لم تعد الاستراتيجية الإيرانية في منطقة الخليج العربي تقتصر على أدوات النفوذ السياسي أو التمدد عبر الحلفاء والوكلاء، بل شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا نحو استخدام القوة العسكرية المباشرة أو التهديد بها، بما يعكس تغيرًا في طبيعة العقيدة الأمنية الإيرانية، ويطرح هذا التحول تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن الإقليمي، ومدى قدرة القانون الدولي والمنظومة الدولية على احتواء هذا التصعيد، إذ تنظر الاستراتيجية الإيرانية إلى الخليج العربي باعتباره المجال الحيوي لأمنها القومي، وليس مجرد فضاء جغرافي مجاور.
ومنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 ارتكزت سياستها الخارجية على مزيج من الاعتبارات الأيديولوجية والجيوسياسية، يقوم على توسيع النفوذ الإقليمي، ومواجهة الوجود العسكري الأجنبي، وتعزيز قدرتها على التأثير في موازين القوى الإقليمية، ولهذا اعتمدت طهران عقودا على أدوات «النفوذ غير المباشر»، من خلال بناء شبكات سياسية وعسكرية في عدد من دول المنطقة، واستخدام الحرب غير التقليدية، والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، باعتبارها وسائل منخفضة الكلفة وعالية التأثير، ومن ثم تحولت الاستراتيجية الإيرانية من الوكلاء إلى المواجهة المباشرة.
وقد شهدت البيئة الإقليمية تغيرات عميقة أدت إلى إعادة صياغة السلوك الإيراني، فبعد سنوات من الاعتماد على الحلفاء المحليين، أصبحت إيران أكثر استعدادًا لاستخدام القوة بصورة مباشرة عندما ترى أن مصالحها الاستراتيجية مهددة، وأسباب هذا التحول تعود إلى تراجع فعالية الردع التقليدي في نظر صانع القرار الإيراني، وتصاعد الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة، والاعتقاد أن استهداف المصالح الاقتصادية في الخليج يمثل وسيلة فعالة لزيادة كلفة أي مواجهة، ومحاولة فرض معادلة ردع جديدة.
وقد أشار عدد من مراكز الدراسات الاستراتيجية إلى أن العقيدة الإيرانية خلال الأزمات الأخيرة اتجهت نحو توسيع نطاق الردع من خلال استهداف البنية التحتية الاقتصادية ومرافق الطاقة والموانئ، بهدف ممارسة ضغوط سياسية على خصومها وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك الإقليمية، كما يمثل الانتقال من النفوذ غير المباشر إلى الاعتداء المباشر نقطة تحول مهمة في طبيعة التهديدات الأمنية في الخليج، فلم تعد المخاطر تقتصر على العمليات غير المنسوبة أو الهجمات عبر أطراف ثالثة، وإنما امتدت إلى استهداف منشآت حيوية، ومرافق مدنية، وطرق الملاحة الدولية، بما يهدد الاقتصاد العالمي قبل الاقتصاد الإقليمي، وهذا النمط من التصعيد يعكس محاولة إيرانية فرض واقع أمني جديد يقوم على ربط استقرار الخليج بأمن إيران، وإيصال رسالة مفادها أن أي مواجهة معها ستكون لها كلفة إقليمية ودولية واسعة.
وقد فرضت هذه التحولات على دول مجلس التعاون الخليجي مراجعة كثير من مفاهيمها الأمنية التقليدية، والانتقال من التركيز على حماية الحدود إلى تعزيز أمن المنشآت الحيوية، والدفاعات الجوية والصاروخية، والأمن السيبراني، والتكامل الدفاعي الإقليمي، كما دفعت هذه التطورات دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدولية، وتعزيز قدراتها الذاتية، مع الاستمرار في تبني نهج دبلوماسي يهدف إلى احتواء التصعيد وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.
ورغم استمرار المخاطر الأمنية، تسعى دول الخليج إلى الموازنة بين الردع والحوار، في ظل بيئة أمنية شديدة التعقيد، وفي النهاية يمكن القول إن الاستراتيجية الإيرانية لم تتخل عن هدفها الأساسي المتمثل في تعزيز النفوذ الإقليمي، لكنها غيرت أدوات تحقيق هذا الهدف، فبعد أن كان النفوذ غير المباشر يمثل الركيزة الأساسية، أصبح استخدام القوة المباشرة أو التهديد بها جزءًا من التوجهات العدوانية التوسعية الإيرانية، غير أن هذا التحول يحمل في طياته أخطارا كبيرة، إذ يؤدي إلى تقويض الثقة الإقليمية، وزيادة احتمالات سوء التقدير العسكري، وتهديد أمن الطاقة العالمي، فضلاً عن إضعاف فرص بناء نظام أمني إقليمي قائم على احترام سيادة الدول وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية.
{ أستاذ القانون العام المشارك ورئيس
قسم القانون العام - جامعة البحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك