يبذل كل الوسطاء جهودا استثنائية لإنهاء الحرب الأمريكية - الإسرائيلية مع إيران. وتنصبّ جهودهم على إيجاد مخرج يسمح بالعودة إلى ورقة التفاهم التي جرى التوصل إليها في 17 يونيو 2026، وكأن التزام واشنطن وطهران بهذه الورقة سيغلق ملف الصراع ويفتح الطريق أمام تسوية تضمن الأمن والاستقرار والازدهار لمنطقة الخليج العربي.
غير أن هذه الرؤية تظل غير مكتملة، لأنها لا تعالج الأسباب الفعلية للهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على إيران، ومن ثم تتجنب الخوض في جوهر المسألة التي قادت إلى الحرب. فالحرب الحالية ليست منفصلة عن الحرب الإسرائيلية التي بدأت على غزة في السابع من أكتوبر 2023، ثم امتدت بعد نحو عام إلى لبنان. ومع سقوط نظام الأسد في سوريا في الثامن من ديسمبر 2024، واحتلال إسرائيل مساحات جديدة من الأراضي السورية، رأت تل أبيب أن الطريق أصبح مُمَهدا لمهاجمة إيران وإضعافها، وربما تغيير نظامها.
لا تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها خطراً بسبب امتلاكها المعرفة والتكنولوجيا النووية فحسب، بل أيضاً بسبب دعمها حلفاء إقليميين في لبنان واليمن والعراق أظهروا استعدادهم لمواجهتها خلال حرب الإبادة في غزة. وقد أسهم ضعف هؤلاء الحلفاء بعد معركة لم تُحسم نتائجها بَعد في تشجيع إسرائيل على شن الحرب الأولى على إيران في يونيو 2025، التي انتهت بقصف الولايات المتحدة مواقع إيران النووية. كما شجع إسرائيل والولايات المتحدة على شن حرب جديدة في 28 فبراير 2026، وسط تصريحات سياسية أمريكية وإسرائيلية تحدثت عن إسقاط النظام الإيراني.
فإذا تحقق هذا الهدف فستفقد القوى الموالية لإيران في المنطقة حليفها الأكبر، الذي يمدها بالسلاح والتدريب والتمويل، ما يجعل إضعافها أو القضاء عليها أكثر سهولة.
من هنا، لا يمكن اختزال جوهر الصراع في برنامج إيران النووي أو في مضيق هرمز، الذي ترفض طهران إعادة فتحه بصورة كاملة قبل التوصل إلى تسوية تضع حداً نهائياً للحرب عليها وتنهي العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. فجوهر الصراع يرتبط أيضاً بالمواجهة مع إسرائيل، وهي مواجهة تدور، في أساسها، حول الأراضي التي تحتلها في فلسطين ولبنان وسورية.
إن إغفال هذه الحقيقة في المفاوضات مع إيران لا يساعد على التوصل إلى تسوية مستدامة معها. فحصر المفاوضات في فتح مضيق هرمز والبرنامج النووي لا يعالج الأسباب التي أدت إلى الحرب. وستستمر إيران، على الأرجح، في دعم حلفائها حتى إذا جرى التوصل إلى اتفاق بشأن المضيق والملف النووي، لأن هذا الدعم يوفر لها خطوط دفاع متقدمة.
تكمن المشكلة في أن الولايات المتحدة حصرت جهود الوسطاء في ملفَي المضيق والبرنامج النووي، وأخرجت إسرائيل من المعادلة المتعلقة بالحرب على إيران، رغم دورها الأساسي في التحريض عليها وبدئها. وهذه المقاربة لا تخدم مصالح الدول العربية والإقليمية.
بالنسبة إلى هذه الدول، كان مضيق هرمز مفتوحاً قبل الحرب، ولم تسعَ إيران إلى تهديد الملاحة فيه. أما البرنامج النووي، فقد كان خاضعاً لاتفاق دولي انسحب منه الرئيس ترامب عام 2018 وسط ضغوط إسرائيلية قوية. ولم يكن اعتراض بعض الدول العربية حينها متعلقاً بنص الاتفاق نفسه بقدر ما كان نابعاً مما لم يتضمنه، ولا سيما دعم إيران حلفاءها في المنطقة وبرنامجها الصاروخي.
ولم يتناول الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس أوباما مع طهران، ولا مذكرة التفاهم التي وقعها ترامب مع الرئيس الإيراني بزشكيان، مجمل القضايا التي تشغل الدول العربية. وهذه القضايا لا يمكن حلها مع إبقاء إسرائيل خارج معادلة التسوية مع إيران.
إن إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية من شأنهما أن يسهما، إلى حد بعيد، في توفير الظروف اللازمة لحصر السلاح بيد الدولة، ولا سيما في فلسطين ولبنان، وقد ينعكس ذلك إيجاباً على العراق.
وفي حال إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ستتراجع أيضاً مبررات التحريض الإسرائيلي على إسقاط النظام الإيراني. وقد تتراجع معها الضغوط الإسرائيلية على واشنطن لتشديد العقوبات الاقتصادية على إيران أو مواصلة الحرب عليها، ما يُسهّل التوصل إلى تسوية بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي.
ترى إيران حالياً أن ظهرها إلى الحائط، وأن أوراق الضغط التي تمتلكها، من حلفائها في الإقليم إلى سيطرتها على مضيق هرمز، هي ما يُمكنها من التفاوض على تسوية تضمن عدم تجدد الحرب عليها مستقبلاً، وتضع حداً للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
لذلك، ما دامت إسرائيل خارج معادلة التسوية، فمن غير المرجح أن تقدم إيران تنازلات جوهرية من شأنها إضعاف موقفها التفاوضي أو تجريدها من أهم وسائل الضغط المتاحة لها.
يعتقد الوسطاء أن بإمكانهم تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، لكن ذلك سيظل بالغ الصعوبة ما دامت التسوية المقترحة ما لم تتم معالجة قضايا جوهرية أدت الى انفجار الصراع..
أما إذا أدرك الوسطاء أن صراعات المنطقة مترابطة، وأنه لا يمكن فصل بعضها عن بعض، وتقدموا برؤية متكاملة لمعالجتها، في مقدمتها الصراع مع إسرائيل، استناداً إلى مبادرة السلام العربية التي أُعلنت في قمة بيروت عام 2002، فإن فرص التوصل إلى اتفاق جيد لإنهاء الحرب ستكون أكبر.
وعلى الوسطاء أن يعملوا على حشد دعم أوروبي وصيني وروسي لهذه الصيغة.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك