للوهلة الأولى، قد يبدو أن قراراتنا اليومية تُتخذ بناءً على الحقائق والأدلة والمنطق، غير أن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فخلف كل موقف أو قرار أو رأي تستتر عوامل خفية تتجاوز البراهين والأرقام والإثباتات العلمية، أبرزها الهوى والهوية.
ومن المهم هنا التمييز بين الهوى بوصفه ميلًا داخليًا يوجّه اختياراتنا، والهوية بوصفها الإطار الذي يمنحنا الانتماء والمعنى؛ وحين يتداخل الاثنان، يصبح الحكم على الوقائع أقل ارتباطًا بالدليل، وأكثر التصاقًا بما نريد تصديقه أو الدفاع عنه.
ففي عالم يغرق في تدفق المعلومات، لا نعيش بوصفنا كائنات عقلانية تستند إلى الوقائع كما هي خلال بحثنا عن الحقيقة، من دون أن نسقط عليها أبعادنا الاجتماعية والعاطفية، وانتماءاتنا الدينية والسياسية والثقافية، بل حتى الرياضية. ولذلك، كثيرًا ما تصبح الهوية التي ننتمي إليها عدسةً أو نافذةً نرى من خلالها العالم، فنقبل ما ينسجم مع تلك الأبعاد، ونرفض ما يناقضها، من دون أن نبذل جهدًا كافيًا لتدعيم ما نراه بأدلة علمية قبل أن نحكم، ونشكّل آراءنا، ونتخذ مواقفنا.
تكشف دراسات في علم النفس المعرفي أن العقل البشري لا يعمل دائمًا كقاضٍ محايد، بقدر ما يهمّ بارتداء جلباب المحامي ليدافع عن قناعاته السابقة، وهو ما يُعرف بـ«التحيز التأكيدي»؛ إذ يميل الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد معتقداته، ويتجاهل، أو يقلل في المقابل من شأن الأدلة المخالفة، وعندها لا يكون الهدف هو الوصول إلى الحقيقة، بقدر ما يكون حماية الصورة التي كوّنها عن نفسه، وعن جماعته وعن العالم حوله.
ولعل أبرز الأمثلة على ذلك تظهر في النقاشات المتعلقة بالوضع السياسي، أو ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم، أو توطين الوظائف، أو الحديث عن مهددات الاستدامة، وندرة المياه، وغيرها من الأمثلة، تشير بوضوح إلى أننا لا نتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات محايدة، بل نفسرها من خلال منظومة من الانتماءات والقيم والمشاعر. والحصيلة أن آراءنا تتشكل بقدر ما تتشكل هوياتنا؛ إذ إننا، في كثير من الأحيان، نحوّل الحقيقة العلمية إلى موضوع للجدل، لا لأننا نختلف أو نتفق وفق مستوياتنا المعرفية والعلمية، بقدر ما نفعل ذلك وفق انتماءاتنا الفكرية والسياسية. ومنا من يقع في حيرة قبول رأي الآخر، وكأنه يقف أمام احتمال التخلي عن هويته، أو نقض ولائه، وما ينتمي إليه من معتقدات وقيم وثوابت ومسلّمات.
ولا يقتصر تأثير الهوية على القضايا العامة، بل يمتد ليطول تفاصيل حياتنا اليومية، وخصوصًا عندما يلتقي الهوى بالهوية، فيكون الهوى، في هذا السياق، القوة الأكثر خفاءً وتأثيرًا في رحلة إثبات الذات، في ظل الحاجة إلى الشعور بالتفوق أو الأمان، وهنا يصبح تغيير الرأي أو تعديل اتجاهه أمرًا بالغ الصعوبة؛ لأن منا من يشعر، من دون وعي، بأن تعديل موقفه يعني خسارة جزء من ذاته، وليس مجرد فكرة يمكن مراجعتها.
وتضاعف وسائل التواصل الاجتماعي هذا الأثر بما تقدمه للمستخدم من محتوى يوافق اهتماماته ومعتقداته، وخصوصاً عندما يسمع الأصوات التي تشبه صوته، ويقرأ الآراء التي تؤكد قناعاته، فيزداد يقينًا بأنه يمتلك الحقيقة الكاملة، بينما تتضاءل لديه فرص الحوار مع المختلفين عنه.
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى الهوية باعتبارها عائقًا مطلقًا؛ فالهوية تمنح الإنسان الشعور بالانتماء والاستقرار والمعنى، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول من إطار للتعريف بالنفس إلى قيد يمنع مراجعة الأفكار أو الاعتراف بالأدلة العلمية، فيتحول التحدي الحقيقي في عصر المعرفة من الوصول إلى المعلومات، إلى امتلاك الشجاعة الفكرية التي تسمح بمراجعة القناعات وتعديلها عندما تظهر أدلة علمية أقوى.
ولعل ما نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى ليس مزيدًا من المعلومات فحسب، بل مزيدًا من التفكير الناقد الذي يعلّمنا مساءلة أفكارنا قبل مساءلة أفكار الآخرين، والتواضع الفكري الذي يدفعنا إلى الاعتراف بأننا قد نخطئ، وأن الحقيقة لا يحتكرها فرد أو جماعة. كما أن تعمّد قراءة الرأي المخالف، والإنصات إليه بإنصاف، لا يعني التخلي عن القناعات، بل اختبارها وصقلها. ومن يعتد أن يفتح نافذة على الأفكار التي تختلف عنه، يمنح نفسه فرصة للخروج من سجنه الفكري، ويقترب أكثر من الحقيقة التي تتسع للاختلاف، ولا تضيق به.
والسؤال: «هل نعرف الحقيقة فعلاً؟» إلى «هل نحن مستعدون لقبولها؟» إذا تعارضت مع أهوائنا وهوياتنا؟»، فبين الهوى والعلم، وبين الهوية والحقائق، تتشكل معظم قراراتنا ومسارات حياتنا، والنضج هنا ليس في التمسك بالانحياز، بل في التيقن من أن الحقيقة أوسع من حدود الانتماء.
{ صحفية بحرينية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك