العدد : ١٧٦٧٠ - الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٠ - الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الحقائق العلمية بين التفكير الناقد والتواضع المعرفي

بقلم: فاطمة الحجري {

السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬قراراتنا‭ ‬اليومية‭ ‬تُتخذ‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬الحقائق‭ ‬والأدلة‭ ‬والمنطق،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا؛‭ ‬فخلف‭ ‬كل‭ ‬موقف‭ ‬أو‭ ‬قرار‭ ‬أو‭ ‬رأي‭ ‬تستتر‭ ‬عوامل‭ ‬خفية‭ ‬تتجاوز‭ ‬البراهين‭ ‬والأرقام‭ ‬والإثباتات‭ ‬العلمية،‭ ‬أبرزها‭ ‬الهوى‭ ‬والهوية‭.‬

ومن‭ ‬المهم‭ ‬هنا‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الهوى‭ ‬بوصفه‭ ‬ميلًا‭ ‬داخليًا‭ ‬يوجّه‭ ‬اختياراتنا،‭ ‬والهوية‭ ‬بوصفها‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬يمنحنا‭ ‬الانتماء‭ ‬والمعنى؛‭ ‬وحين‭ ‬يتداخل‭ ‬الاثنان،‭ ‬يصبح‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬الوقائع‭ ‬أقل‭ ‬ارتباطًا‭ ‬بالدليل،‭ ‬وأكثر‭ ‬التصاقًا‭ ‬بما‭ ‬نريد‭ ‬تصديقه‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬عنه‭.‬

ففي‭ ‬عالم‭ ‬يغرق‭ ‬في‭ ‬تدفق‭ ‬المعلومات،‭ ‬لا‭ ‬نعيش‭ ‬بوصفنا‭ ‬كائنات‭ ‬عقلانية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬الوقائع‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬خلال‭ ‬بحثنا‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نسقط‭ ‬عليها‭ ‬أبعادنا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعاطفية،‭ ‬وانتماءاتنا‭ ‬الدينية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬الرياضية‭. ‬ولذلك،‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تصبح‭ ‬الهوية‭ ‬التي‭ ‬ننتمي‭ ‬إليها‭ ‬عدسةً‭ ‬أو‭ ‬نافذةً‭ ‬نرى‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬العالم،‭ ‬فنقبل‭ ‬ما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬الأبعاد،‭ ‬ونرفض‭ ‬ما‭ ‬يناقضها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نبذل‭ ‬جهدًا‭ ‬كافيًا‭ ‬لتدعيم‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬بأدلة‭ ‬علمية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نحكم،‭ ‬ونشكّل‭ ‬آراءنا،‭ ‬ونتخذ‭ ‬مواقفنا‭.‬

تكشف‭ ‬دراسات‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬المعرفي‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬دائمًا‭ ‬كقاضٍ‭ ‬محايد،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يهمّ‭ ‬بارتداء‭ ‬جلباب‭ ‬المحامي‭ ‬ليدافع‭ ‬عن‭ ‬قناعاته‭ ‬السابقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‮«‬التحيز‭ ‬التأكيدي‮»‬؛‭ ‬إذ‭ ‬يميل‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬معتقداته،‭ ‬ويتجاهل،‭ ‬أو‭ ‬يقلل‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬الأدلة‭ ‬المخالفة،‭ ‬وعندها‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬حماية‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬كوّنها‭ ‬عن‭ ‬نفسه،‭ ‬وعن‭ ‬جماعته‭ ‬وعن‭ ‬العالم‭ ‬حوله‭.‬

ولعل‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالوضع‭ ‬السياسي،‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬والتضخم،‭ ‬أو‭ ‬توطين‭ ‬الوظائف،‭ ‬أو‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مهددات‭ ‬الاستدامة،‭ ‬وندرة‭ ‬المياه،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأمثلة،‭ ‬تشير‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬الوقائع‭ ‬بوصفها‭ ‬معطيات‭ ‬محايدة،‭ ‬بل‭ ‬نفسرها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬الانتماءات‭ ‬والقيم‭ ‬والمشاعر‭. ‬والحصيلة‭ ‬أن‭ ‬آراءنا‭ ‬تتشكل‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تتشكل‭ ‬هوياتنا؛‭ ‬إذ‭ ‬إننا،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬نحوّل‭ ‬الحقيقة‭ ‬العلمية‭ ‬إلى‭ ‬موضوع‭ ‬للجدل،‭ ‬لا‭ ‬لأننا‭ ‬نختلف‭ ‬أو‭ ‬نتفق‭ ‬وفق‭ ‬مستوياتنا‭ ‬المعرفية‭ ‬والعلمية،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نفعل‭ ‬ذلك‭ ‬وفق‭ ‬انتماءاتنا‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭. ‬ومنا‭ ‬من‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬حيرة‭ ‬قبول‭ ‬رأي‭ ‬الآخر،‭ ‬وكأنه‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬احتمال‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬هويته،‭ ‬أو‭ ‬نقض‭ ‬ولائه،‭ ‬وما‭ ‬ينتمي‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬معتقدات‭ ‬وقيم‭ ‬وثوابت‭ ‬ومسلّمات‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬تأثير‭ ‬الهوية‭ ‬على‭ ‬القضايا‭ ‬العامة،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليطول‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬عندما‭ ‬يلتقي‭ ‬الهوى‭ ‬بالهوية،‭ ‬فيكون‭ ‬الهوى،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬القوة‭ ‬الأكثر‭ ‬خفاءً‭ ‬وتأثيرًا‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬إثبات‭ ‬الذات،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الشعور‭ ‬بالتفوق‭ ‬أو‭ ‬الأمان،‭ ‬وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬تغيير‭ ‬الرأي‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬اتجاهه‭ ‬أمرًا‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة؛‭ ‬لأن‭ ‬منا‭ ‬من‭ ‬يشعر،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وعي،‭ ‬بأن‭ ‬تعديل‭ ‬موقفه‭ ‬يعني‭ ‬خسارة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ذاته،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬فكرة‭ ‬يمكن‭ ‬مراجعتها‭.‬

وتضاعف‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬هذا‭ ‬الأثر‭ ‬بما‭ ‬تقدمه‭ ‬للمستخدم‭ ‬من‭ ‬محتوى‭ ‬يوافق‭ ‬اهتماماته‭ ‬ومعتقداته،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬يسمع‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬صوته،‭ ‬ويقرأ‭ ‬الآراء‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬قناعاته،‭ ‬فيزداد‭ ‬يقينًا‭ ‬بأنه‭ ‬يمتلك‭ ‬الحقيقة‭ ‬الكاملة،‭ ‬بينما‭ ‬تتضاءل‭ ‬لديه‭ ‬فرص‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬المختلفين‭ ‬عنه‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الهوية‭ ‬باعتبارها‭ ‬عائقًا‭ ‬مطلقًا؛‭ ‬فالهوية‭ ‬تمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬الشعور‭ ‬بالانتماء‭ ‬والاستقرار‭ ‬والمعنى،‭ ‬لكن‭ ‬الخطر‭ ‬يبدأ‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬إطار‭ ‬للتعريف‭ ‬بالنفس‭ ‬إلى‭ ‬قيد‭ ‬يمنع‭ ‬مراجعة‭ ‬الأفكار‭ ‬أو‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالأدلة‭ ‬العلمية،‭ ‬فيتحول‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات،‭ ‬إلى‭ ‬امتلاك‭ ‬الشجاعة‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بمراجعة‭ ‬القناعات‭ ‬وتعديلها‭ ‬عندما‭ ‬تظهر‭ ‬أدلة‭ ‬علمية‭ ‬أقوى‭.‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬ليس‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬الناقد‭ ‬الذي‭ ‬يعلّمنا‭ ‬مساءلة‭ ‬أفكارنا‭ ‬قبل‭ ‬مساءلة‭ ‬أفكار‭ ‬الآخرين،‭ ‬والتواضع‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأننا‭ ‬قد‭ ‬نخطئ،‭ ‬وأن‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬يحتكرها‭ ‬فرد‭ ‬أو‭ ‬جماعة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تعمّد‭ ‬قراءة‭ ‬الرأي‭ ‬المخالف،‭ ‬والإنصات‭ ‬إليه‭ ‬بإنصاف،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬القناعات،‭ ‬بل‭ ‬اختبارها‭ ‬وصقلها‭. ‬ومن‭ ‬يعتد‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬نافذة‭ ‬على‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬تختلف‭ ‬عنه،‭ ‬يمنح‭ ‬نفسه‭ ‬فرصة‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬سجنه‭ ‬الفكري،‭ ‬ويقترب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬تتسع‭ ‬للاختلاف،‭ ‬ولا‭ ‬تضيق‭ ‬به‭.‬

والسؤال‭: ‬‮«‬هل‭ ‬نعرف‭ ‬الحقيقة‭ ‬فعلاً؟‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬هل‭ ‬نحن‭ ‬مستعدون‭ ‬لقبولها؟‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬تعارضت‭ ‬مع‭ ‬أهوائنا‭ ‬وهوياتنا؟‮»‬،‭ ‬فبين‭ ‬الهوى‭ ‬والعلم،‭ ‬وبين‭ ‬الهوية‭ ‬والحقائق،‭ ‬تتشكل‭ ‬معظم‭ ‬قراراتنا‭ ‬ومسارات‭ ‬حياتنا،‭ ‬والنضج‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬التمسك‭ ‬بالانحياز،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التيقن‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬الانتماء‭.‬

{ صحفية‭ ‬بحرينية‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا