العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الحلقة المفقودة في جهود إنهاء الحرب بين أمريكا وإيران

بقلم: محمد ياغي {

الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

يبذل‭ ‬كل‭ ‬الوسطاء‭ ‬جهودا‭ ‬استثنائية‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ - ‬الإسرائيلية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭. ‬وتنصبّ‭ ‬جهودهم‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬مخرج‭ ‬يسمح‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬ورقة‭ ‬التفاهم‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬التوصل‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬17‭ ‬يونيو‭ ‬2026،‭ ‬وكأن‭ ‬التزام‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬بهذه‭ ‬الورقة‭ ‬سيغلق‭ ‬ملف‭ ‬الصراع‭ ‬ويفتح‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬تسوية‭ ‬تضمن‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والازدهار‭ ‬لمنطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬تظل‭ ‬غير‭ ‬مكتملة،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تعالج‭ ‬الأسباب‭ ‬الفعلية‭ ‬للهجوم‭ ‬الأمريكي‭ - ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تتجنب‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬المسألة‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭. ‬فالحرب‭ ‬الحالية‭ ‬ليست‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬ثم‭ ‬امتدت‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬عام‭ ‬إلى‭ ‬لبنان‭. ‬ومع‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬الأسد‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬ديسمبر‭ ‬2024،‭ ‬واحتلال‭ ‬إسرائيل‭ ‬مساحات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية،‭ ‬رأت‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬أصبح‭ ‬مُمَهدا‭ ‬لمهاجمة‭ ‬إيران‭ ‬وإضعافها،‭ ‬وربما‭ ‬تغيير‭ ‬نظامها‭.‬

لا‭ ‬تنظر‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬إيران‭ ‬باعتبارها‭ ‬خطراً‭ ‬بسبب‭ ‬امتلاكها‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬النووية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بسبب‭ ‬دعمها‭ ‬حلفاء‭ ‬إقليميين‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬واليمن‭ ‬والعراق‭ ‬أظهروا‭ ‬استعدادهم‭ ‬لمواجهتها‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬وقد‭ ‬أسهم‭ ‬ضعف‭ ‬هؤلاء‭ ‬الحلفاء‭ ‬بعد‭ ‬معركة‭ ‬لم‭ ‬تُحسم‭ ‬نتائجها‭ ‬بَعد‭ ‬في‭ ‬تشجيع‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬شن‭ ‬الحرب‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025،‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬بقصف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مواقع‭ ‬إيران‭ ‬النووية‭. ‬كما‭ ‬شجع‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬شن‭ ‬حرب‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬وسط‭ ‬تصريحات‭ ‬سياسية‭ ‬أمريكية‭ ‬وإسرائيلية‭ ‬تحدثت‭ ‬عن‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭.‬

فإذا‭ ‬تحقق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬فستفقد‭ ‬القوى‭ ‬الموالية‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬حليفها‭ ‬الأكبر،‭ ‬الذي‭ ‬يمدها‭ ‬بالسلاح‭ ‬والتدريب‭ ‬والتمويل،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬إضعافها‭ ‬أو‭ ‬القضاء‭ ‬عليها‭ ‬أكثر‭ ‬سهولة‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزال‭ ‬جوهر‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬إيران‭ ‬النووي‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬الذي‭ ‬ترفض‭ ‬طهران‭ ‬إعادة‭ ‬فتحه‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭ ‬قبل‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬تضع‭ ‬حداً‭ ‬نهائياً‭ ‬للحرب‭ ‬عليها‭ ‬وتنهي‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المفروضة‭ ‬عليها‭. ‬فجوهر‭ ‬الصراع‭ ‬يرتبط‭ ‬أيضاً‭ ‬بالمواجهة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وهي‭ ‬مواجهة‭ ‬تدور،‭ ‬في‭ ‬أساسها،‭ ‬حول‭ ‬الأراضي‭ ‬التي‭ ‬تحتلها‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬ولبنان‭ ‬وسورية‭.‬

إن‭ ‬إغفال‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬مستدامة‭ ‬معها‭. ‬فحصر‭ ‬المفاوضات‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬والبرنامج‭ ‬النووي‭ ‬لا‭ ‬يعالج‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭. ‬وستستمر‭ ‬إيران،‭ ‬على‭ ‬الأرجح،‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬حلفائها‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬جرى‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬بشأن‭ ‬المضيق‭ ‬والملف‭ ‬النووي،‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬يوفر‭ ‬لها‭ ‬خطوط‭ ‬دفاع‭ ‬متقدمة‭.‬

تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حصرت‭ ‬جهود‭ ‬الوسطاء‭ ‬في‭ ‬ملفَي‭ ‬المضيق‭ ‬والبرنامج‭ ‬النووي،‭ ‬وأخرجت‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬المعادلة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالحرب‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬رغم‭ ‬دورها‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬التحريض‭ ‬عليها‭ ‬وبدئها‭. ‬وهذه‭ ‬المقاربة‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬مصالح‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإقليمية‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬كان‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬مفتوحاً‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬ولم‭ ‬تسعَ‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬الملاحة‭ ‬فيه‭. ‬أما‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬خاضعاً‭ ‬لاتفاق‭ ‬دولي‭ ‬انسحب‭ ‬منه‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬وسط‭ ‬ضغوط‭ ‬إسرائيلية‭ ‬قوية‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬اعتراض‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬حينها‭ ‬متعلقاً‭ ‬بنص‭ ‬الاتفاق‭ ‬نفسه‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬نابعاً‭ ‬مما‭ ‬لم‭ ‬يتضمنه،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬دعم‭ ‬إيران‭ ‬حلفاءها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وبرنامجها‭ ‬الصاروخي‭.‬

ولم‭ ‬يتناول‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬الذي‭ ‬أبرمته‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬أوباما‭ ‬مع‭ ‬طهران،‭ ‬ولا‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬التي‭ ‬وقعها‭ ‬ترامب‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني‭ ‬بزشكيان،‭ ‬مجمل‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭. ‬وهذه‭ ‬القضايا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حلها‭ ‬مع‭ ‬إبقاء‭ ‬إسرائيل‭ ‬خارج‭ ‬معادلة‭ ‬التسوية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭.‬

إن‭ ‬إنهاء‭ ‬الاحتلال‭ ‬وقيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬من‭ ‬شأنهما‭ ‬أن‭ ‬يسهما،‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد،‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬الظروف‭ ‬اللازمة‭ ‬لحصر‭ ‬السلاح‭ ‬بيد‭ ‬الدولة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬ولبنان،‭ ‬وقد‭ ‬ينعكس‭ ‬ذلك‭ ‬إيجاباً‭ ‬على‭ ‬العراق‭. ‬

وفي‭ ‬حال‭ ‬إنهاء‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬للأراضي‭ ‬العربية‭ ‬ستتراجع‭ ‬أيضاً‭ ‬مبررات‭ ‬التحريض‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭. ‬وقد‭ ‬تتراجع‭ ‬معها‭ ‬الضغوط‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬واشنطن‭ ‬لتشديد‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬مواصلة‭ ‬الحرب‭ ‬عليها،‭ ‬ما‭ ‬يُسهّل‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬بشأن‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬والبرنامج‭ ‬النووي‭.‬

ترى‭ ‬إيران‭ ‬حالياً‭ ‬أن‭ ‬ظهرها‭ ‬إلى‭ ‬الحائط،‭ ‬وأن‭ ‬أوراق‭ ‬الضغط‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها،‭ ‬من‭ ‬حلفائها‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭ ‬إلى‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يُمكنها‭ ‬من‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬تسوية‭ ‬تضمن‭ ‬عدم‭ ‬تجدد‭ ‬الحرب‭ ‬عليها‭ ‬مستقبلاً،‭ ‬وتضع‭ ‬حداً‭ ‬للعقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المفروضة‭ ‬عليها‭. ‬

لذلك،‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬إسرائيل‭ ‬خارج‭ ‬معادلة‭ ‬التسوية،‭ ‬فمن‭ ‬غير‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬إيران‭ ‬تنازلات‭ ‬جوهرية‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬إضعاف‭ ‬موقفها‭ ‬التفاوضي‭ ‬أو‭ ‬تجريدها‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬وسائل‭ ‬الضغط‭ ‬المتاحة‭ ‬لها‭.‬

يعتقد‭ ‬الوسطاء‭ ‬أن‭ ‬بإمكانهم‭ ‬تقريب‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬سيظل‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬التسوية‭ ‬المقترحة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تتم‭ ‬معالجة‭ ‬قضايا‭ ‬جوهرية‭ ‬أدت‭ ‬الى‭ ‬انفجار‭ ‬الصراع‭..‬

أما‭ ‬إذا‭ ‬أدرك‭ ‬الوسطاء‭ ‬أن‭ ‬صراعات‭ ‬المنطقة‭ ‬مترابطة،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬بعضها‭ ‬عن‭ ‬بعض،‭ ‬وتقدموا‭ ‬برؤية‭ ‬متكاملة‭ ‬لمعالجتها،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬مبادرة‭ ‬السلام‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬أُعلنت‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬بيروت‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬فإن‭ ‬فرص‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬جيد‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬ستكون‭ ‬أكبر‭.‬

وعلى‭ ‬الوسطاء‭ ‬أن‭ ‬يعملوا‭ ‬على‭ ‬حشد‭ ‬دعم‭ ‬أوروبي‭ ‬وصيني‭ ‬وروسي‭ ‬لهذه‭ ‬الصيغة‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا