العدد : ١٧٦٧١ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧١ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الزراعة كعلاج أخضر وضرورة لتحسين جودة الحياة والصحة النفسية

بقلم: د. فاطمة ناصر العالي

الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

مع‭ ‬تزايد‭ ‬الضغوطات‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬نمط‭ ‬الحياة‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الحاضر،‭ ‬وزيادة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أمورنا‭ ‬اليومية،‭ ‬أصبح‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الطبيعة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجهنا،‭ ‬ولها‭ ‬تأثير‭ ‬سلبي‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬حياتنا‭ ‬وصحتنا‭ ‬النفسية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬العلاج‭ ‬الأخضر‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬التوجهات‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬والرفاه،‭ ‬بما‭ ‬يتوافق‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬الهدف‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬أهداف‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ (‬SDGs‭)‬،‭ ‬هو‭ ‬الصحة‭ ‬الجيدة‭ ‬والرفاه،‭ ‬وهو‭ ‬الارتباط‭ ‬الرئيس‭ ‬بموضوع‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬وكذلك‭ ‬الهدف‭ ‬رقم‭ (‬4‭) ‬التعليم‭ ‬الجيد‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬وارتباط‭ ‬وثيق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توظيف‭ ‬الزراعة‭ ‬ورعايتها‭ ‬في‭ ‬البيئات‭ ‬التعليمية،‭ ‬وكذلك‭ ‬الهدف‭ ‬رقم‭ (‬11‭) ‬مدن‭ ‬ومجتمعات‭ ‬محلية‭ ‬مستدامة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬زيادة‭ ‬المساحات‭ ‬الخضراء،‭ ‬وتحسين‭ ‬البيئة‭ ‬الحضرية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتضح‭ ‬العلاقة‭ ‬الوثيقة‭ ‬بين‭ ‬موضوع‭ ‬مقالنا‭ ‬وأهداف‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬الممارسات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالزراعة‭ ‬والبستنة،‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬المساحات‭ ‬الخضراء‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬التوترات‭ ‬التي‭ ‬نعيشها،‭ ‬والعودة‭ ‬للطبيعة،‭ ‬واكتشاف‭ ‬قيمة‭ ‬عناصرها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬جزءًا‭ ‬أساسيا‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬الأزمنة‭.‬

وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬مهم‭ ‬يستحق‭ ‬فعًلا‭ ‬التوقف‭ ‬عنده‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬العلاج‭ ‬الأخضر،‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الزراعة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬هواية‭ ‬أو‭ ‬وسيلة‭ ‬لإنتاج‭ ‬الغذاء؟‭ ‬وهل‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬حقا‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬المساعدة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬مشاكل‭ ‬العصر‭ ‬كالتوتر‭ ‬والاكتئاب‭ ‬والقلق‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ربما‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬وقفة‭ ‬تأملية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الضغوطات‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬من‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬العمل،‭ ‬والساعات‭ ‬الطويلة‭ ‬التي‭ ‬أصبحنا‭ ‬نقضيها‭ ‬ممسكين‭ ‬بهواتفنا‭ ‬ومتنقلين‭ ‬بين‭ ‬المنصات‭ ‬والبرامج‭ ‬في‭ ‬استنزاف‭ ‬واضح‭ ‬لوقتنا،‭ ‬وتشتت‭ ‬تركيزنا‭ ‬وانتباهنا،‭ ‬حتى‭ ‬أصبحنا‭ ‬نبتعد‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حولنا‭ ‬من‭ ‬الاتصال‭ ‬المباشر‭ ‬بالطبيعة‭ ‬والحياة‭ ‬من‭ ‬حولنا؛‭ ‬وبحسب‭ ‬التعريفات‭ ‬للعلاج‭ ‬الأخضر‭ ‬المطلع‭ ‬عليها،‭ ‬هو‭ ‬العلاج‭ ‬البيئي‭ ‬أو‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ويرتكز‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬علاجية‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تسخير‭ ‬العالم‭ ‬الطبيعي‭ ‬وعناصره‭ ‬لتعزيز‭ ‬الرفاهية‭ ‬الجسدية‭ ‬والعاطفية‭. ‬ويتضمن‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬أنشطة‭ ‬خارجية‭ ‬كالمشي‭ ‬مسافات‭ ‬طويلة‭ ‬والبستنة‭ ‬والاستحمام‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬الطبيعية‭ ‬الارتوازية‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الحيوانات،‭ ‬والفن‭ ‬البيئي‭ ‬ورسم‭ ‬الطبيعة‭ ‬والاشجار،‭ ‬وتعتبر‭ ‬الزراعة‭ ‬ورعاية‭ ‬النباتات‭ ‬إحدى‭ ‬الممارسات‭ ‬البسيطة‭ ‬التي‭ ‬تساعدنا‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬التوازن‭ ‬النفسي؛‭ ‬فالنبات‭ ‬لا‭ ‬ينتظر‭ ‬حالتنا‭ ‬اليومية،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬رعاية‭ ‬منتظمة،‭ ‬وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬الزراعة‭ ‬أصبحت‭ ‬تطرح‭ ‬بوصفها‭ ‬أحد‭ ‬التطبيقات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعلاج‭ ‬الأخضر،‭ ‬إذ‭ ‬يستثمر‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬النباتات‭ ‬والبيئات‭ ‬الخضراء‭ ‬باعتباره‭ ‬وسيلة‭ ‬تدعم‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬وتوفر‭ ‬الرفاه‭ ‬الاجتماعي‭.‬

أحيانّا‭ ‬نحن‭ ‬لسنا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬وعلاجات‭ ‬طويلة‭ ‬لنشعر‭ ‬بالتحسن‭ ‬النفسي؛‭ ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬بعض‭ ‬الحلول‭ ‬جدًا‭ ‬بسيطة‭ ‬ومتوافرة‭ ‬وفي‭ ‬متناول‭ ‬أيدينا‭ ‬وباستطاعتنا‭ ‬تطبيقها‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬فزراعة‭ ‬نبتة‭ ‬صغيرة‭ ‬أو‭ ‬العناية‭ ‬بشتلات‭ ‬زراعية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬أحواض‭ ‬زراعية‭ ‬داخلية‭ ‬أو‭ ‬خارجية‭ ‬كفيلة‭ ‬بأن‭ ‬تؤثر‭ ‬فينا‭ ‬إيجابيًا،‭ ‬وقد‭ ‬تبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬بأنها‭ ‬مجرد‭ ‬أنشطة‭ ‬عادية،‭ ‬لكنها‭ ‬تحمل‭ ‬دلالات‭ ‬وابعادًا‭ ‬نفسية‭ ‬تتجاوز‭ ‬حتى‭ ‬حدود‭ ‬الزراعة‭. ‬وأعيد‭ ‬هنا‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬مهم‭ ‬حول‭ ‬الدور‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تؤديه‭ ‬العناصر‭ ‬الطبيعية‭ ‬رغم‭ ‬بساطتها‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬صحتنا‭ ‬النفسية‭ ‬والجسدية،‭ ‬وللإجابة‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬استوقفتني‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬عدة‭ ‬دراسات‭ ‬علمية‭ ‬حديثة‭ ‬تناولت‭ ‬‮«‬العلاج‭ ‬الأخضر‮»‬‭ ‬بشكل‭ ‬فعلي،‭ ‬وقد‭ ‬كشفت‭ ‬جانبًا‭ ‬جديدًا‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والطبيعة،‭ ‬مثلا‭ ‬هناك‭ ‬دراسة‭ ‬أعادت‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬التربة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كونها‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬المنتج‭ ‬الزراعي،‭ ‬وإنما‭ ‬باعتبارها‭ ‬بيئة‭ ‬ذات‭ ‬صفة‭ ‬حيوية‭ ‬تحمل‭ ‬إمكانات‭ ‬علاجية‭ ‬ونفسية‭. ‬فقد‭ ‬توصل‭ ‬فريق‭ ‬بحثي‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬كونكوك‭ ‬في‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نشاط‭ ‬‮«‬خلط‭ ‬التربة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬كائنات‭ ‬حية‭ ‬دقيقة‭ ‬مفيدة،‭ ‬ومن‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬أثّرًا‭ ‬ايجابيًا‭ ‬على‭ ‬الاستجابات‭ ‬النفسية‭ ‬والفسيولوجية‭ ‬للإنسان‭.‬

كذلك‭ ‬فإن‭ ‬العلاج‭ ‬الأخضر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬فكرة‭ ‬نتحدث‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الاسترخاء‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬مختلف‭ ‬ضغوط‭ ‬الحياة،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬بدأ‭ ‬يأخذ‭ ‬أسلوبًا‭ ‬جديدًا‭ ‬الى‭ ‬الممارسات‭ ‬الصحية‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭. ‬ففي‭ ‬تقرير‭ ‬قامت‭ ‬بنشره‭ ‬‮«‬صحيفة‭ ‬العين‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025م،‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مئات‭ ‬الأطباء‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬قد‭ ‬بدوا‭ ‬فعليا‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬وصفات‭ ‬علاجية‭ ‬لمرضاهم‭ ‬ومحتواها‭: ‬قضاء‭ ‬وقت‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬التوتر‭ ‬والضغوطات‭ ‬النفسية‭. ‬ومنذ‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬فقد‭ ‬سجلت‭ ‬إحدى‭ ‬منصات‭ ‬‮«‬الوصفات‭ ‬الطبيعية‮»‬‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬2000‭ ‬طبيب‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬وأصدرت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬7000‭ ‬وصفة‭ ‬تضمنت‭ ‬العلاج‭ ‬الطبيعي‭ ‬‮«‬أنشطة‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‮»‬‭ ‬وقد‭ ‬انطلقت‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬كذلك‭ ‬للمؤسسات‭ ‬التعليمية،‭ ‬ففي‭ ‬كلية‭ ‬ويليان‭ ‬وماري‭ ‬بولاية‭ ‬فرجينا‭ ‬الأمريكية‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬الوصفات‭ ‬المقدمة‭ ‬للطلبة‭ ‬من‭ ‬12‭ ‬وصفة‭ ‬شهريًا‭ ‬عام‭ ‬2020م‭ ‬إلى‭ ‬22‭ ‬وصفة‭ ‬عام‭ ‬2025م،‭ ‬وقد‭ ‬أشارت‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قضاء‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬بين‭ ‬الأشجار‭ ‬والمساحات‭ ‬الخضراء‭ ‬قد‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬التوتر‭ ‬ومستويات‭ ‬الكورتيزول‭ ‬وضغط‭ ‬الدم،‭ ‬ومعدل‭ ‬ضربات‭ ‬القلب‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشعور‭ ‬بالراحة‭ ‬النفسية،‭ ‬وبالطبع‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬العلاجات‭ ‬ليس‭ ‬بديلا‭ ‬عن‭ ‬العلاج‭ ‬الطبي‭ ‬والنفسي‭ ‬وإنما‭ ‬وسيلة‭ ‬داعمة‭ ‬للصحة‭ ‬النفسية‭.‬

ولا‭ ‬يخفى‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬فكرة‭ ‬تطرح،‭ ‬منها‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬العلاج‭ ‬الأخضر‮»‬،‭ ‬وحتى‭ ‬تأخذ‭ ‬صداها‭ ‬ويتم‭ ‬تسويقها،‭ ‬فإنها‭ ‬تكتسب‭ ‬دعمها‭ ‬وقوتها‭ ‬من‭ ‬الأدلة‭ ‬العلمية،‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬ظهرت‭ ‬دراسة‭ ‬حديثة‭ ‬نشرت‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬Nature‭ ‬Cities‭ ‬بعنوان‭: ‬الفوائد‭ ‬النفسية‭ ‬المباشرة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الطبيعة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الحضرية،‭ ‬وكانت‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬الباحث‭ ‬ينغجي‭ ‬لي‭ (‬Yingjie‭ ‬Li‭) ‬وفريق‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬ستانفورد‭ ‬ومؤسسات‭ ‬بحثية‭ ‬أخرى،‭ ‬وهدفت‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬أثر‭ ‬التعرض‭ ‬للطبيعة‭ ‬الحضرية‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬معتمدين‭ ‬على‭ ‬مراجعة‭ ‬منهجية‭ ‬واجراء‭ ‬تحليلات‭ ‬ميدانية‭ ‬لقياس‭ ‬مدى‭ ‬تأثير‭ ‬أنواع‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬الحضرية‭ ‬في‭ ‬12‭ ‬مؤشرًا‭ ‬من‭ ‬مؤشرات‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية،‭ ‬وقد‭ ‬خلصت‭ ‬النتائج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التعرض‭ ‬للطبيعة‭ ‬يوفر‭ ‬فوائد‭ ‬ملحوظة‭ ‬عبر‭ ‬مجموعة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المؤشرات‭ ‬النفسية،‭ ‬ومن‭ ‬اللافت‭ ‬كذلك‭ ‬فإن‭ ‬الدراسة‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬مدة‭ ‬التعرض‭ ‬للطبيعة‭ ‬فقد‭ ‬وضعت‭ ‬مدة‭ (‬15‭ ‬دقيقة‭ ‬يوميًا‭) ‬كوصفة‭ ‬علاجية‭ ‬ثابتة‭. ‬وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تقودنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الطبيعة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬عنصر‭ ‬جمالي‭ ‬في‭ ‬مدننا،‭ ‬ولكن‭ ‬هي‭ ‬مورد‭ ‬داعم‭ ‬للصحة‭ ‬والنقاهة‭ ‬النفسية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمامنا‭ ‬للتفكير‭ ‬جديًا‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬نمارسها‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭ ‬ونتفاعل‭ ‬معها،‭ ‬منها‭ ‬الزراعة‭ ‬والبستنة‭ ‬ورعاية‭ ‬النباتات‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬وصفة‭ ‬علاجية‭ ‬غير‭ ‬مكلفة‭.‬

وبعد‭ ‬هذه‭ ‬الجولة‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬لنا‭ ‬بأن‭ ‬العلاج‭ ‬الأخضر‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية،‭ ‬وتحسين‭ ‬جودة‭ ‬الحياة؛‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬قرب‭ ‬عودة‭ ‬أبنائنا‭ ‬الطلبة‭ ‬إلى‭ ‬مدارسهم،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬توليه‭ ‬القيادة‭ ‬التعليمية‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬اهتمام‭ ‬بتطوير‭ ‬البيئة‭ ‬التعليمية‭ ‬والارتقاء‭ ‬بجودة‭ ‬الحياة‭ ‬المدرسية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الجوانب‭ ‬التي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الصورة‭ ‬المتكاملة‭ ‬لشخصية‭ ‬الطالب،‭ ‬وانطلاقًا‭ ‬مما‭ ‬سبق‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ (‬الدقيقة‭ ‬الخضراء‭) ‬فكرة‭ ‬تطبق‭ ‬مثًلا‭ ‬في‭ ‬الطابور‭ ‬الصباحي‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حصص‭ ‬النشاط،‭ ‬وفكرتها‭ ‬دقيقة‭ ‬واحدة‭ ‬يتوقف‭ ‬الطالب‭ ‬فيها‭ ‬عما‭ ‬يفعله‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬الأيام،‭ ‬ومن‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يتعرفوا‭ ‬على‭ ‬نباتات‭ ‬البحرين،‭ ‬أو‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬لغز‭ ‬بيئي‭ ‬أو‭ ‬مسابقات‭ ‬بيئية‭ ‬قصيرة،‭ ‬أو‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬قصة‭ ‬نجاح‭ ‬لطالب‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬الاعتناء‭ ‬بالنباتات‭ ‬والحيوانات،‭ ‬وهناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬المبدعة‭ ‬التي‭ ‬تزخر‭ ‬فيها‭ ‬مدارسنا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬حيث‭ ‬تبدو‭ ‬المدرسة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬البيئات‭ ‬ملاءمة‭ ‬لترجمة‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬للممارسة‭ ‬يومية؛‭ ‬فالتعليم‭ ‬في‭ ‬مدارسنا‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬البناء‭ ‬المعرفي،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬لبناء‭ ‬إنسان‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا‭ ‬وارتباطًا‭ ‬ببيئته،‭ ‬ومنحهم‭ ‬مساحة‭ ‬للهدوء‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشعور‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬والإنجاز،‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬سوف‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬الضغوطات‭ ‬اليومية‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬تهيئة‭ ‬الطلبة‭ ‬نفسيا‭ ‬لبداية‭ ‬يوم‭ ‬دراسي‭ ‬إيجابي‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬هناك‭ ‬أفكار‭ ‬ونقاط‭ ‬عديدة‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها؛‭ ‬وأختمه‭ ‬بفكرة‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬نحّول‭ ‬الزراعة‭ ‬كعلاج‭ ‬أخضر‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬مجتمعية‭ ‬ملموسة،‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬تخصيص‭ ‬مواقع‭ ‬أو‭ ‬نقاط‭ ‬ومساحات‭ ‬صغيرة‭ ‬للزراعة‭ ‬الحرة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬والشوارع‭ ‬والمواقع‭ ‬غير‭ ‬المستغلة،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬بحيث‭ ‬تحدد‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬بلوحات‭ ‬إرشادية‭ ‬مسبقة‭ ‬مثلا‭ ‬توضح‭ ‬أنواع‭ ‬النباتات‭ ‬المناسبة‭ ‬واحتياجاتها‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬وطرق‭ ‬العناية،‭ ‬ويترك‭ ‬الخيار‭ ‬لساكني‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬زراعتها‭ ‬واستثمارها،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬مواسم‭ ‬الغرس،‭ ‬ومع‭ ‬تكرار‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬ستتحول‭ ‬مواسم‭ ‬الغرس‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬مجتمعية،‭ ‬ووطنية‭ ‬بشارك‭ ‬فيها‭ ‬الجميع،‭ ‬وقد‭ ‬تناولت‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬سابق‭ ‬مبادرة‭ ‬‮«‬بذرة‭ ‬أثر‮»‬،‭ ‬واليوم‭ ‬يمكن‭ ‬توسيع‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬والمفاهيم‭ ‬لتصبح‭ ‬أثرً‭ ‬مجتمعي‭ ‬أخضر؛‭ ‬فالعلاج‭ ‬الأخضر‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬ورعاية‭ ‬أو‭ ‬رعاية‭ ‬نبتة،‭ ‬أو‭ ‬قضاء‭ ‬وقت‭ ‬في‭ ‬المساحات‭ ‬الخضراء،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬للتعليم،‭ ‬والمبادرات‭ ‬المجتمعية،‭ ‬وفي‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية،‭ ‬لتتحول‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬البسيطة‭ ‬مستقبًلا‭ ‬إلى‭ ‬أثر‭ ‬يتجاوز‭ ‬حجمها،‭ ‬ويترك‭ ‬بصمة‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬ومجتمعه‭ ‬ووطنه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا