هل يمكن أن تؤدي الانتقادات الموجعة إلى ممارسات الحكومة الإسرائيلية أو تصرفات رئيس وزرائها إلى تأجيج المواقف المعادية للسامية؟
على الرغم مما يتطلبه هذا الطرح من تكلّفٍ في المنطق، وما قد ينطوي عليه ذلك الخلط الغريب للأمور من مخاطر على اليهود الأمريكيين، فإن بعض المنظمات الأمريكية المؤيدة لإسرائيل تسعى لإثبات أن انتقاد إسرائيل يعرّض اليهود الأمريكيين للخطر.
وقد تبنّى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجهة النظر هذه؛ إذ وجّه -خلال مقابلة مع شبكة تلفزيونية أمريكية أجراها قبيل مغادرته إسرائيل للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- الاتهام ذاته إلى عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني.
وعلى الرغم من أن التوترات بين عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني والمجموعات المؤيدة لإسرائيل كانت تتصاعد منذ حملته الانتخابية لعام 2025، إلا أنها تجددت مؤخراً قبيل الزيارة التي أعلنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد سأل أحد المراسلين العمدة زهران ممداني عما إذا كان سيفي بتعهده الانتخابي باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي باعتباره مجرم حرب، وذلك بموجب لائحة الاتهام الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.
ورداً على ذلك، جمع العمدة ممداني مجموعة من الخبراء القانونيين الذين خلصوا إلى أن المدينة لا تملك -بمفردها- صلاحية إجراء اعتقالات، إذ إن الحكومة الفيدرالية هي الجهة الوحيدة المخولة بذلك.
وفي مسعًى لحسم الأمر، نشر زهران ممداني مقطع فيديو قصيرًا أقر فيه بأنه لا يملك صلاحية إصدار أمر بالاعتقال، لكنه رغم ذلك وصف بنيامين نتنياهو بأنه مجرم حرب مسؤول عن مقتل «أكثر من 73 ألف شخص»، وصرح بأنه لن يرحب به في مدينة نيويورك.
لم يأتِ ممداني في مقطع الفيديو على ذكر إسرائيل، ولا الشعب اليهودي أو مواطني إسرائيل؛ فقد كان الأمر -كما أشار- مقتصرًا ببساطة على جرائم بنيامين نتنياهو المذكورة في مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.
وقد سارعت بعض الجماعات المؤيدة لإسرائيل إلى التنديد بمقطع الفيديو الذي نشره العمدة ممداني وبالاتهامات التي وجهها لرئيس الوزراء الإسرائيلي إذ اتهمته بـما اعتبرته «استهداف الدولة اليهودية الوحيدة في العالم مراراً وتكراراً.. ما جعل العديد من سكان نيويورك اليهود يشعرون بأنهم مستهدفون وغير مُرحَّب بهم».
وفي إطار هذه الحملة الموجهة ضد عمدة مدينة نيويوك، وصفت إحدى هذه الجماعات المؤيدة لإسرائيل الفيديو بأنه يمثل «فرية الدم» وينطوي على «أكاذيب شنيعة»، في حين اتهمته جماعة أخرى بـ«تأجيج معاداة السامية».
بعد بضعة أيام، أقدم رجل من أصول إسبانية -قالت الشرطة الأمريكية إنه يعاني من مشاكل في الصحة العقلية- على طعن شخصين، أحدهما من أصل آسيوي والآخر يهودي. وفي كلتا الحالتين، أفاد شهود عيان بأنهم سمعوا المهاجم يصرخ بعبارة «الله أكبر».
سارعت المجموعات المؤيدة لإسرائيل -التي دأبت على الخلط بين إسرائيل واليهود الأمريكيين وتوجيه انتقادات لاذعة ومتواصلة للعمدة ممداني- إلى خضم الجدل، مُحمِّلةً العمدة مسؤولية جعل مدينة نيويورك غير آمنة لليهود بسبب «استخدامه منصبه لشن هجوم شرس على إسرائيل». وفي هذا السياق، دعا أحد القادة اليهود البارزين العمدةَ إلى الاستقالة، متهماً إياه بما وصفه «التقصير في أداء الواجب».
سارع زهران ممداني إلى الرد على هذه الاتهامات، مندداً بعمليات الطعن، واصفاً إياها بأنها «هجمات بغيضة ومقيتة لا مكان لها في مدينتنا»، مشيراً إلى أن إدارته قد عززت بشكل كبير الاستثمار في مجال الوقاية من جرائم الكراهية «حتى نتمكن من البدء في معالجة الأسباب الجذرية لهذا التعصب والكراهية، في سعينا لاجتثاث آفة معاداة السامية».
وأضاف العمدة ممداني: «فيما يتعلق بتعليقاتي حول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فهي انتقادات لا تستند إلى تحليلي الشخصي، بل إلى حقائق موضوعية. إنها انتقادات موجهة لزعيم سياسي، وليست لأشخاص ينتمون إلى عقيدة أو دين أو خلفية محددة. وتتمثل مسؤوليتي بصفتي عمدة المدينة في الحفاظ على سلامة كل مواطن في مدينة نيويورك، بغض النظر عن أصولهم أو معتقداتهم، أو حتى -بكل صراحة- بغض النظر عما إذا كانوا يتفقون مع توجهاتي السياسية؛ فمهمتي هي ضمان سلامتهم».
لم يفتقر العمدة ممداني إلى مدافعين عنه داخل المجتمع اليهودي؛ فقد وصف براد لاندر -الذي يعتبر نفسه صهيونيا ليبراليا وكان قد هزم مؤخراً في الانتخابات عضواً في الكونغرس مؤيداً لإسرائيل- تلك الهجمات بأنها «تكاد تكون بلا شك جريمة كراهية معادية للسامية، ومن المرجح جداً أن تكون جريمة كراهية ضد الآسيويين أيضاً، لكنها ليست خطأ العمدة لمجرد وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه مجرم حرب».
وقد أضاف براد لاندر قوله إن «محاولة الربط بين العمدة وبين ذلك.. هي محاولة سياسية لإسكات الانتقادات الموجهة لإسرائيل»، واصفاً الأمر بأنه «استغلال لمعاداة السامية كسلاح».
واجه بيتر بينارت -وهو أحد أبرز المفكرين اليهود التقدميين في أمريكا وأكثرهم رصانةً- المؤسسة اليهودية المؤيدة لإسرائيل بشكل مباشر، مشيراً إلى أن هذه المؤسسة -وليس العمدة- هي التي تخلط بين إسرائيل والمجتمع اليهودي.
كتب بيتر بينارت: «يُكرر زهران ممداني القول بأن انتقاده لإسرائيل... لا علاقة له بمشاعره تجاه اليهود في نيويورك؛ لأنه يفصل بين إسرائيل -كدولة- وبين اليهود من سكان نيويورك. أما الأشخاص الذين يخلطون بين الأمرين... فهم ذاتهم قادة المؤسسة اليهودية الذين يهاجمون ممداني الآن».
تكمن المشكلة هنا في جانبين: فمعاداة السامية ظاهرة حقيقية، كما أن الخلط بين اليهود الأمريكيين وإسرائيل يُعد أمراً خاطئاً وخطراً؛ وسواء صدر هذا الخلط عن مؤيدي إسرائيل الساعين لربط جميع اليهود بها لأغراض سياسية، أو عن الكارهين لليهود الذين يريدون تحميل اليهود -بشكل عام- مسؤولية الجرائم التي ترتكبها تلك الدولة.
في الحالة الأولى، يهدف هذا المسعى -كما يشير براد لاندر في كلامه- إلى إسكات الانتقادات الموجهة لإسرائيل، وذلك عبر الزعم أن الاتهامات الموجهة لتلك الدولة تُعرِّض جميع اليهود للخطر. أما في الحالة الثانية، فإن هذا الخلط يغذي التعصب المسبق لدى البعض من خلال تحميل جميع اليهود مسؤولية الجرائم التي يرتكبها آخرون.
خلاصة القول هي أن زهران ممداني وبراد لاندر وبيتر بينارت على حق، وأن المؤسسة المؤيدة لإسرائيل على خطأ.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك