العدد : ١٧٦٧٠ - الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٠ - الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

في الذكرى المئوية لميلاد حكيم الثورة الفلسطينية جورج حبش

بقلم: واصل الخطيب {

السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬الذكرى‭ ‬المئوية‭ ‬لميلاد‭ ‬جورج‭ ‬حبش،‭ ‬الذي‭ ‬يقبع‭ ‬في‭ ‬ضمير‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬فلسطيني‭ ‬حر‭ ‬ومناضل‭ ‬حقيقي‭ ‬وشريف،‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬التاريخ‭ ‬أمام‭ ‬مجرد‭ ‬قائد‭ ‬سياسي‭ ‬فلسطيني،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية‭ ‬وفكرية‭ ‬تشكّلت‭ ‬عند‭ ‬تقاطع‭ ‬النكبة‭ ‬والمنفى‭ ‬والثورة‭ ‬والفلسفة‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬‮«‬حكيم‭ ‬الثورة‮»‬‭ ‬طبيبًا‭ ‬حمل‭ ‬سماعة‭ ‬الطب‭ ‬بيد،‭ ‬وحمل‭ ‬سؤال‭ ‬الحرية‭ ‬باليد‭ ‬الأخرى،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يختار‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬مشروعًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬ارتبط‭ ‬بقضية‭ ‬فلسطين‭ ‬وبفكرة‭ ‬التحرر‭ ‬العربي‭. ‬وسواء‭ ‬اتفق‭ ‬المرء‭ ‬مع‭ ‬أطروحاته‭ ‬أم‭ ‬اختلف‭ ‬معها،‭ ‬فإن‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والعربي‭ ‬يظل‭ ‬موضوعًا‭ ‬مهمًا‭ ‬للدراسة‭.‬

ولد‭ ‬جورج‭ ‬حبش‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬اللد‭ ‬سنة‭ ‬1926،‭ ‬وعاش‭ ‬مأساة‭ ‬النكبة‭ ‬عام‭ ‬1948‭ ‬حين‭ ‬أُجبر‭ ‬مع‭ ‬عائلته‭ ‬وآلاف‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬على‭ ‬مغادرة‭ ‬مدينتهم‭. ‬وقد‭ ‬تركت‭ ‬تجربة‭ ‬الاقتلاع‭ ‬أثرًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬في‭ ‬وعيه‭ ‬السياسي؛‭ ‬فالنكبة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬مجرد‭ ‬خسارة‭ ‬للأرض،‭ ‬بل‭ ‬انهيارًا‭ ‬لمنظومة‭ ‬أخلاقية‭ ‬وإنسانية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬أصبح‭ ‬سؤال‭ ‬التحرير‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬حياته‭.‬

كان‭ ‬حبش‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬المنفى‭ ‬ليس‭ ‬مكانًا‭ ‬جغرافيًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬حالة‭ ‬وجودية‭ ‬يعيشها‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أينما‭ ‬حلّ‭. ‬فاللاجئ‭ ‬يحمل‭ ‬وطنه‭ ‬في‭ ‬ذاكرته،‭ ‬ويعيش‭ ‬بين‭ ‬حاضر‭ ‬لا‭ ‬يملكه‭ ‬ومستقبل‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬استعادته‭. ‬ولهذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اللجوء‭ ‬عنده‭ ‬نهاية‭ ‬التاريخ،‭ ‬بل‭ ‬بداية‭ ‬مشروع‭ ‬مقاومة‭ ‬طويل‭.‬

قاد‭ ‬تأسيس‭ ‬حركة‭ ‬القوميين‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ثم‭ ‬شارك‭ ‬بعد‭ ‬هزيمة‭ ‬حزيران‭-‬يونيو‭ ‬1967‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬الجبهة‭ ‬الشعبية‭ ‬لتحرير‭ ‬فلسطين،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬الهزيمة‭ ‬كشفت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬شاملة‭ ‬للفكر‭ ‬والتنظيم‭ ‬وأساليب‭ ‬النضال‭. ‬وقد‭ ‬قدّم‭ ‬الجبهة‭ ‬بوصفها‭ ‬تنظيمًا‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬الوطني‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والرؤية‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬والتوجه‭ ‬اليساري‭.‬

على‭ ‬المستوى‭ ‬الفكري،‭ ‬انتقل‭ ‬حبش‭ ‬تدريجيًا‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬الماركسية‭ ‬اللينينية،‭ ‬لكنه‭ ‬أكد‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يرَ‭ ‬تناقضًا‭ ‬بين‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬والاشتراكية‭. ‬ومن‭ ‬أشهر‭ ‬عباراته‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭: ‬‮«‬إنني‭ ‬لا‭ ‬أجد‭ ‬تناقضًا‭ ‬بين‭ ‬كوني‭ ‬عربيًا‭ ‬يؤمن‭ ‬بالأمة‭ ‬العربية‭ ‬وبين‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬اشتراكيًا‭ ‬حقيقيًا‮»‬‭. ‬كما‭ ‬أوضح‭ ‬أن‭ ‬تعمقه‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬ماركس‭ ‬وإنجلز‭ ‬ولينين‭ ‬جاء‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬اعتقاله‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬حيث‭ ‬أمضى‭ ‬أشهرًا‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬المطالعة‭ ‬والدراسة‭.‬

ولم‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الماركسية‭ ‬باعتبارها‭ ‬عقيدة‭ ‬جامدة،‭ ‬بل‭ ‬منهجا‭ ‬لتحليل‭ ‬الواقع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لخّصه‭ ‬بعبارة‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬أقواله‭: ‬‮«‬علينا‭ ‬إلباس‭ ‬النظرية‭ ‬كوفيةً‭ ‬وعقالًا‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬تكييف‭ ‬الأفكار‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭ ‬والفلسطيني‭ ‬بدل‭ ‬استنساخ‭ ‬التجارب‭ ‬الأجنبية‭.‬

أما‭ ‬القومية‭ ‬العربية،‭ ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬عنده‭ ‬مجرد‭ ‬هوية‭ ‬ثقافية،‭ ‬بل‭ ‬إطارًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬لتحرير‭ ‬فلسطين‭. ‬وكان‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬تجزئة‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬إضعاف‭ ‬مشروع‭ ‬التحرر،‭ ‬وأن‭ ‬فلسطين‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصلها‭ ‬عن‭ ‬محيطها‭ ‬العربي‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬شدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬أنفسهم‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬القوة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬التحرير،‭ ‬عبر‭ ‬تنظيم‭ ‬طويل‭ ‬النفس‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬التحرير‭ ‬الشعبية‭ ‬وتجارب‭ ‬حركات‭ ‬التحرر‭ ‬العالمية‭.‬

عرف‭ ‬حبش‭ ‬أيضًا‭ ‬حياة‭ ‬المطاردة‭ ‬والاعتقال‭ ‬والعمل‭ ‬السري‭. ‬فقد‭ ‬تعرض‭ ‬للملاحقة‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬واعتُقل‭ ‬فيها‭ ‬خلال‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وقضى‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬السجن‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يغادرها‭ ‬سرًا‭ ‬إلى‭ ‬لبنان،‭ ‬وهي‭ ‬تجربة‭ ‬قال‭ ‬إنها‭ ‬منحته‭ ‬وقتًا‭ ‬واسعًا‭ ‬للقراءة‭ ‬والتأمل‭ ‬وصياغة‭ ‬مراجعاته‭ ‬الفكرية‭.‬

ومن‭ ‬الأقوال‭ ‬المنسوبة‭ ‬إليه‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬رؤيته‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والسياسية‭: ‬‮«‬الثورة‭ ‬ليست‭ ‬بندقية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬وعيا‭ ‬وتنظيما‮»‬،‭ ‬و«الإنسان‭ ‬أغلى‭ ‬ما‭ ‬نملك‮»‬،‭ ‬و«نختلف‭ ‬في‭ ‬الرأي،‭ ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نختلف‭ ‬على‭ ‬فلسطين‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬اشتهر‭ ‬أيضًا‭ ‬بتأكيده‭ ‬انسجام‭ ‬مكوناته‭ ‬الفكرية‭ ‬والإنسانية‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬انسجام‭ ‬مع‭ ‬قوميتي‭ ‬العربية،‭ ‬ومسيحيتي،‭ ‬وثقافتي‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وماركسيتي‭ ‬التقدمية‮»‬‭.‬

فلسفيًا،‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬تجربة‭ ‬جورج‭ ‬حبش‭ ‬بوصفها‭ ‬محاولة‭ ‬للإجابة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬قديم‭: ‬هل‭ ‬يصنع‭ ‬الإنسان‭ ‬التاريخ‭ ‬أم‭ ‬يصنعه‭ ‬التاريخ؟‭ ‬لقد‭ ‬صنعته‭ ‬النكبة‭ ‬لاجئًا،‭ ‬لكنه‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬من‭ ‬اللجوء‭ ‬مشروعًا‭ ‬سياسيًا‭. ‬وصنع‭ ‬منه‭ ‬المنفى‭ ‬قائدًا‭ ‬عابرًا‭ ‬للحدود،‭ ‬لكنه‭ ‬بقي‭ ‬يحمل‭ ‬ذاكرة‭ ‬مدينة‭ ‬اللد‭ ‬باعتبارها‭ ‬نقطة‭ ‬البداية‭ ‬والنهاية‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬كاريزما‭ ‬جورج‭ ‬حبش‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬البلاغة‭ ‬الخطابية‭ ‬وحدها،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬الحضور‭ ‬التنظيمي‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬أخلاقي‭ ‬في‭ ‬القيادة‭. ‬فقد‭ ‬ارتبط‭ ‬لقب‭ ‬‮«‬الحكيم‮»‬‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والعربي‭ ‬بشخصية‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الطبيب‭ ‬الذي‭ ‬عالج‭ ‬أجساد‭ ‬الناس،‭ ‬والسياسي‭ ‬الذي‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يعالج‭ ‬ما‭ ‬رآه‭ ‬جراحًا‭ ‬تاريخية‭ ‬أصابت‭ ‬شعبه‭ ‬وأمته‭. ‬ولذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اللقب‭ ‬مجرد‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬مهنته‭ ‬الأولى،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬قائد‭ ‬عُرف‭ ‬لدى‭ ‬كثيرين‭ ‬بالهدوء‭ ‬والانضباط‭ ‬والصرامة‭ ‬مع‭ ‬النفس‭ ‬قبل‭ ‬الآخرين‭.‬

ويجمع‭ ‬كثير‭ ‬ممن‭ ‬عرفوه،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬رفاقه‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬خصومه‭ ‬السياسيين،‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬زاهدًا‭ ‬في‭ ‬مظاهر‭ ‬السلطة‭ ‬والامتيازات‭ ‬الشخصية،‭ ‬وأن‭ ‬حياته‭ ‬اتسمت‭ ‬بالبساطة‭ ‬والتقشف‭. ‬فقد‭ ‬ظل‭ ‬يعيش‭ ‬حياة‭ ‬متواضعة،‭ ‬ولم‭ ‬يُعرف‭ ‬عنه‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬الثروة‭ ‬أو‭ ‬النفوذ‭ ‬الشخصي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬القائد‭ ‬تُقاس‭ ‬بمدى‭ ‬انسجامه‭ ‬مع‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬يدعو‭ ‬إليها‭. ‬ولهذا‭ ‬اكتسب‭ ‬مصداقية‭ ‬خاصة‭ ‬داخل‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يطالب‭ ‬نفسه‭ ‬بما‭ ‬يطالب‭ ‬به‭ ‬رفاقه‭.‬

وكان‭ ‬الصدق،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬حبش،‭ ‬شرطًا‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬الفعل‭ ‬الثوري‭. ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬الوعود‭ ‬التي‭ ‬يعتقد‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للتحقق،‭ ‬وكان‭ ‬يحذر‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬للتعبئة‭ ‬العاطفية‭ ‬المجردة‭. ‬وقد‭ ‬انعكس‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬لغته‭ ‬التي‭ ‬اتسمت‭ ‬بالوضوح‭ ‬والصراحة،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬مواقفه‭ ‬تسبب‭ ‬له‭ ‬عزلة‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬خلافًا‭ ‬مع‭ ‬حلفائه‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬كاريزما‭ ‬الحكيم‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كاريزما‭ ‬الزعيم‭ ‬الشعبوي،‭ ‬بل‭ ‬كاريزما‭ ‬المفكر‭ ‬المناضل؛‭ ‬إذ‭ ‬استمد‭ ‬حضوره‭ ‬من‭ ‬اتساقه‭ ‬بين‭ ‬الفكر‭ ‬والسلوك،‭ ‬وبين‭ ‬الكلمة‭ ‬والممارسة،‭ ‬وبين‭ ‬الالتزام‭ ‬الشخصي‭ ‬والانضباط‭ ‬التنظيمي‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الثورة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تنتصر‭ ‬إذا‭ ‬فقدت‭ ‬نزاهتها‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬وأن‭ ‬التنظيم‭ ‬الذي‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬يبدأ‭ ‬طريقه‭ ‬نحو‭ ‬التراجع‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬الجبهة‭ ‬الشعبية‭ ‬لتحرير‭ ‬فلسطين‭ ‬اتسمت‭ ‬بانضباطها‭ ‬التنظيمي،‭ ‬فإن‭ ‬حبش‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬وحدة‭ ‬التنظيم‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬بإلغاء‭ ‬الاختلاف،‭ ‬بل‭ ‬بإدارته‭ ‬ضمن‭ ‬أطر‭ ‬مؤسساتية‭. ‬وقد‭ ‬شهدت‭ ‬الجبهة‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬نقاشات‭ ‬داخلية‭ ‬حول‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والعلاقات‭ ‬العربية‭ ‬والدولية،‭ ‬وكان‭ ‬يؤكد‭ ‬أهمية‭ ‬الحوار‭ ‬الداخلي‭ ‬والمراجعة‭ ‬الدائمة،‭ ‬وإن‭ ‬ظل‭ ‬القرار‭ ‬النهائي‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬المؤسسات‭ ‬القيادية‭.‬

وكان‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الداخلية‭ ‬ليست‭ ‬ترفًا‭ ‬تنظيميًا،‭ ‬بل‭ ‬وسيلة‭ ‬لتجديد‭ ‬الفكر‭ ‬وتفادي‭ ‬الجمود‭. ‬لذلك‭ ‬شجع‭ ‬النقد‭ ‬والنقد‭ ‬الذاتي،‭ ‬وهي‭ ‬مفاهيم‭ ‬استلهمها‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الماركسي‭ ‬ومن‭ ‬تجارب‭ ‬حركات‭ ‬التحرر،‭ ‬مع‭ ‬تأكيده‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬انقسام‭ ‬يضعف‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭.‬

شكّلت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬جورج‭ ‬حبش‭ ‬وياسر‭ ‬عرفات‭ ‬إحدى‭ ‬أكثر‭ ‬العلاقات‭ ‬تعقيدًا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭. ‬فقد‭ ‬جمع‭ ‬الرجلين‭ ‬هدفا‭ ‬وطنيا‭ ‬واحدا،‭ ‬هو‭ ‬إنهاء‭ ‬الاحتلال‭ ‬وتحقيق‭ ‬الحقوق‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬لكنهما‭ ‬اختلفا‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الهدف‭ ‬وفي‭ ‬تقدير‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭.‬

كانت‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬التعاون‭ ‬والخلاف؛‭ ‬ففي‭ ‬محطات‭ ‬كثيرة‭ ‬عملا‭ ‬معًا‭ ‬داخل‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬ودافعا‭ ‬عن‭ ‬استقلال‭ ‬القرار‭ ‬الوطني‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وفي‭ ‬محطات‭ ‬أخرى‭ ‬احتدم‭ ‬الخلاف‭ ‬حول‭ ‬الخيارات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬تبني‭ ‬قيادة‭ ‬المنظمة‭ ‬مسار‭ ‬المفاوضات‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭.‬

ورغم‭ ‬قسوة‭ ‬النقد‭ ‬المتبادل‭ ‬أحيانًا،‭ ‬حافظ‭ ‬حبش‭ ‬على‭ ‬احترامه‭ ‬الشخصي‭ ‬لياسر‭ ‬عرفات،‭ ‬كما‭ ‬ظل‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إطارًا‭ ‬وطنيًا‭ ‬جامعًا‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية‭. ‬ولهذا‭ ‬رفض‭ ‬الانسحاب‭ ‬منها‭ ‬بصورة‭ ‬نهائية،‭ ‬مفضّلًا‭ ‬البقاء‭ ‬داخلها‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬رؤيته‭ ‬ومحاولة‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬قراراتها‭.‬

أما‭ ‬علاقته‭ ‬ببقية‭ ‬الفصائل‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬فكانت‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬التعددية‭ ‬السياسية‭ ‬ظاهرة‭ ‬طبيعية‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التحرر،‭ ‬شرط‭ ‬ألا‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬يطغى‭ ‬على‭ ‬الهدف‭ ‬الوطني‭ ‬المشترك‭. ‬ولذلك‭ ‬دعا‭ ‬مرارًا‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬قيادة‭ ‬وطنية‭ ‬موحدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الاختلافات‭ ‬الفكرية‭ ‬والتنظيمية‭.‬

كان‭ ‬جورج‭ ‬حبش‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المعارضين‭ ‬لاتفاق‭ ‬أوسلو،‭ ‬إذ‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬الاعتراف‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اختلال‭ ‬موازين‭ ‬القوى،‭ ‬لن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬الحقوق‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يأمل‭ ‬مؤيدو‭ ‬الاتفاق‭. ‬واعتبر‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تسوية‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬إنهاء‭ ‬الاحتلال‭ ‬وضمان‭ ‬حق‭ ‬تقرير‭ ‬المصير،‭ ‬وأن‭ ‬القضايا‭ ‬الجوهرية،‭ ‬مثل‭ ‬القدس‭ ‬واللاجئين،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها‭ ‬أو‭ ‬تأجيلها‭ ‬بصورة‭ ‬تُفرغ‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬مضمونه‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬رفضه‭ ‬للتسوية‭ ‬نابعًا‭ ‬من‭ ‬رفضٍ‭ ‬مبدئي‭ ‬لفكرة‭ ‬الحلول‭ ‬السياسية،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬قناعته‭ ‬بأن‭ ‬المفاوضات‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬مجدية‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬استندت‭ ‬إلى‭ ‬عناصر‭ ‬قوة‭ ‬سياسية‭ ‬وشعبية‭ ‬تجعل‭ ‬الطرف‭ ‬الفلسطيني‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬التفاوض‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا‭.‬

نظر‭ ‬حبش‭ ‬إلى‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭ ‬1987‭ ‬بوصفها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المحطات‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الفلسطيني‭ ‬المعاصر‭. ‬فقد‭ ‬رأى‭ ‬فيها‭ ‬انتقالًا‭ ‬من‭ ‬مركزية‭ ‬العمل‭ ‬الفدائي‭ ‬الخارجي‭ ‬إلى‭ ‬مقاومة‭ ‬شعبية‭ ‬واسعة‭ ‬داخل‭ ‬الأرض‭ ‬المحتلة،‭ ‬شاركت‭ ‬فيها‭ ‬مختلف‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬والطلاب‭ ‬والنساء‭ ‬إلى‭ ‬النقابات‭ ‬واللجان‭ ‬الشعبية‭.‬

وهكذا،‭ ‬فإن‭ ‬قراءة‭ ‬الحكيم‭ ‬بعد‭ ‬مائة‭ ‬عام‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬استعادة‭ ‬لسيرة‭ ‬قائد‭ ‬فلسطيني،‭ ‬وإنما‭ ‬تأملا‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬من‭ ‬القيادة‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬الكلمة‭ ‬مسؤولية،‭ ‬وأن‭ ‬الانتماء‭ ‬فعل‭ ‬يومي،‭ ‬وأن‭ ‬النقد‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الوفاء،‭ ‬وأن‭ ‬القضية‭ ‬الوطنية‭ ‬لا‭ ‬يحفظها‭ ‬السلاح‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬يحفظها‭ ‬أيضًا‭ ‬الضمير،‭ ‬والحوار،‭ ‬والنزاهة،‭ ‬والقدرة‭ ‬الدائمة‭ ‬على‭ ‬مراجعة‭ ‬الذات‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬فلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا