العدد : ١٧٦٧١ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧١ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أيها المسلمون.. عليكم بالصدق!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

عن‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬مسعود‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬قال‭: (‬عليكم‭ ‬بالصدق،‭ ‬فإن‭ ‬الصدق‭ ‬يهدي‭ ‬إلى‭ ‬البر،‭ ‬وإن‭ ‬البر‭ ‬يهدي‭ ‬إلى‭ ‬الجنة،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬الرجل‭ ‬يصدق‭ ‬ويتحرى‭ ‬الصدق‭ ‬حتى‭ ‬يكتب‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬صديًقًا‭. ‬وإياكم‭ ‬والكذب،‭ ‬فإن‭ ‬الكذب‭ ‬يهدي‭ ‬إلى‭ ‬الفجور،‭ ‬وإن‭ ‬الفجور‭ ‬يهدي‭ ‬إلى‭ ‬النار،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬الرجل‭ ‬يكذب‭ ‬ويتحرى‭ ‬الكذب‭ ‬حتى‭ ‬يكتب‭ ‬عنده‭ ‬كذابًا‭) (‬رواه‭ ‬مسلم‭ ‬في‭ ‬صحيحه‭).‬

وهذا‭ ‬الحديث‭ ‬على‭ ‬جلال‭ ‬قدره،‭ ‬وعلو‭ ‬منزلته،‭ ‬فهو‭ ‬يضع‭ ‬أقدامنا‭ ‬على‭ ‬أول‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الخير‭ ‬كله،‭ ‬فيطبع‭ ‬المسلم‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬الصدق‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬القيم‭ ‬والأخلاق‭ ‬في‭ ‬أعلاها،‭ ‬وهو‭ ‬يكشف‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬الأخلاق،‭ ‬فالمسلم‭ ‬قد‭ ‬يزني،‭ ‬وقد‭ ‬يشرب‭ ‬الخمر‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يكذب؛‭ ‬لأن‭ ‬الكذب‭ ‬هو‭ ‬فرع‭ ‬النفاق،‭ ‬والنفاق‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬تبطن،‭ ‬عن‭ ‬أبي‭ ‬هريرة‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬قال‭: (‬لا‭ ‬يزني‭ ‬الزاني‭ ‬حين‭ ‬يزني‭ ‬وهو‭ ‬مؤمن،‭ ‬ولا‭ ‬يسرق‭ ‬السارق‭ ‬حين‭ ‬يسرق‭ ‬وهو‭ ‬مؤمن،‭ ‬ولا‭ ‬يشرب‭ ‬الخمر‭ ‬حين‭ ‬يشربها‭ ‬وهو‭ ‬مؤمن‭) ‬وفي‭ ‬رواية‭ ‬والتوبة‭ ‬معروضة‭. ‬رواه‭ ‬البخاري‭. ‬

ومعنى‭ ‬الحديث‭ ‬أن‭ ‬المؤمن‭ ‬قد‭ ‬تقع‭ ‬منه‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الكبائر،‭ ‬ولكنه‭ ‬حال‭ ‬إتيان‭ ‬هذه‭ ‬الكبيرة‭ ‬وارتكابها‭ ‬لا‭ ‬يتصف‭ ‬بصفة‭ ‬الإيمان،‭ ‬فالإيمان‭ ‬صفة‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬المؤمن‭ ‬تنزع‭ ‬عنه‭ ‬ساعة‭ ‬ارتكاب‭ ‬المعصية،‭ ‬وتعود‭ ‬إليه‭ ‬حين‭ ‬يتوب،‭ ‬ويعزم‭ ‬عزمًا‭ ‬أكيدًا‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المعصية،‭ ‬فالله‭ ‬تعالى‭ ‬لا‭ ‬يغفر‭ ‬أن‭ ‬يشرك‭ ‬به،‭ ‬ويغفر‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬ذلك‭ ‬لمن‭ ‬يشاء‭ ‬سبحانه،‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬الشرك‭ ‬ظلم‭ ‬عظيم،‭ ‬يقول‭ ‬سبحانه‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬لقمان‭ ‬وهو‭ ‬يعظ‭ ‬ابنه‭ : ‬‮«‬وإذ‭ ‬قال‭ ‬لقمان‭ ‬لابنه‭ ‬وهو‭ ‬يعظه‭ ‬يا‭ ‬بني‭ ‬لا‭ ‬تشرك‭ ‬بالله‭ ‬إن‭ ‬الشرك‭ ‬بالله‭ ‬إن‭ ‬الشرك‭ ‬لظلم‭ ‬عظيم‮»‬‭ ‬لقمان‭: ‬13‭.‬

إذًا،‭ ‬فالتوبة‭ ‬مظلتها‭ ‬واسعة‭ ‬تسع‭ ‬جميع‭ ‬المذنبين‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يلبسوا‭ ‬إيمانهم‭ ‬بظلم‭ ‬أي‭ ‬بشرك؛‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬الشرك‭ ‬ليس‭ ‬ذنبًا‭ ‬عاديًا‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬خروج‭ ‬عن‭ ‬دائرة‭ ‬الإيمان‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬الكفر‭ ‬والضلال،‭ ‬والشرك‭ ‬خيانة‭ ‬عظمى‭ ‬لا‭ ‬تغفرها‭ ‬إلا‭ ‬التوبة‭ ‬والإنابة،‭ ‬وتجديد‭ ‬عهد‭ ‬الإيمان‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬صحيح‭ ‬العقيدة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تشوبها‭ ‬شائبه‭ ‬من‭ ‬شرك‭ ‬خفي‭ ‬أو‭ ‬جلي،‭ ‬والله‭ ‬تعالى‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬في‭ ‬ملكه‭ ‬شريك‭ ‬له‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭. ‬وتأملوا‭ ‬قصة‭ ‬نبي‭ ‬الله‭ ‬عيسى‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭ ‬حين‭ ‬ادعى‭ ‬قومه‭ ‬عليه‭ ‬وأمه‭ ‬بأن‭ ‬يتخذوهما‭ ‬إلهين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬قال‭ ‬سبحانه‭: ‬‮«‬وإذ‭ ‬قال‭ ‬الله‭ ‬يا‭ ‬عيسى‭ ‬ابن‭ ‬مريم‭ ‬أأنت‭ ‬قلت‭ ‬للناس‭ ‬اتخذوني‭ ‬وأمي‭ ‬إلهين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الله‭ ‬قال‭ ‬سبحانك‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬ما‭ ‬ليس‭ ‬لي‭ ‬بحق‭ ‬إن‭ ‬كنت‭ ‬قلته‭ ‬فقد‭ ‬علمته‭ ‬تعلم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬ولا‭ ‬أعلم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬نفسك‭ ‬إنك‭ ‬أنت‭ ‬علام‭ ‬الغيوب‭ (‬116‭) ‬ما‭ ‬قلت‭ ‬لهم‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬أمرتني‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬اعبدوا‭ ‬الله‭ ‬ربي‭ ‬وربكم‭ ‬وكنت‭ ‬عليهم‭ ‬شهيدًا‭ ‬ما‭ ‬دمت‭ ‬فيهم‭ ‬فلما‭ ‬توفيتني‭ ‬كنت‭ ‬أنت‭ ‬الرقيب‭ ‬عليهم‭ ‬وأنت‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬شهيد‭ (‬117‭) ‬إن‭ ‬تعذبهم‭ ‬فإنهم‭ ‬عبادك‭ ‬وإن‭ ‬تغفر‭ ‬لهم‭ ‬فإنك‭ ‬أنت‭ ‬العزيز‭ ‬الحكيم‭ (‬118‭)‬‮»‬‭ (‬سورة‭ ‬المائدة‭). ‬فتدبروا‭ ‬هذا‭ ‬الدفاع‭ ‬الكريم،‭ ‬وتأملوا‭ ‬هذا‭ ‬الاعتراف‭ ‬الصريح‭ ‬الذي‭ ‬دافع‭ ‬به‭ ‬نبي‭ ‬الله‭ ‬عيسى‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬وعن‭ ‬أمه‭ (‬عليهما‭ ‬السلام‭)‬،‭ ‬ولقد‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬أقر‭ ‬بوحدانية‭ ‬خالقه‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬حين‭ ‬دافع‭ ‬عن‭ ‬طهارة‭ ‬أمه‭ ‬حين‭ ‬اتهموها‭ ‬في‭ ‬شرفها‭ ‬وعفتها،‭ ‬وذلك‭ ‬حين‭ ‬بدأ‭ ‬دفاعه‭ ‬عن‭ ‬أمه‭ ‬بالإقرار‭ ‬بالعبودية‭ ‬لله‭ ‬تعالى،‭ ‬كأنه‭ ‬كشفت‭ ‬له‭ ‬الحجب،‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬سوف‭ ‬يتهم‭ ‬في‭ ‬صحيح‭ ‬عبوديته‭ ‬لله‭ ‬تعالى،‭ ‬وصدق‭ ‬الله‭ ‬العظيم‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬نحن‭ ‬نقص‭ ‬عليك‭ ‬أحسن‭ ‬القصص‭ ‬بما‭ ‬أوحينا‭ ‬إليك‭ ‬هذا‭ ‬القرآن‭ ‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬قبله‭ ‬لمن‭ ‬الغافلين‮»‬‭ (‬يوسف‭: ‬3‭).‬

وهكذا‭ ‬قص‭ ‬علينا‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أحسن‭ ‬القصص‭ ‬في‭ ‬أصح‭ ‬المصادر،‭ ‬بل‭ ‬أصحها‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬وسيبقى‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬المعجز،‭ ‬وما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الأمم،‭ ‬والحضارات،‭ ‬ذكرًا‭ ‬للعالمين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يرث‭ ‬الله‭ ‬الأرض‭ ‬ومن‭ ‬عليها،‭ ‬وأنه‭ ‬ليس‭ ‬كتابًا‭ ‬عاديًا،‭ ‬بل‭ ‬معجزة‭ ‬دائمة‭ ‬باقية‭ ‬مهما‭ ‬تعاقب‭ ‬الحدثان‭ ‬الليل‭ ‬والنهار‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭ ‬العظيم،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬آفاقه‭ ‬الرحبة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا