تُشكّل الحروب والنزاعات المسلحة اليوم أحد أخطر التهديدات المباشرة لمسار التنمية المستدامة على المستوى العالمي. فالنزاعات المسلحة تُقوّض جهود التنمية من أساسها، إذ لا تكتفي بتعطيل مساراتها، بل تعكس اتجاهها أحيانًا إلى الوراء بشكل حاد. وقد أكدت التقارير أن النزاعات المسلحة قادرة على محو مكاسب تنموية استغرق تحقيقها عقودًا كاملة في غضون أشهر قليلة، مستشهدة بحالة غزة كمثال صارخ على ذلك.
نهدف من خلال هذا المقال إلى تقديم تحليل منهجي للعلاقة بين الحروب والتنمية المستدامة، كالآتي:
أولًا: تأثيرات الحروب على التغيرات المناخية
1. البصمة الكربونية العسكرية
غالبًا ما يُغفَل البُعد المناخي للحروب في النقاش العام، على الرغم من أن الأدلة العلمية تشير إلى حجمه الهائل. فوفقًا لتقرير صادر عن منظمة (علماء من أجل المسؤولية العالمية) ومرصد الصراعات والبيئة، تُقدَّر البصمة الكربونية العسكرية العالمية بنحو 5.5% من إجمالي الانبعاثات العالمية، وهي نسبة تجعل القطاع العسكري العالمي، لو اعتُبر كيانًا قائمًا بذاته، من بين أكبر مصادر الانبعاثات على مستوى العالم، أكبر من إجمالي الانبعاثات الوطنية لدول كبرى مثل روسيا أو اليابان.
واللافت أن هذه الانبعاثات لا تقتصر على أوقات الحروب الفعلية؛ فحتى في زمن السلم النسبي تظل الأنشطة العسكرية الروتينية كثيفة الاستهلاك للكربون. ولعل أحد أسباب غياب الشفافية في هذا المجال يعود إلى استثناء الانبعاثات العسكرية من القيود المناخية الدولية ضمن بروتوكول كيوتو عام 1997 بضغط من الولايات المتحدة، ما جعل الإفصاح عنها طوعيًا حتى اليوم، بحيث تمتنع الدول الكبرى التي تمتلك جيوشًا ضخمة عن الكشف عن بياناتها الكاملة.
وحين تندلع الحرب فعليًا، ترتفع الانبعاثات بشكل حاد نتيجة احتراق الوقود في الآليات والطائرات والصواريخ، والحرائق الناجمة عن القصف، وتسرب المواد السامة، وتدمير البنية التحتية. فعلى سبيل المثال، تشير التقديرات إلى أن انبعاثات الغازات الدفيئة الناجمة عن الحرب الروسية على أوكرانيا خلال عامها الأول وحده بلغت ما يعادل نحو 120 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، أي أكثر مما أنتجته جمهورية التشيك بأكملها خلال الفترة ذاتها.
والمفارقة أن إعادة الإعمار ذاتها، على الرغم من ظاهرها الإيجابي، تُشكّل عبئًا كربونيًا إضافيًا؛ إذ تتطلب كميات هائلة من الطاقة والمواد (الإسمنت والصلب بشكل خاص)، ما قد يجعل انبعاثاتها التراكمية تفوق تلك الناجمة عن القصف نفسه.
2. الحلقة المفرغة بين النزاع والمناخ
تنشأ علاقة تغذية عكسية خطيرة بين الحروب وتغير المناخ؛ فمن جهة تُسهم الحروب في تسريع الاحترار العالمي عبر الانبعاثات المباشرة وتعطيل مشروعات الطاقة النظيفة وتحويل الاستثمارات عنها؛ ومن جهة أخرى، يُفاقم تغير المناخ ذاته من احتمالات اندلاع النزاعات، عبر تصعيد المنافسة على الموارد الشحيحة كالماء والأرض الصالحة للزراعة، ولا سيما في المناطق الهشة مسبقًا. وقد بلغت درجات الحرارة العالمية في عام 2025 نحو 1.43 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، في مؤشر يعكس تسارع الأزمة المناخية في وقت تستنزف فيه النزاعات المسلحة الموارد التي كان يمكن توجيهها للتكيف معها.
ثانيًا: أزمة المياه الناجمة عن الحروب
1. تدمير البنية التحتية المائية كسلاح وكأثر جانبي
تُشكّل المياه في مناطق النزاع هدفًا مباشرًا أحيانًا، وضحية جانبية حتمية للقصف والتدمير في أحيان أخرى. ففي قطاع غزة أدى تدمير الاحتلال للآبار ومحطات التحلية إلى دمار أصاب نحو 80% من البنية التحتية المائية، ما اضطر السكان إلى الاعتماد على مصادر مياه ملوثة، بما فيها مياه البحر الملوثة بالصرف الصحي، وهو ما أدى إلى انتشار أمراض جلدية ومعوية واسعة النطاق.
ولا تقتصر أزمة المياه في مناطق النزاع على ندرة الوصول إليها، بل تمتد إلى تداعيات صحية مضاعفة؛ ففي البلدان التي تعاني من نزاعات طويلة الأمد يكون الأطفال دون سن الخامسة أكثر عرضة للوفاة بأمراض الإسهال المرتبطة بالمياه وسوء الصرف الصحي بأكثر من 20 مرة مقارنة بالتعرض المباشر لعنف النزاع ذاته. وقد أسفر تدمير شبكات الصرف الصحي في بعض الدول عن تفشٍّ سريع لوباء الكوليرا، فيما تُعزى أكثر من ربع الأمراض المسجلة في قطاع غزة إلى رداءة المياه وصعوبة الوصول إليها.
ثالثًا: أزمة الغذاء العالمية والحروب
1. المشهد العالمي الراهن
يكشف (التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية 2026) عن تصاعد غير مسبوق في مستويات الجوع الحاد عالميًا، حيث عانى نحو 266 مليون شخص في 47 دولة وإقليمًا من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال عام 2025، أي ما يقارب 23% من سكان المناطق التي شملها التحليل، فيما واجه 1.4 مليون شخص أوضاعًا كارثية في مناطق أبرزها هايتي ومالي وغزة وجنوب السودان واليمن. واللافت أن التقرير سجّل، للمرة الأولى منذ إطلاقه، إعلان حالتيْ مجاعة رسميتين خلال العام ذاته في كل من قطاع غزة والسودان، فيما تضاعفت معدلات الجوع الحاد عالميًا خلال العقد الماضي.
ويمتد أثر أزمة الغذاء المرتبطة بالحروب إلى ما هو أبعد من الجوع الآني، ليطول مستقبل الأجيال الناشئة؛ إذ عانى نحو 35.5 مليون طفل من سوء التغذية الحاد خلال عام 2025، من بينهم نحو 10 ملايين طفل واجهوا سوء تغذية حادًا وخيمًا يهدد حياتهم مباشرة. وهذا النوع من الضرر التنموي، خلافًا للدمار المادي، يصعب تعويضه أو عكسه حتى بعد انتهاء النزاع، لما له من آثار طويلة الأمد على الصحة الجسدية والمعرفية.
2. تقاطع الحروب مع المناخ في تعميق أزمة الغذاء
لا يمكن فصل أزمة الغذاء عن البُعدين المناخي والمائي المذكورين سابقًا؛ فالتقرير ذاته يشير إلى أن تصاعد النزاعات والتوترات الجيوسياسية يتفاعل مع التغيرات المناخية وتقلبات الأسواق العالمية في تعميق انعدام الأمن الغذائي الحاد. ففي منطقة القرن الإفريقي على سبيل المثال، يُتوقَّع أن يؤدي تراجع هطول الأمطار إلى تفاقم الأوضاع في الصومال وكينيا، نتيجة تداخل الجفاف مع انعدام الأمن وارتفاع أسعار الغذاء وتراجع المساعدات الدولية، وهو نموذج مصغّر لما يمكن تسميته (ثالوث الأزمة)؛ الحرب، والمناخ، والاقتصاد، تتضافر جميعها في تهديد الأمن الغذائي لملايين البشر.
يكشف التحليل المبسط السابق عن نظام متشابك معقد من العلاقات المتبادلة، هذا التشابك يعني أن معالجة أي بُعد من أبعاد الأزمة بمعزل عن الأبعاد الأخرى تبقى معالجة جزئية وقاصرة؛ فلا يمكن تحقيق الأمن الغذائي من دون استقرار مائي، ولا الاستقرار المائي من دون سلام، ولا التكيف المناخي في ظل استمرار استنزاف الموارد في التسلّح وإعادة الإعمار المتكرر.
يتضح من هذا التحليل أن الحروب لم تعد تُهدد التنمية المستدامة بوصفها ظاهرة سياسية أمنية معزولة، بل باتت متغيرًا مركزيًا يتقاطع مع أخطر التحديات البيئية والإنسانية المعاصرة. فكل حرب تندلع اليوم لا تُبدد أرواحًا وممتلكات فحسب، بل تُبدد أيضًا عقودًا من الجهد التنموي، وتُضيف بصمة كربونية غير محسوبة إلى أزمة مناخية متفاقمة أصلًا، وتُفكك بنى تحتية مائية وغذائية يصعب إعادة بنائها في المدى القريب.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك