في مجلس النواب، من أبرزهم ألكسندريا أوكاسيو كورتيز، ورشيدة طليب، وإلهان عمر، وجمال بومان، وكوري بوش. ورأت «آيباك» في هذا التطور تهديدًا استراتيجيًا وجوديًا طويل الأجل، وبالفعل هو كذلك.
وبعدما كانت «آيباك» تمول وتدعم مرشحين موالين ومؤيدين لإسرائيل، شكلت «آيباك» «لجنة عمل سياسي(PAC) » أطلقت عليها اسم «مشروع الديمقراطية المتحدة (UDP) «ما أتاح لها الإنفاق غير المحدود في السباقات الانتخابية المحلية وعلى مستوى الولايات والمستوى الوطني. واستغلت «آيباك» قضايا أخري غير مرتبطة بإسرائيل مثل حق الإجهاض وحق امتلاك السلاح لمهاجمة مرشحين بعينهم معادين لإسرائيل، من دون ربط الحملات ضدهم مباشرة بإسرائيل.
عقب هجمات حركة حماس علي إسرائيل يوم 7 أكتوبر 2023، عاد بصورة مؤقتة الدعم الكامل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لإسرائيل، ولجهود «آيباك». وبعد اقتراف إسرائيل الإبادة الجماعية والمذابح داخل القطاع بدأ الرأي العام الأمريكي (وخاصة بين الشباب دون سن 29 عامًا) في التغير ليصبح مؤيدًا لحقوق الفلسطينيين. وتشجع الكثير من المشرعين الديمقراطيين على إدانة ما تقوم به إسرائيل من دون خوف من رد فعل «آيباك» وغيرها من المنظمات الصهيونية.
ودفع ذلك بـ«آيباك» لتضخ ما لا يقل عن 120 مليون دولار في حملة انتخابات 2024 الخاصة بالكونجرس للإطاحة بأهم منتقدي إسرائيل من الأعضاء الديمقراطيين. ونجحت «آيباك» في الإطاحة بالعضوين جمال بومان وكوري بوش (كلاهما من الأفارقة الأمريكيين)، وفشلت مع بقية الأعضاء منتقدي إسرائيل. وأدان بومان وبوش «آيباك»، وحمّلاها مسؤولية الخسارة بصورة مباشرة وعلنية غير مسبوقة.
وتضاعفت وحشية «آيباك» مع اشتراطها «الدعم الكامل وغير المشروط لإسرائيل» من المرشحين، حتى اليهود منهم المعروفين بالدعم العام لإسرائيل؛ فلم يعد كافيًا أن تعلن دعم إسرائيل فقط، بل عليك أن تعلن دعمها بلا قيود أو شروط لتنال رضا «آيباك»، وإلا تبدأ ضدك حملة تهدف لإسقاطك في الانتخابات التمهيدية، وهذا ما كان في حالة النائب من ولاية نيوجيرسي توم مالينوفسكي وسقط، ونائب إلينوي دانيال بيس الذي نجح.
ومثّل نجاح زهران ممداني في انتخابات عمودية (رئاسة بلديّة) مدينة نيويورك -أم مدن أمريكا والعالم ماليًا وإعلاميًا- ومن بعده فوز المرشح عبدالرحمن السيد في انتخابات الديمقراطيين التمهيدية لولاية ميشيجان، أحدث وأهم فصول هزيمة «آيباك» رغم إنفاقها السخي وحملتها على مرشحين أمريكيين مسلمين لم يخجلا من رفضهما العلني لما تقوم به إسرائيل من إبادة جماعية واعتبارهما «آيباك» بمثابة سرطان في جسد السياسة الأمريكية يجب التخلص منه. ما يحدث لمنظمة «آيباك» هو حدث استثنائي في لحظة استثنائية أسهمت «آيباك» نفسها في خلقها عن غير قصد.
{ كاتب صحفي متخصص
في الشؤون الأمريكية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك