العدد : ١٧٦٩٣ - الثلاثاء ٠١ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٣ - الثلاثاء ٠١ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

لماذا تنجح بعض الوساطات وتفشل أخرى في إنهاء الحروب؟

بقلم: د. علي الدين هلال {

الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

تُعد‭ ‬الوساطة‭ ‬إحدى‭ ‬الوسائل‭ ‬السلمية‭ ‬لفض‭ ‬المنازعات،‭ ‬ونصت‭ ‬عليها‭ ‬المادة‭ (‬33‭) ‬من‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬ويُقصد‭ ‬بها‭ ‬تدخل‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬مبعوث‭ ‬دولي‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬ما؛‭ ‬لتقريب‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نقل‭ ‬الرسائل‭ ‬بين‭ ‬طرفي‭ ‬النزاع،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬ينهي‭ ‬الحرب‭ ‬تمهيداً‭ ‬لتسوية‭ ‬الخلافات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭. ‬ومن‭ ‬المتفق‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬الوسيط‭ ‬يقوم‭ ‬بدوره‭ ‬بموافقة‭ ‬أطراف‭ ‬الحرب،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬حلول‭ ‬ليس‭ ‬ملزماً‭ ‬لهما‭ ‬قانونياً،‭ ‬وإنما‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إقناع‭ ‬طرفي‭ ‬الحرب‭ ‬بأن‭ ‬إيقافها‭ ‬يخدم‭ ‬مصالحهما‭.‬

محددات‭ ‬الوساطة‭: ‬شهد‭ ‬العالم‭ ‬عشرات‭ ‬الوساطات‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬الحروب‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بنصر‭ ‬عسكري‭ ‬حاسم‭ ‬لأحد‭ ‬أطرافها،‭ ‬وإنما‭ ‬بمفاوضات‭ ‬وتسويات‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تتدخل‭ ‬فيها‭ ‬أطراف‭ ‬ثالثة‭. ‬وحظيت‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بنصيب‭ ‬وافر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الوساطات،‭ ‬فكان‭ ‬الكونت‭ ‬السويدي‭ ‬فولك‭ ‬برنادوت،‭ ‬أول‭ ‬وسيط‭ ‬دولي‭ ‬أرسلته‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للوساطة‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬فلسطين‭ ‬عام‭ ‬1948،‭ ‬وأعقبه‭ ‬الأمريكي‭ ‬رالف‭ ‬بانش،‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العربية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭ ‬1949‭. ‬كما‭ ‬قامت‭ ‬المنظمات‭ ‬الإقليمية‭ ‬بالوساطة،‭ ‬مثل‭ ‬دور‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ (‬1963-1967‭)‬،‭ ‬ولبنان‭ (‬1975-1990‭)‬،‭ ‬وسوريا‭ ‬وليبيا‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬وتوسط‭ ‬الاتحاد‭ ‬الإفريقي‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬الإثيوبية‭ ‬عام‭ ‬2022‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى،‭ ‬توسطت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وسوريا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬1973،‭ ‬وفي‭ ‬المفاوضات‭ ‬المصرية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬معاهدة‭ ‬السلام‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬وفي‭ ‬حرب‭ ‬البوسنة‭ ‬عام‭ ‬1995‭. ‬كما‭ ‬توسطت‭ ‬روسيا‭ ‬بين‭ ‬أرمينيا‭ ‬وأذربيجان‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬والصين‭ ‬بين‭ ‬السعودية‭ ‬وإيران‭ ‬عام‭ ‬2023‭.‬

ونجحت‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الوساطات‭ ‬في‭ ‬وقف‭ ‬الحرب،‭ ‬بينما‭ ‬فشل‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر‭ ‬ولم‭ ‬يحقق‭ ‬هدفه‭. ‬والسؤال‭: ‬لماذا؟‭ ‬ويمكن‭ ‬تفسير‭ ‬ذلك‭ ‬بالرجوع‭ ‬إلى‭ ‬أربع‭ ‬مجموعات‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬التالية،‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬أن‭ ‬كلها‭ ‬تحتل‭ ‬نفس‭ ‬الدرجة‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭:‬

المجموعة‭ ‬الأولى‭ ‬ترتبط‭ ‬بالوسيط‭ ‬الذي‭ ‬يقبل‭ ‬طرفا‭ ‬الحرب‭ ‬وساطته،‭ ‬باعتباره‭ ‬طرفاً‭ ‬نزيهاً‭ ‬لا‭ ‬ينحاز‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬منهما‭. ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬بلورة‭ ‬الحوافز،‭ ‬والتحذير‭ ‬من‭ ‬الكوابح‭ ‬للتأثير‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬طرفي‭ ‬الحرب،‭ ‬وفهمه‭ ‬لاعتبارات‭ ‬الأمن‭ ‬والسيادة‭ ‬والكرامة‭ ‬للطرفين‭. ‬

وعندما‭ ‬يكون‭ ‬الوسيط‭ ‬دولة‭ ‬كبرى؛‭ ‬فإنه‭ ‬يمتلك‭ ‬أدوات‭ ‬الضغط‭ ‬المباشر‭ ‬لتغيير‭ ‬سلوك‭ ‬المتحاربين،‭ ‬ومثال‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬دور‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬1973،‭ ‬وفي‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬شرم‭ ‬الشيخ‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬والاتفاق‭ ‬الإطاري‭ ‬بين‭ ‬لبنان‭ ‬وإسرائيل‭ ‬في‭ ‬26‭ ‬يونيو‭ ‬2026‭. ‬وهناك‭ ‬بالطبع‭ ‬شخصية‭ ‬الوسيط‭ ‬أو‭ ‬الوسطاء‭ ‬ومهاراتهم‭ ‬في‭ ‬تقريب‭ ‬وجهات‭ ‬النظر،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬وصياغات‭ ‬مقبولة‭ ‬للطرفين‭.‬

المجموعة‭ ‬الثانية‭ ‬ترتبط‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحرب‭ ‬وأسبابها‭ ‬وخلفياتها،‭ ‬فمن‭ ‬المهم‭ ‬عدم‭ ‬خلط‭ ‬الوسيط‭ ‬بين‭ ‬القضايا‭ ‬العاجلة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بوقف‭ ‬القتال‭ ‬وإنهاء‭ ‬الحرب،‭ ‬والقضايا‭ ‬الآجلة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بأسباب‭ ‬الصراع‭ ‬وجذوره،‭ ‬وأن‭ ‬يتم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأمرين‭ ‬بشكل‭ ‬تدرجي‭ ‬ومرحلي؛‭ ‬يبدأ‭ ‬بانتهاء‭ ‬القتال،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬نظام‭ ‬للرقابة‭ ‬والتحقق،‭ ‬يلي‭ ‬ذلك‭ ‬تطبيق‭ ‬إجراءات‭ ‬بناء‭ ‬الثقة،‭ ‬ثم‭ ‬عملية‭ ‬تفاوضية‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬تسويات‭ ‬للصراع،‭ ‬وضمانات‭ ‬تنفيذ‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭. ‬وأن‭ ‬تشمل‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬مؤشرات‭ ‬إنذار‭ ‬مبكر‭ ‬للتنبيه‭ ‬إلى‭ ‬الخروقات‭ ‬المحدودة‭ ‬لوقفها‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬مهدها،‭ ‬ومعايير‭ ‬للمتابعة‭ ‬والتقييم‭.‬

المجموعة‭ ‬الثالثة‭ ‬تتعلق‭ ‬بتوقيت‭ ‬الوساطة،‭ ‬ومدى‭ ‬استعداد‭ ‬طرفي‭ ‬الحرب‭ ‬لإنهاء‭ ‬القتال،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬أطراف‭ ‬قد‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬إفشال‭ ‬الوساطة‭ ‬وعرقلة‭ ‬جهودها‭. ‬وتزداد‭ ‬فرص‭ ‬نجاح‭ ‬الوساطة‭ ‬عندما‭ ‬يدرك‭ ‬طرفا‭ ‬النزاع‭ ‬أنهما‭ ‬وصلا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يصفه‭ ‬أساتذة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬بـ«المأزق‭ ‬الاستراتيجي‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬المعضلة‭ ‬الاستراتيجية‮»‬‭. ‬فهما‭ ‬لا‭ ‬يستطيعان‭ ‬حسم‭ ‬المعركة‭ ‬عسكرياً،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬ارتفعت‭ ‬فيه‭ ‬تكلفتها‭ ‬وأنها‭ ‬اقتربت‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬قدرتهما‭ ‬على‭ ‬تحملها؛‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يبحث‭ ‬كلاهما‭ ‬عن‭ ‬مسار‭ ‬تفاوضي‭ ‬مشرف‭ ‬يحفظ‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬مصالحهما‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬هذا‭ ‬الإدراك‭ ‬قد‭ ‬تقبل‭ ‬الدول‭ ‬جهود‭ ‬الوساطة‭ ‬تكتيكياً‭ ‬لكسب‭ ‬الوقت‭ ‬دون‭ ‬رغبة‭ ‬صادقة‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭. ‬ويرتبط‭ ‬نجاح‭ ‬الوساطة‭ ‬أيضاً‭ ‬بأهمية‭ ‬تحديد‭ ‬دور‭ ‬الأطراف‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬مصلحتها‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬الاتفاق،‭ ‬وتسعى‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬نجاح‭ ‬تطبيقه‭.‬

المجموعة‭ ‬الرابعة‭ ‬تتصل‭ ‬بآليات‭ ‬التنفيذ‭ ‬والرقابة‭ ‬والتحقق،‭ ‬فلا‭ ‬يكفي‭ ‬نجاح‭ ‬الوسيط‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬بإنهاء‭ ‬الحرب،‭ ‬ولكن‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬وجود‭ ‬آليات‭ ‬للرقابة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬بنود‭ ‬الاتفاق‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬التزام‭ ‬الطرفين‭ ‬بما‭ ‬ورد‭ ‬فيه،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جهة‭ ‬محايدة‭ ‬تملك‭ ‬الإمكانات‭ ‬التقنية‭ ‬والبشرية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بذلك‭. ‬فمن‭ ‬دون‭ ‬هذه‭ ‬الرقابة‭ ‬المحايدة؛‭ ‬يصبح‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬هدنة‭ ‬قابلة‭ ‬للانهيار‭ ‬وتبادل‭ ‬التُّهم‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬بخرق‭ ‬بنود‭ ‬الاتفاق‭.‬

حالات‭ ‬تطبيقية‭ ‬1‭- ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭: ‬فشلت‭ ‬جولات‭ ‬الوساطات‭ ‬المتلاحقة‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬لأسباب‭ ‬مختلفة‭. ‬فبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أول‭ ‬وساطة‭ ‬قامت‭ ‬بها‭ ‬بيلاروسيا‭ ‬وتركيا‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬وأبريل‭ ‬2022؛‭ ‬أي‭ ‬عقب‭ ‬نشوب‭ ‬الحرب‭ ‬مباشرة،‭ ‬برز‭ ‬خطأ‭ ‬الوسطاء‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬وتسوية‭ ‬جذور‭ ‬الصراع‭ ‬وقضاياه‭ ‬الرئيسية،‭ ‬مثل‭ ‬حياد‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وعدم‭ ‬انضمامها‭ ‬إلى‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ (‬الناتو‭)‬،‭ ‬والضمانات‭ ‬الغربية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬أمنها‭. ‬كما‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬عامل‭ ‬آخر؛‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬بدايتها،‭ ‬وكانت‭ ‬روسيا‭ ‬قد‭ ‬حققت‭ ‬فيها‭ ‬انتصارات‭ ‬إقليمية‭ ‬بارزة‭.‬

وفشلت‭ ‬وساطة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬الذي‭ ‬التقى‭ ‬نظيره‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬في‭ ‬ألاسكا،‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2025،‭ ‬ثم‭ ‬أرسل‭ ‬مبعوثيه‭ ‬ستيف‭ ‬ويتكوف‭ ‬وجاريد‭ ‬كوشنر‭ ‬إلى‭ ‬موسكو‭ ‬للتباحث‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬بوتين،‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025،‭ ‬ثم‭ ‬يناير‭ ‬2026‭. ‬وكان‭ ‬السبب‭ ‬هو‭ ‬التقلبات‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وموسكو،‭ ‬ورفض‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وأهم‭ ‬حلفائها‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وألمانيا،‭ ‬المقترحات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬لتصرف‭ ‬أنظار‭ ‬واشنطن‭ ‬والعالم‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭.‬

ويبقى‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬لفشل‭ ‬الوساطات‭ ‬هو‭ ‬نظرة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الطرفين‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع‭ ‬وأسبابه،‭ ‬والذي‭ ‬اندلعت‭ ‬جولته‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭ ‬2014‭. ‬فالقيادة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تمارس‭ ‬استقلالها‭ ‬كاملاً،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬حق‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬أو‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬وترغب‭ ‬في‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الاندماج‭ ‬مع‭ ‬غرب‭ ‬أوروبا‭. ‬أما‭ ‬القيادة‭ ‬الروسية،‭ ‬فتنطلق‭ ‬نظرتها‭ ‬من‭ ‬الصلة‭ ‬التاريخية‭ ‬والثقافية‭ ‬العميقة‭ ‬بين‭ ‬موسكو‭ ‬وكييف،‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬أوكرانيا‭ ‬‮«‬روسيا‭ ‬الصغيرة‮»‬،‭ ‬وأنها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬يقطنه‭ ‬روس‭ ‬يتحدثون‭ ‬الروسية‭ ‬ويرتبطون‭ ‬بالوطن‭ ‬الأم‭. ‬وتنطلق‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬حقيقة‭ ‬الجوار‭ ‬الجغرافي‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬وما‭ ‬يتيحه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تهديدات‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬الروسي،‭ ‬وأن‭ ‬موسكو‭ ‬طالما‭ ‬حذرت‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬توسع‭ ‬الناتو‭ ‬شرقاً‭ ‬يمثل‭ ‬تهديداً‭ ‬وجودياً‭ ‬لأمنها‭.‬

2-‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭: ‬حققت‭ ‬الوساطة‭ ‬الباكستانية،‭ ‬مع‭ ‬حضور‭ ‬قطري‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخيرة‭ ‬منها؛‭ ‬نجاحاً‭ ‬مؤقتاً‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬بتوقيع‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬مع‭ ‬طهران‭ ‬في‭ ‬17‭ ‬يونيو‭ ‬2026،‭ ‬والتي‭ ‬نصت‭ ‬على‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭. ‬ولكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬انهارت‭ ‬بإبلاغ‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬10‭ ‬يوليو‭ ‬الماضي‭ ‬باستئناف‭ ‬العمليات‭ ‬الحربية‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬انتهاكها‭ ‬لالتزاماتها‭ ‬في‭ ‬الاتفاق‭ ‬الأولي،‭ ‬وإعلان‭ ‬طهران‭ ‬في‭ ‬18‭ ‬يوليو‭ ‬عدم‭ ‬الالتزام‭ ‬ببنود‭ ‬الاتفاق‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭.‬

وتمت‭ ‬الوساطة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬ازدياد‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب،‭ ‬لعوامل‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية‭. ‬فعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الداخلي،‭ ‬ارتفعت‭ ‬تكلفة‭ ‬الحرب‭ ‬وشعر‭ ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬كلا‭ ‬البلدين‭ ‬بوطأة‭ ‬تأثيراتها‭. ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الخارجي،‭ ‬تفاقمت‭ ‬الآثار‭ ‬السلبية‭ ‬على‭ ‬اقتصادات‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬بعد‭ ‬توقف‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬وأدى‭ ‬هذا‭ ‬وذاك‭ ‬إلى‭ ‬تهيؤ‭ ‬طرفي‭ ‬الحرب‭ ‬لإمكانية‭ ‬وضع‭ ‬نهاية‭ ‬لها‭.‬

وقد‭ ‬استطاع‭ ‬الوسطاء‭ ‬تحديد‭ ‬نطاق‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬العاجلة،‭ ‬وتجنب‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬قضايا‭ ‬أوسع‭ ‬مثل‭ ‬برنامج‭ ‬الصواريخ‭ ‬البالستية‭ ‬وعلاقة‭ ‬إيران‭ ‬بحلفائها‭ ‬ووكلائها‭ ‬وسياساتها‭ ‬الإقليمية؛‭ ‬لكن‭ ‬الوساطة‭ ‬عانت‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬قصور‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬انهيارها،‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تتضمن‭ ‬إجراءات‭ ‬للرقابة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬بنود‭ ‬الاتفاق‭ ‬الأولي‭ ‬والتزام‭ ‬الطرفين‭ ‬بتطبيقها،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬تحدد‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬خرقاً‭ ‬للاتفاق،‭ ‬ولم‭ ‬تشر‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬إلى‭ ‬‮»‬التزامن‮«‬‭ ‬أو‭ ‬‮»‬التتابع‮«‬‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬التزامات‭ ‬كل‭ ‬طرف،‭ ‬وفتح‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬الطرفين‭ ‬باتهام‭ ‬الآخر‭ ‬بنقض‭ ‬بنود‭ ‬الاتفاق‭.‬

وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬القصور،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬المفرطة‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران،‭ ‬التي‭ ‬نتجت‭ ‬عما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الصراع؛‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬كلا‭ ‬الطرفين‭ ‬يرتاب‭ ‬في‭ ‬نيات‭ ‬الآخر،‭ ‬ويتحوط‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬إخلاصه‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬الاتفاق‭. ‬

ختاماً،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الوساطة‭ ‬عملية‭ ‬سياسية‭ ‬معقدة،‭ ‬يتطلب‭ ‬نجاحها‭ ‬تضافر‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬تشمل‭ ‬الوسيط‭ ‬الموثوق‭ ‬به،‭ ‬واختيار‭ ‬التوقيت‭ ‬المناسب،‭ ‬وتحديد‭ ‬نطاق‭ ‬التفاوض،‭ ‬وإدراك‭ ‬طرفي‭ ‬الحرب‭ ‬لحدود‭ ‬القوة‭ ‬وحجم‭ ‬تكلفة‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬عليهما‭ ‬وعلى‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬توافق‭ ‬يوفر‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬الطرفين‭ ‬إمكانية‭ ‬تحقيق‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مطالبه‭ ‬وإعلان‭ ‬الانتصار‭. ‬وكان‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬نجاح‭ ‬الوساطة‭ ‬مؤقتاً‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬بينما‭ ‬أدى‭ ‬غياب‭ ‬نظام‭ ‬للرقابة‭ ‬والتحقق‭ ‬من‭ ‬التنفيذ،‭ ‬وعدم‭ ‬ثقة‭ ‬طرفي‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬بعضهما‭ ‬بعضاً؛‭ ‬إلى‭ ‬سرعة‭ ‬انهيارها‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

قي‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا