يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
عندما ينام العالم
فرانشسكا ألبانيزي شغلت منصب المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية بين عامي 2022-2025.
مواقفها بحكم موقعها كانت مشهودة في توثيق جرائم الحرب والابادة الإسرائيلية رسميا وتعرضت بسببها لحملات ضغط اسرائيلية متواصلة.
سبق لي ان كتبت عنها: «فرانشيسكا ألبانيز سوف تدخل التاريخ باعتبارها أعلى صوت ارتفع بالحق في زمن ساد فيه جبن العالم في مواجهة ابشع حرب إبادة في غزة. البانيز هي مقررة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
منذ بدء حرب الإبادة الاسرائيلية في غزة، أعدت البانيز عدة تقارير توثق جرائم الحرب والإبادة بدقة كبيرة وبالتفصيل، وتقدم توصيات للعالم من أجل وقفها، وتضع العالم امام مسؤولياته التاريخية والقانونية. مناسبة الحديث عنها اليوم التنويه بكتابها الذي أصدرته عن تجربتها في غزة. الكتاب يحمل عنوان «عندما ينام العالم» مع عنوان فرعي «قصص.. كلمات.. وجروح فلسطينية مفتوحة»، وصدر بالإيطالية ثم صدرت له ترجمة عربية قبل فترة.
كما هو واضح من العنوان توثق البانيز في كتابها المحنة الإنسانية لأهل غزة وجرائم الإبادة الاسرائيلية. لكنها لا تقدم مجرد توثيق بالحقائق فقط، بل تقدمها في صورة انسانية نابضة بالحياة، وبروح صادقة جارفة انصافا للشعب الفلسطيني وادانة للصمت الدولي. تقول هي عن الكتاب: «أريد أن أروي قصة فلسطين كما عشتها، لا كناشطة، بل كشخصٍ تعامل معها في البداية بفضول ثقافي، ثم لاحقاً من منظور قانوني».
الكتاب يبدأ بحديث عن مأساة أكبر ضحايا الجرائم الإسرائيلية، أطفال فلسطين. وتحت عنوان «في فلسطين... كيف تكون الطفولة؟». الإجابة تجسدت بصوت الطفلة الشهيدة هند رجب التي استشهدت تحت نيران الدبابات في غزة وهي تستغيث عبر الهاتف في ذروة مشاهد الوحشية الاسرائيلية.
تقول البانيزي: «النشأة في فلسطين تعني أن تكون طفلاً يعيش في مناخٍ من الخوف الدائم وانعدام الأمن، وأن تكون محاطاً بعنف المستوطنين والجنود».
ورغم هذا الوضع المأساوي تقدم وعبر لقاءات مع أطفال غزة صورة مشرقة لصمود ومقاومة الأطفال وإصرارهم على الحياة رغم كل الجرائم بحقهم. وتنقل عن الفتاة الفلسطينية عوّادية، ذات الأربعة عشر عاماً، قولها: «الخوف من الموت لا يمنعك من الموت، بل يمنعك من الحياة».
وتقدم البانيزي شهادات حية لعشرات الأشخاص يقدمون صورة لآلام الفلسطينيين ومعاناتهم ولوحشية الاحتلال الاسرائيلي وجرائمه.
وغير هذا تتطرق البانيزي الى الإجابة عن السؤال الأساسي، لماذا نام العالم وصمت عن كل هذه الجرائم؟ ولماذا قتلوا القانون الدولي واي دور للمنظمات الحقوقية الدولية؟
في رأيها أن النظام العالمي الراهن متحالف ومتواطئ مع كيان الاحتلال الاسرائيلي ضد حقوق الشعب الفلسطيني ومطامحه المشروعة، وتعتبر أن غياب الإرادة الدولية الحقيقية لوقف الفظائع المرتكبة ضد الفلسطينيين، وحمايتهم من خطر الفناء الجسدي والثقافي، يرجع إلى جذور فكرية وسياسية متجذرة في عقلية صناع هذا النظام المرتبطة بالفكر الاستعماري حيث شكلت الإبادة جزءاً من هذه العقلية. وتربط تاريخياً بين الإبادة الجماعية الجارية في فلسطين، وتاريخ الإبادة الجماعية والاستيطان الذي مارسه الغرب في أمريكا الشمالية وكندا ضد الشعوب الأصلية. في رأيها ان الغرب يعتبر الكيان الاسرائيلي امتداداً جغرافياً وثقافياً وتاريخياً لنموذجه الاستعماري الخاص، ولهذا يتم سحق القانون الدولي الإنساني وتجاهل قرارات محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة تجاهلاً تاماً.
تنهي البانيز كتابها بالحديث عن الأمل. تعتبر انه في مواجهة عالم نائم وفي مواجهة الإبادة الشاملة يبقى الأمل عملا من اعمال المقاومة، له أهمية وجودية من اجل الاستمرار في النضال والعيش والتشبث بالحياة وسط الدمار.
الأمل في رأي ألبانيزي، هو القوة الكفيلة بهزيمة اللامبالاة العالمية وتفتيت جدران الصمت.
هذا الكتاب هو صرخة تاريخية مدوية في وجه العالم النائم. وهو تنبيه لما يجب ان يحدث في مواجهة هذا العالم النائم العاجز المتواطئ مع المجرمين والقتلة.
تقول: «عندما ينام العالم، تخرج الوحوش. يعيش الكثير من الوحوش بيننا، وأوَّلها لا مبالاتنا».
نعم.. عندما ينام العالم يجب ان تستيقظ الضمائر الحية وتكسر جدار الصمت.
.. يجب ان يرتفع صوت الرفض والادانة انتصارا للإنسانية قبل أي شيء آخر.
.. يجب ان تستيقظ الإدارة.. إرادة الرفض والمقاومة والدفاع عن الحق.
.. إرادة هزيمة الوحوش التي تظهر وتقتل بصمت العالم.
الأمر ليس قصرا على فلسطين فقط، وانما يمتد إلى كل القضايا والقيم العادلة التي يقتلها هذا العالم النائم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك