العدد : ١٧٦٧٠ - الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٠ - الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

النزاعات المسلحة تسحق البيئة والتنمية المستدامة

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

تُشكّل‭ ‬الحروب‭ ‬والنزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬اليوم‭ ‬أحد‭ ‬أخطر‭ ‬التهديدات‭ ‬المباشرة‭ ‬لمسار‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي‭. ‬فالنزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬تُقوّض‭ ‬جهود‭ ‬التنمية‭ ‬من‭ ‬أساسها،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بتعطيل‭ ‬مساراتها،‭ ‬بل‭ ‬تعكس‭ ‬اتجاهها‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭. ‬وقد‭ ‬أكدت‭ ‬التقارير‭ ‬أن‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬محو‭ ‬مكاسب‭ ‬تنموية‭ ‬استغرق‭ ‬تحقيقها‭ ‬عقودًا‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة،‭ ‬مستشهدة‭ ‬بحالة‭ ‬غزة‭ ‬كمثال‭ ‬صارخ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

نهدف‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬تحليل‭ ‬منهجي‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحروب‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬كالآتي‭:‬

أولًا‭: ‬تأثيرات‭ ‬الحروب‭ ‬على‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية

1‭. ‬البصمة‭ ‬الكربونية‭ ‬العسكرية

غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يُغفَل‭ ‬البُعد‭ ‬المناخي‭ ‬للحروب‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬العام،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الأدلة‭ ‬العلمية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬حجمه‭ ‬الهائل‭. ‬فوفقًا‭ ‬لتقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬منظمة‭ (‬علماء‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المسؤولية‭ ‬العالمية‭) ‬ومرصد‭ ‬الصراعات‭ ‬والبيئة،‭ ‬تُقدَّر‭ ‬البصمة‭ ‬الكربونية‭ ‬العسكرية‭ ‬العالمية‭ ‬بنحو‭ ‬5‭.‬5‭% ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الانبعاثات‭ ‬العالمية،‭ ‬وهي‭ ‬نسبة‭ ‬تجعل‭ ‬القطاع‭ ‬العسكري‭ ‬العالمي،‭ ‬لو‭ ‬اعتُبر‭ ‬كيانًا‭ ‬قائمًا‭ ‬بذاته،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أكبر‭ ‬مصادر‭ ‬الانبعاثات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الانبعاثات‭ ‬الوطنية‭ ‬لدول‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬روسيا‭ ‬أو‭ ‬اليابان‭.‬

واللافت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الانبعاثات‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬أوقات‭ ‬الحروب‭ ‬الفعلية؛‭ ‬فحتى‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬السلم‭ ‬النسبي‭ ‬تظل‭ ‬الأنشطة‭ ‬العسكرية‭ ‬الروتينية‭ ‬كثيفة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬للكربون‭. ‬ولعل‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬غياب‭ ‬الشفافية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬استثناء‭ ‬الانبعاثات‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬المناخية‭ ‬الدولية‭ ‬ضمن‭ ‬بروتوكول‭ ‬كيوتو‭ ‬عام‭ ‬1997‭ ‬بضغط‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الإفصاح‭ ‬عنها‭ ‬طوعيًا‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬بحيث‭ ‬تمتنع‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬جيوشًا‭ ‬ضخمة‭ ‬عن‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬بياناتها‭ ‬الكاملة‭.‬

وحين‭ ‬تندلع‭ ‬الحرب‭ ‬فعليًا،‭ ‬ترتفع‭ ‬الانبعاثات‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭ ‬نتيجة‭ ‬احتراق‭ ‬الوقود‭ ‬في‭ ‬الآليات‭ ‬والطائرات‭ ‬والصواريخ،‭ ‬والحرائق‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬القصف،‭ ‬وتسرب‭ ‬المواد‭ ‬السامة،‭ ‬وتدمير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬انبعاثات‭ ‬الغازات‭ ‬الدفيئة‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا‭ ‬خلال‭ ‬عامها‭ ‬الأول‭ ‬وحده‭ ‬بلغت‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬120‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬ثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون،‭ ‬أي‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬أنتجته‭ ‬جمهورية‭ ‬التشيك‭ ‬بأكملها‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬ذاتها‭.‬

والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬ذاتها،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ظاهرها‭ ‬الإيجابي،‭ ‬تُشكّل‭ ‬عبئًا‭ ‬كربونيًا‭ ‬إضافيًا؛‭ ‬إذ‭ ‬تتطلب‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬والمواد‭ (‬الإسمنت‭ ‬والصلب‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يجعل‭ ‬انبعاثاتها‭ ‬التراكمية‭ ‬تفوق‭ ‬تلك‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬القصف‭ ‬نفسه‭.‬

2‭. ‬الحلقة‭ ‬المفرغة‭ ‬بين‭ ‬النزاع‭ ‬والمناخ

تنشأ‭ ‬علاقة‭ ‬تغذية‭ ‬عكسية‭ ‬خطيرة‭ ‬بين‭ ‬الحروب‭ ‬وتغير‭ ‬المناخ؛‭ ‬فمن‭ ‬جهة‭ ‬تُسهم‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬الاحترار‭ ‬العالمي‭ ‬عبر‭ ‬الانبعاثات‭ ‬المباشرة‭ ‬وتعطيل‭ ‬مشروعات‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬وتحويل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬عنها؛‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يُفاقم‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬اندلاع‭ ‬النزاعات،‭ ‬عبر‭ ‬تصعيد‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬الشحيحة‭ ‬كالماء‭ ‬والأرض‭ ‬الصالحة‭ ‬للزراعة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الهشة‭ ‬مسبقًا‭. ‬وقد‭ ‬بلغت‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬43‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬فوق‭ ‬مستويات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬يعكس‭ ‬تسارع‭ ‬الأزمة‭ ‬المناخية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تستنزف‭ ‬فيه‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬الموارد‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬توجيهها‭ ‬للتكيف‭ ‬معها‭.‬

ثانيًا‭: ‬أزمة‭ ‬المياه‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬الحروب

1‭. ‬تدمير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المائية‭ ‬كسلاح‭ ‬وكأثر‭ ‬جانبي

تُشكّل‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬النزاع‭ ‬هدفًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬أحيانًا،‭ ‬وضحية‭ ‬جانبية‭ ‬حتمية‭ ‬للقصف‭ ‬والتدمير‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬أخرى‭. ‬ففي‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬أدى‭ ‬تدمير‭ ‬الاحتلال‭ ‬للآبار‭ ‬ومحطات‭ ‬التحلية‭ ‬إلى‭ ‬دمار‭ ‬أصاب‭ ‬نحو‭ ‬80‭% ‬من‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المائية،‭ ‬ما‭ ‬اضطر‭ ‬السكان‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬مياه‭ ‬ملوثة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬مياه‭ ‬البحر‭ ‬الملوثة‭ ‬بالصرف‭ ‬الصحي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬انتشار‭ ‬أمراض‭ ‬جلدية‭ ‬ومعوية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭.‬

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬أزمة‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬النزاع‭ ‬على‭ ‬ندرة‭ ‬الوصول‭ ‬إليها،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬تداعيات‭ ‬صحية‭ ‬مضاعفة؛‭ ‬ففي‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬نزاعات‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬يكون‭ ‬الأطفال‭ ‬دون‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للوفاة‭ ‬بأمراض‭ ‬الإسهال‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمياه‭ ‬وسوء‭ ‬الصرف‭ ‬الصحي‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬مرة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالتعرض‭ ‬المباشر‭ ‬لعنف‭ ‬النزاع‭ ‬ذاته‭. ‬وقد‭ ‬أسفر‭ ‬تدمير‭ ‬شبكات‭ ‬الصرف‭ ‬الصحي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬عن‭ ‬تفشٍّ‭ ‬سريع‭ ‬لوباء‭ ‬الكوليرا،‭ ‬فيما‭ ‬تُعزى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬الأمراض‭ ‬المسجلة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬رداءة‭ ‬المياه‭ ‬وصعوبة‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭.‬

ثالثًا‭: ‬أزمة‭ ‬الغذاء‭ ‬العالمية‭ ‬والحروب

1‭. ‬المشهد‭ ‬العالمي‭ ‬الراهن

يكشف‭ (‬التقرير‭ ‬العالمي‭ ‬عن‭ ‬الأزمات‭ ‬الغذائية‭ ‬2026‭) ‬عن‭ ‬تصاعد‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬الجوع‭ ‬الحاد‭ ‬عالميًا،‭ ‬حيث‭ ‬عانى‭ ‬نحو‭ ‬266‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬47‭ ‬دولة‭ ‬وإقليمًا‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬الحاد‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬23%‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬شملها‭ ‬التحليل،‭ ‬فيما‭ ‬واجه‭ ‬1‭.‬4‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬أوضاعًا‭ ‬كارثية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أبرزها‭ ‬هايتي‭ ‬ومالي‭ ‬وغزة‭ ‬وجنوب‭ ‬السودان‭ ‬واليمن‭. ‬واللافت‭ ‬أن‭ ‬التقرير‭ ‬سجّل،‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬منذ‭ ‬إطلاقه،‭ ‬إعلان‭ ‬حالتيْ‭ ‬مجاعة‭ ‬رسميتين‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬والسودان،‭ ‬فيما‭ ‬تضاعفت‭ ‬معدلات‭ ‬الجوع‭ ‬الحاد‭ ‬عالميًا‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي‭.‬

ويمتد‭ ‬أثر‭ ‬أزمة‭ ‬الغذاء‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحروب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬الجوع‭ ‬الآني،‭ ‬ليطول‭ ‬مستقبل‭ ‬الأجيال‭ ‬الناشئة؛‭ ‬إذ‭ ‬عانى‭ ‬نحو‭ ‬35‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬طفل‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬التغذية‭ ‬الحاد‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬نحو‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬طفل‭ ‬واجهوا‭ ‬سوء‭ ‬تغذية‭ ‬حادًا‭ ‬وخيمًا‭ ‬يهدد‭ ‬حياتهم‭ ‬مباشرة‭. ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الضرر‭ ‬التنموي،‭ ‬خلافًا‭ ‬للدمار‭ ‬المادي،‭ ‬يصعب‭ ‬تعويضه‭ ‬أو‭ ‬عكسه‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬النزاع،‭ ‬لما‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬الجسدية‭ ‬والمعرفية‭.‬

2‭. ‬تقاطع‭ ‬الحروب‭ ‬مع‭ ‬المناخ‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬أزمة‭ ‬الغذاء

لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬أزمة‭ ‬الغذاء‭ ‬عن‭ ‬البُعدين‭ ‬المناخي‭ ‬والمائي‭ ‬المذكورين‭ ‬سابقًا؛‭ ‬فالتقرير‭ ‬ذاته‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تصاعد‭ ‬النزاعات‭ ‬والتوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬يتفاعل‭ ‬مع‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬وتقلبات‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬انعدام‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬الحاد‭. ‬ففي‭ ‬منطقة‭ ‬القرن‭ ‬الإفريقي‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يُتوقَّع‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬تراجع‭ ‬هطول‭ ‬الأمطار‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬الصومال‭ ‬وكينيا،‭ ‬نتيجة‭ ‬تداخل‭ ‬الجفاف‭ ‬مع‭ ‬انعدام‭ ‬الأمن‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭ ‬وتراجع‭ ‬المساعدات‭ ‬الدولية،‭ ‬وهو‭ ‬نموذج‭ ‬مصغّر‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ (‬ثالوث‭ ‬الأزمة‭)‬؛‭ ‬الحرب،‭ ‬والمناخ،‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬تتضافر‭ ‬جميعها‭ ‬في‭ ‬تهديد‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬لملايين‭ ‬البشر‭.‬

يكشف‭ ‬التحليل‭ ‬المبسط‭ ‬السابق‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬متشابك‭ ‬معقد‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬المتبادلة،‭ ‬هذا‭ ‬التشابك‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬أي‭ ‬بُعد‭ ‬من‭ ‬أبعاد‭ ‬الأزمة‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الأبعاد‭ ‬الأخرى‭ ‬تبقى‭ ‬معالجة‭ ‬جزئية‭ ‬وقاصرة؛‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استقرار‭ ‬مائي،‭ ‬ولا‭ ‬الاستقرار‭ ‬المائي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سلام،‭ ‬ولا‭ ‬التكيف‭ ‬المناخي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬استنزاف‭ ‬الموارد‭ ‬في‭ ‬التسلّح‭ ‬وإعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬المتكرر‭.‬

يتضح‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُهدد‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬بوصفها‭ ‬ظاهرة‭ ‬سياسية‭ ‬أمنية‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬متغيرًا‭ ‬مركزيًا‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬أخطر‭ ‬التحديات‭ ‬البيئية‭ ‬والإنسانية‭ ‬المعاصرة‭. ‬فكل‭ ‬حرب‭ ‬تندلع‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تُبدد‭ ‬أرواحًا‭ ‬وممتلكات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تُبدد‭ ‬أيضًا‭ ‬عقودًا‭ ‬من‭ ‬الجهد‭ ‬التنموي،‭ ‬وتُضيف‭ ‬بصمة‭ ‬كربونية‭ ‬غير‭ ‬محسوبة‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬مناخية‭ ‬متفاقمة‭ ‬أصلًا،‭ ‬وتُفكك‭ ‬بنى‭ ‬تحتية‭ ‬مائية‭ ‬وغذائية‭ ‬يصعب‭ ‬إعادة‭ ‬بنائها‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القريب‭.‬

 

‭ ‬Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا