العدد : ١٧٦٧٤ - الخميس ١٣ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٤ - الخميس ١٣ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

اغتيال المقاومة.. خطيئة لن يغفرها التاريخ

بقلم: د. طارق عباس {

الخميس ١٣ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

تمثل‭ ‬المقاومة،‭ ‬بمفهومها‭ ‬الواسع،‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬الواقع‭ ‬وإعادة‭ ‬بنائه‭ ‬وتشكيله‭ ‬ومواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬الإنسان‭ ‬والأوطان،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬الظلم،‭ ‬بل‭ ‬فعلا‭ ‬إنسانيا‭ ‬واعيا‭ ‬يعكس‭ ‬إرادة‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬وجودها‭ ‬وكرامتها‭ ‬وصناعة‭ ‬مستقبلها،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬كل‭ ‬فعل‭ ‬مقاوم‭ ‬تتجدد‭ ‬قيم‭ ‬الأمل،‭ ‬ويتعمق‭ ‬الإيمان‭ ‬بجدوى‭ ‬الحياة،‭ ‬وبقدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬الانتصار‭ ‬للحق‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬التضحيات‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يقول‭ ‬الأديب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭: ‬‮«‬المقاومة‭ ‬ليست‭ ‬فعلاً‭ ‬عشوائياً‭ ‬أو‭ ‬مجرد‭ ‬رد‭ ‬فعل،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬إرادة‭ ‬حرة‭ ‬تصنع‭ ‬الرفض‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬سلبي‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يؤكد‭ ‬المفكر‭ ‬فرانز‭ ‬فانون‭ ‬أن‭ ‬المقاومة‭ ‬‮«‬تستعيد‭ ‬للشعوب‭ ‬المضطهدة‭ ‬إنسانيتها،‭ ‬وتمكّنها‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬مصيرها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الطغيان‭ ‬المنهجي‮»‬‭. ‬تعكس‭ ‬هاتان‭ ‬الرؤيتان‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬المقاومة‭ ‬ليست‭ ‬فعلاً‭ ‬آنياً،‭ ‬وإنما‭ ‬مشروع‭ ‬تحرر‭ ‬بناء‭ ‬يستهدف‭ ‬استعادة‭ ‬الإنسان‭ ‬لحقوقه‭ ‬وكرامته‭.‬

للمقاومة‭ ‬صور‭ ‬متعددة‭ ‬تتكامل‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬مقاومة‭ ‬فكرية‭ ‬وعلمية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬الجهل‭ ‬والتطرف،‭ ‬وتصحيح‭ ‬المفاهيم،‭ ‬وترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الوعي‭ ‬والنقد‭ ‬البنّاء،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬مقاومة‭ ‬دينية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬والمبادئ،‭ ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬الوسطية‭ ‬والعدل‭ ‬واحترام‭ ‬الإنسان،‭ ‬كما‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬صورتها‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حماية‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية،‭ ‬وصون‭ ‬اللغة‭ ‬والتراث،‭ ‬والتصدي‭ ‬لمحاولات‭ ‬الطمس‭ ‬والتغريب‭ ‬ومحو‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجمعية‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فتتمثل‭ ‬المقاومة‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬مبادئ‭ ‬العدالة‭ ‬والمساواة‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص،‭ ‬ومحاربة‭ ‬الفساد‭ ‬والتمييز،‭ ‬وتقديم‭ ‬الكفاءة‭ ‬والخبرة‭ ‬على‭ ‬المحسوبية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قيم‭ ‬التضامن‭ ‬والمسؤولية‭ ‬المجتمعية‭. ‬فالمجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يقاوم‭ ‬الظلم‭ ‬الداخلي‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الخارجية،‭ ‬وأكثر‭ ‬تماسكاً‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالحه‭ ‬وحقوقه‭.‬

ومع‭ ‬تعدد‭ ‬صور‭ ‬المقاومة،‭ ‬تظل‭ ‬مقاومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الصورة‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬وأهمية،‭ ‬لأنها‭ ‬ترتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بحماية‭ ‬الوجود‭ ‬الوطني‭ ‬والإنساني،‭ ‬لأن‭ ‬الاحتلال‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬سيادة‭ ‬الوطن،‭ ‬وانتهاك‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬الأساسية،‭ ‬ومحاولة‭ ‬لفرض‭ ‬الهيمنة‭ ‬بالقوة‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬مقاومته‭ ‬تمثل‭ ‬ممارسة‭ ‬مشروعة‭ ‬للحق‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬المصير،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الأرض‭ ‬والكرامة‭ ‬والحرية،‭ ‬وهي‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تُبنى‭ ‬عليه‭ ‬نهضة‭ ‬الأمم‭ ‬واستقلالها‭.‬

لهذا،‭ ‬فإن‭ ‬قضية‭ ‬مقاومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬بعدها‭ ‬الوطني،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬بعدها‭ ‬الإنساني‭ ‬والأخلاقي،‭ ‬باعتبارها‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬الحرية‭ ‬والاستقلال،‭ ‬وفي‭ ‬حماية‭ ‬مواردها،‭ ‬وصون‭ ‬كرامة‭ ‬أبنائها،‭ ‬وضمان‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬آمنة‭ ‬وكريمة‭.‬

من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لتجريم‭ ‬المقاومة‭ ‬المشروعة‭ ‬أو‭ ‬تقويضها‭ ‬تمثل‭ ‬انحرافاً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬وفكرياً،‭ ‬لأنها‭ ‬تنال‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬أقدس‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وهو‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬وطنه‭ ‬ووجوده‭ ‬عندما‭ ‬يتعرض‭ ‬للعدوان،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تقره‭ ‬القوانين‭ ‬الدولية‭.‬

لقد‭ ‬أقر‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬في‭ ‬مقدمته‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬القرارات‭ ‬الدولية،‭ ‬حق‭ ‬الشعوب‭ ‬الواقعة‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬في‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬تقرير‭ ‬مصيرها‭ ‬والتحرر‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬مقاومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬حقاً‭ ‬معترفاً‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مبدأ‭ ‬قانونياً‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬حماية‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬شعب‭ ‬بعينه،‭ ‬وإنما‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬منظومة‭ ‬العدالة‭ ‬الإنسانية‭ ‬ذاتها‭.‬

إن‭ ‬التاريخ‭ ‬يعلمنا‭ ‬أن‭ ‬الأمم‭ ‬التي‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬إرادة‭ ‬المقاومة‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تستعيد‭ ‬حريتها‭ ‬وتصنع‭ ‬مستقبلها،‭ ‬بينما‭ ‬دفعت‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬استسلمت‭ ‬للاحتلال‭ ‬أثماناً‭ ‬باهظة‭ ‬في‭ ‬حاضرها‭ ‬ومستقبل‭ ‬أجيالها،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬اغتيال‭ ‬المقاومة،‭ ‬أو‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬تشويهها‭ ‬وتجريدها‭ ‬من‭ ‬مشروعيتها،‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬اعتداءً‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬سياسي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬الحرية‭ ‬والعدالة‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وخطيئة‭ ‬لن‭ ‬يغفرها‭ ‬التاريخ‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬وباحث‭ ‬لغوي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا