عن عبدالله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديًقًا. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عنده كذابًا) (رواه مسلم في صحيحه).
وهذا الحديث على جلال قدره، وعلو منزلته، فهو يضع أقدامنا على أول الطريق إلى الخير كله، فيطبع المسلم على خلق الصدق الذي هو في قائمة القيم والأخلاق في أعلاها، وهو يكشف لنا عن جانب آخر من جوانب الأخلاق، فالمسلم قد يزني، وقد يشرب الخمر لكنه لا يكذب؛ لأن الكذب هو فرع النفاق، والنفاق هو أن تظهر غير ما تبطن، عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) وفي رواية والتوبة معروضة. رواه البخاري.
ومعنى الحديث أن المؤمن قد تقع منه كبيرة من الكبائر، ولكنه حال إتيان هذه الكبيرة وارتكابها لا يتصف بصفة الإيمان، فالإيمان صفة متجذرة في المؤمن تنزع عنه ساعة ارتكاب المعصية، وتعود إليه حين يتوب، ويعزم عزمًا أكيدًا على ألا يعود إلى هذه المعصية، فالله تعالى لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء سبحانه، وذلك لأن الشرك ظلم عظيم، يقول سبحانه على لسان لقمان وهو يعظ ابنه : «وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم» لقمان: 13.
إذًا، فالتوبة مظلتها واسعة تسع جميع المذنبين ما لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي بشرك؛ ذلك لأن الشرك ليس ذنبًا عاديًا بل هو خروج عن دائرة الإيمان إلى ساحات الكفر والضلال، والشرك خيانة عظمى لا تغفرها إلا التوبة والإنابة، وتجديد عهد الإيمان والعودة إلى صحيح العقيدة التي لا تشوبها شائبه من شرك خفي أو جلي، والله تعالى لا يقبل في ملكه شريك له سبحانه وتعالى. وتأملوا قصة نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام حين ادعى قومه عليه وأمه بأن يتخذوهما إلهين من دون الله تعالى، قال سبحانه: «وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118)» (سورة المائدة). فتدبروا هذا الدفاع الكريم، وتأملوا هذا الاعتراف الصريح الذي دافع به نبي الله عيسى عن نفسه وعن أمه (عليهما السلام)، ولقد سبق وأن أقر بوحدانية خالقه سبحانه وتعالى حين دافع عن طهارة أمه حين اتهموها في شرفها وعفتها، وذلك حين بدأ دفاعه عن أمه بالإقرار بالعبودية لله تعالى، كأنه كشفت له الحجب، في أنه سوف يتهم في صحيح عبوديته لله تعالى، وصدق الله العظيم في قوله تعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت قبله لمن الغافلين» (يوسف: 3).
وهكذا قص علينا الله تعالى أحسن القصص في أصح المصادر، بل أصحها على الإطلاق، وسيبقى هذا الكتاب المعجز، وما يحمله من تاريخ الأمم، والحضارات، ذكرًا للعالمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأنه ليس كتابًا عاديًا، بل معجزة دائمة باقية مهما تعاقب الحدثان الليل والنهار.
هذا هو الإسلام العظيم، وهذه هي آفاقه الرحبة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك