تمثل المقاومة، بمفهومها الواسع، حجر الزاوية في تغيير الواقع وإعادة بنائه وتشكيله ومواجهة التحديات التي تهدد الإنسان والأوطان، فهي ليست مجرد رد فعل على الظلم، بل فعلا إنسانيا واعيا يعكس إرادة الشعوب في الدفاع عن وجودها وكرامتها وصناعة مستقبلها، ومن خلال كل فعل مقاوم تتجدد قيم الأمل، ويتعمق الإيمان بجدوى الحياة، وبقدرة الإنسان على الانتصار للحق مهما بلغت التضحيات.
وفي هذا السياق، يقول الأديب الفلسطيني غسان كنفاني: «المقاومة ليست فعلاً عشوائياً أو مجرد رد فعل، بل هي إرادة حرة تصنع الرفض لكل ما هو سلبي»، كما يؤكد المفكر فرانز فانون أن المقاومة «تستعيد للشعوب المضطهدة إنسانيتها، وتمكّنها من صناعة مصيرها في مواجهة الطغيان المنهجي». تعكس هاتان الرؤيتان حقيقة أن المقاومة ليست فعلاً آنياً، وإنما مشروع تحرر بناء يستهدف استعادة الإنسان لحقوقه وكرامته.
للمقاومة صور متعددة تتكامل فيما بينها، فقد تكون مقاومة فكرية وعلمية تسعى إلى مواجهة الجهل والتطرف، وتصحيح المفاهيم، وترسيخ ثقافة الوعي والنقد البنّاء، وقد تكون مقاومة دينية وأخلاقية تحافظ على منظومة القيم والمبادئ، وتدعو إلى الوسطية والعدل واحترام الإنسان، كما تتجلى في صورتها الثقافية من خلال حماية الهوية الوطنية، وصون اللغة والتراث، والتصدي لمحاولات الطمس والتغريب ومحو الذاكرة الجمعية.
أما في المجال الاجتماعي، فتتمثل المقاومة في ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، ومحاربة الفساد والتمييز، وتقديم الكفاءة والخبرة على المحسوبية، وتعزيز قيم التضامن والمسؤولية المجتمعية. فالمجتمع الذي يقاوم الظلم الداخلي يصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات الخارجية، وأكثر تماسكاً في الدفاع عن مصالحه وحقوقه.
ومع تعدد صور المقاومة، تظل مقاومة الاحتلال الصورة الأكثر حساسية وأهمية، لأنها ترتبط مباشرة بحماية الوجود الوطني والإنساني، لأن الاحتلال اعتداء على سيادة الوطن، وانتهاك لحقوق الإنسان الأساسية، ومحاولة لفرض الهيمنة بالقوة. ومن ثم فإن مقاومته تمثل ممارسة مشروعة للحق في تقرير المصير، والدفاع عن الأرض والكرامة والحرية، وهي الأساس الذي تُبنى عليه نهضة الأمم واستقلالها.
لهذا، فإن قضية مقاومة الاحتلال لا تقتصر على بعدها الوطني، بل تمتد إلى بعدها الإنساني والأخلاقي، باعتبارها تعبيراً عن حق الشعوب في الحرية والاستقلال، وفي حماية مواردها، وصون كرامة أبنائها، وضمان حقهم في حياة آمنة وكريمة.
من هذا المنطلق، فإن أي محاولة لتجريم المقاومة المشروعة أو تقويضها تمثل انحرافاً أخلاقياً وفكرياً، لأنها تنال من أحد أقدس حقوق الإنسان، وهو حقه في الدفاع عن وطنه ووجوده عندما يتعرض للعدوان، وفق ما تقره القوانين الدولية.
لقد أقر القانون الدولي، في مقدمته ميثاق الأمم المتحدة والعديد من القرارات الدولية، حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في السعي إلى تقرير مصيرها والتحرر من الهيمنة الأجنبية، وهو ما جعل مقاومة الاحتلال حقاً معترفاً به في الضمير الإنساني قبل أن يكون مبدأ قانونياً. ومن ثم فإن حماية هذا الحق لا تمثل دفاعاً عن شعب بعينه، وإنما دفاعاً عن منظومة العدالة الإنسانية ذاتها.
إن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي حافظت على إرادة المقاومة استطاعت أن تستعيد حريتها وتصنع مستقبلها، بينما دفعت الشعوب التي استسلمت للاحتلال أثماناً باهظة في حاضرها ومستقبل أجيالها، لذلك فإن اغتيال المقاومة، أو السعي إلى تشويهها وتجريدها من مشروعيتها، لا يمثل اعتداءً على حق سياسي فحسب، بل هو اعتداء على قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وخطيئة لن يغفرها التاريخ.
{ أكاديمي وباحث لغوي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك