العدد : ١٧٦٧٠ - الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٠ - الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

دول الخليج ومواجهة السياسات العدوانية التوسعية لإيران

بقلم: د. بدر محمد عادل{

الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تعد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬النفوذ‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬التمدد‭ ‬عبر‭ ‬الحلفاء‭ ‬والوكلاء،‭ ‬بل‭ ‬شهدت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تحولًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬نحو‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬التهديد‭ ‬بها،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬تغيرًا‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬العقيدة‭ ‬الأمنية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬ويطرح‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬تساؤلات‭ ‬جوهرية‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرة‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والمنظومة‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬هذا‭ ‬التصعيد،‭ ‬إذ‭ ‬تنظر‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬باعتباره‭ ‬المجال‭ ‬الحيوي‭ ‬لأمنها‭ ‬القومي،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬فضاء‭ ‬جغرافي‭ ‬مجاور‭.‬

ومنذ‭ ‬قيام‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬ارتكزت‭ ‬سياستها‭ ‬الخارجية‭ ‬على‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬والجيوسياسية،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬النفوذ‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ومواجهة‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الأجنبي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ولهذا‭ ‬اعتمدت‭ ‬طهران‭ ‬عقودا‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬‮«‬النفوذ‭ ‬غير‭ ‬المباشر‮»‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بناء‭ ‬شبكات‭ ‬سياسية‭ ‬وعسكرية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬واستخدام‭ ‬الحرب‭ ‬غير‭ ‬التقليدية،‭ ‬والقدرات‭ ‬الصاروخية‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬وسائل‭ ‬منخفضة‭ ‬الكلفة‭ ‬وعالية‭ ‬التأثير،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تحولت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬من‭ ‬الوكلاء‭ ‬إلى‭ ‬المواجهة‭ ‬المباشرة‭.‬

وقد‭ ‬شهدت‭ ‬البيئة‭ ‬الإقليمية‭ ‬تغيرات‭ ‬عميقة‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني،‭ ‬فبعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الحلفاء‭ ‬المحليين،‭ ‬أصبحت‭ ‬إيران‭ ‬أكثر‭ ‬استعدادًا‭ ‬لاستخدام‭ ‬القوة‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬عندما‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬مصالحها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مهددة،‭ ‬وأسباب‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬فعالية‭ ‬الردع‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬صانع‭ ‬القرار‭ ‬الإيراني،‭ ‬وتصاعد‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬والاعتقاد‭ ‬أن‭ ‬استهداف‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬يمثل‭ ‬وسيلة‭ ‬فعالة‭ ‬لزيادة‭ ‬كلفة‭ ‬أي‭ ‬مواجهة،‭ ‬ومحاولة‭ ‬فرض‭ ‬معادلة‭ ‬ردع‭ ‬جديدة‭.‬

وقد‭ ‬أشار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬الدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العقيدة‭ ‬الإيرانية‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬الأخيرة‭ ‬اتجهت‭ ‬نحو‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الردع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ومرافق‭ ‬الطاقة‭ ‬والموانئ،‭ ‬بهدف‭ ‬ممارسة‭ ‬ضغوط‭ ‬سياسية‭ ‬على‭ ‬خصومها‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬قواعد‭ ‬الاشتباك‭ ‬الإقليمية،‭ ‬كما‭ ‬يمثل‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬النفوذ‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬إلى‭ ‬الاعتداء‭ ‬المباشر‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬التهديدات‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬المخاطر‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬العمليات‭ ‬غير‭ ‬المنسوبة‭ ‬أو‭ ‬الهجمات‭ ‬عبر‭ ‬أطراف‭ ‬ثالثة،‭ ‬وإنما‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬منشآت‭ ‬حيوية،‭ ‬ومرافق‭ ‬مدنية،‭ ‬وطرق‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية،‭ ‬بما‭ ‬يهدد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬قبل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وهذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬يعكس‭ ‬محاولة‭ ‬إيرانية‭ ‬فرض‭ ‬واقع‭ ‬أمني‭ ‬جديد‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬استقرار‭ ‬الخليج‭ ‬بأمن‭ ‬إيران،‭ ‬وإيصال‭ ‬رسالة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬مواجهة‭ ‬معها‭ ‬ستكون‭ ‬لها‭ ‬كلفة‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬واسعة‭.‬

وقد‭ ‬فرضت‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬مراجعة‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مفاهيمها‭ ‬الأمنية‭ ‬التقليدية،‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الحدود‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬أمن‭ ‬المنشآت‭ ‬الحيوية،‭ ‬والدفاعات‭ ‬الجوية‭ ‬والصاروخية،‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬والتكامل‭ ‬الدفاعي‭ ‬الإقليمي،‭ ‬كما‭ ‬دفعت‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬شراكاتها‭ ‬الدولية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدراتها‭ ‬الذاتية،‭ ‬مع‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬نهج‭ ‬دبلوماسي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬التصعيد‭ ‬وتجنب‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭.‬

ورغم‭ ‬استمرار‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية،‭ ‬تسعى‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬الردع‭ ‬والحوار،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬بيئة‭ ‬أمنية‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬لم‭ ‬تتخل‭ ‬عن‭ ‬هدفها‭ ‬الأساسي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬النفوذ‭ ‬الإقليمي،‭ ‬لكنها‭ ‬غيرت‭ ‬أدوات‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬النفوذ‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬يمثل‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية،‭ ‬أصبح‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬التهديد‭ ‬بها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬التوجهات‭ ‬العدوانية‭ ‬التوسعية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬أخطارا‭ ‬كبيرة،‭ ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تقويض‭ ‬الثقة‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وزيادة‭ ‬احتمالات‭ ‬سوء‭ ‬التقدير‭ ‬العسكري،‭ ‬وتهديد‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬إضعاف‭ ‬فرص‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬أمني‭ ‬إقليمي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬وتسوية‭ ‬المنازعات‭ ‬بالوسائل‭ ‬السلمية‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬القانون‭ ‬العام‭ ‬المشارك‭ ‬ورئيس

قسم‭ ‬القانون‭ ‬العام‭ - ‬جامعة‭ ‬البحرين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا