مع تزايد الضغوطات الناتجة عن نمط الحياة الحديثة التي نعيشها في وقتنا الحاضر، وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا في كل أمورنا اليومية، أصبح الابتعاد عن الطبيعة من أكثر التحديات التي تواجهنا، ولها تأثير سلبي واضح في جودة حياتنا وصحتنا النفسية. ومن هنا تبرز أهمية العلاج الأخضر باعتباره أحد التوجهات الحديثة التي يمكن أن تسهم في دعم الصحة النفسية والرفاه، بما يتوافق بصورة مباشرة مع الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، هو الصحة الجيدة والرفاه، وهو الارتباط الرئيس بموضوع هذا المقال، وكذلك الهدف رقم (4) التعليم الجيد له علاقة وارتباط وثيق من خلال توظيف الزراعة ورعايتها في البيئات التعليمية، وكذلك الهدف رقم (11) مدن ومجتمعات محلية مستدامة من خلال زيادة المساحات الخضراء، وتحسين البيئة الحضرية، ومن هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين موضوع مقالنا وأهداف التنمية المستدامة، إذ يمكن أن تسهم الممارسات المرتبطة بالزراعة والبستنة، والتفاعل مع المساحات الخضراء في دعم الصحة النفسية والحد من التوترات التي نعيشها، والعودة للطبيعة، واكتشاف قيمة عناصرها التي كانت جزءًا أساسيا من حياة الإنسان عبر مختلف الأزمنة.
وهنا يبرز سؤال مهم يستحق فعًلا التوقف عنده: ما هو العلاج الأخضر، وهل يمكن أن تكون الزراعة أكثر من مجرد هواية أو وسيلة لإنتاج الغذاء؟ وهل من الممكن حقا أن تسهم في المساعدة على مواجهة مشاكل العصر كالتوتر والاكتئاب والقلق. وفي المقابل، ربما نحن بحاجة الى وقفة تأملية في ظل الضغوطات التي نعيشها من الدراسة إلى العمل، والساعات الطويلة التي أصبحنا نقضيها ممسكين بهواتفنا ومتنقلين بين المنصات والبرامج في استنزاف واضح لوقتنا، وتشتت تركيزنا وانتباهنا، حتى أصبحنا نبتعد عن كل ما حولنا من الاتصال المباشر بالطبيعة والحياة من حولنا؛ وبحسب التعريفات للعلاج الأخضر المطلع عليها، هو العلاج البيئي أو الطبيعي، ويرتكز بشكل كبير على ممارسة علاجية تعمل على تسخير العالم الطبيعي وعناصره لتعزيز الرفاهية الجسدية والعاطفية. ويتضمن هذا النهج أنشطة خارجية كالمشي مسافات طويلة والبستنة والاستحمام في المياه الطبيعية الارتوازية والتفاعل مع الحيوانات، والفن البيئي ورسم الطبيعة والاشجار، وتعتبر الزراعة ورعاية النباتات إحدى الممارسات البسيطة التي تساعدنا على استعادة التوازن النفسي؛ فالنبات لا ينتظر حالتنا اليومية، وإنما هو بحاجة إلى رعاية منتظمة، وانطلاقًا من ذلك فإن الزراعة أصبحت تطرح بوصفها أحد التطبيقات المرتبطة بالعلاج الأخضر، إذ يستثمر التفاعل مع النباتات والبيئات الخضراء باعتباره وسيلة تدعم الصحة النفسية وتوفر الرفاه الاجتماعي.
أحيانّا نحن لسنا بحاجة إلى حلول وعلاجات طويلة لنشعر بالتحسن النفسي؛ فقد تكون بعض الحلول جدًا بسيطة ومتوافرة وفي متناول أيدينا وباستطاعتنا تطبيقها كل يوم، فزراعة نبتة صغيرة أو العناية بشتلات زراعية قد تكون في أحواض زراعية داخلية أو خارجية كفيلة بأن تؤثر فينا إيجابيًا، وقد تبدو للوهلة الأولى بأنها مجرد أنشطة عادية، لكنها تحمل دلالات وابعادًا نفسية تتجاوز حتى حدود الزراعة. وأعيد هنا طرح سؤال مهم حول الدور الممكن أن تؤديه العناصر الطبيعية رغم بساطتها في تعزيز صحتنا النفسية والجسدية، وللإجابة عن ذلك، فقد استوقفتني في الحقيقة عدة دراسات علمية حديثة تناولت «العلاج الأخضر» بشكل فعلي، وقد كشفت جانبًا جديدًا من العلاقة بين الإنسان والطبيعة، مثلا هناك دراسة أعادت تسليط الضوء على دور التربة ليس فقط كونها عنصرًا أساسيًا في المنتج الزراعي، وإنما باعتبارها بيئة ذات صفة حيوية تحمل إمكانات علاجية ونفسية. فقد توصل فريق بحثي من جامعة كونكوك في كوريا الجنوبية إلى أن نشاط «خلط التربة» التي تحتوي على كائنات حية دقيقة مفيدة، ومن الممكن أن يترك أثّرًا ايجابيًا على الاستجابات النفسية والفسيولوجية للإنسان.
كذلك فإن العلاج الأخضر لم يعد مجرد فكرة نتحدث عنها في حال الحديث عن الاسترخاء والابتعاد عن مختلف ضغوط الحياة، بل إنه بدأ يأخذ أسلوبًا جديدًا الى الممارسات الصحية عند بعض الدول. ففي تقرير قامت بنشره «صحيفة العين في أكتوبر 2025م، يشير إلى أن مئات الأطباء في الولايات المتحدة الأمريكية قد بدوا فعليا في كتابة وصفات علاجية لمرضاهم ومحتواها: قضاء وقت في الطبيعة للتعامل مع التوتر والضغوطات النفسية. ومنذ عام 2019، فقد سجلت إحدى منصات «الوصفات الطبيعية» نحو ما يقارب 2000 طبيب حول العالم، وأصدرت أكثر من 7000 وصفة تضمنت العلاج الطبيعي «أنشطة في الهواء الطلق» وقد انطلقت هذه الفكرة كذلك للمؤسسات التعليمية، ففي كلية ويليان وماري بولاية فرجينا الأمريكية ارتفع عدد الوصفات المقدمة للطلبة من 12 وصفة شهريًا عام 2020م إلى 22 وصفة عام 2025م، وقد أشارت الدراسات إلى أن قضاء وقت طويل بين الأشجار والمساحات الخضراء قد يساعد على خفض التوتر ومستويات الكورتيزول وضغط الدم، ومعدل ضربات القلب وتعزيز الشعور بالراحة النفسية، وبالطبع فإن هذا النوع من العلاجات ليس بديلا عن العلاج الطبي والنفسي وإنما وسيلة داعمة للصحة النفسية.
ولا يخفى علينا أن أي فكرة تطرح، منها فكرة «العلاج الأخضر»، وحتى تأخذ صداها ويتم تسويقها، فإنها تكتسب دعمها وقوتها من الأدلة العلمية، ففي عام 2025 ظهرت دراسة حديثة نشرت في مجلة Nature Cities بعنوان: الفوائد النفسية المباشرة للتعامل مع الطبيعة في المناطق الحضرية، وكانت تحت قيادة الباحث ينغجي لي (Yingjie Li) وفريق من الباحثين من جامعة ستانفورد ومؤسسات بحثية أخرى، وهدفت الدراسة إلى فهم أثر التعرض للطبيعة الحضرية في الصحة النفسية معتمدين على مراجعة منهجية واجراء تحليلات ميدانية لقياس مدى تأثير أنواع مختلفة من الطبيعة الحضرية في 12 مؤشرًا من مؤشرات الصحة النفسية، وقد خلصت النتائج إلى أن التعرض للطبيعة يوفر فوائد ملحوظة عبر مجموعة واسعة من المؤشرات النفسية، ومن اللافت كذلك فإن الدراسة ركزت على مدة التعرض للطبيعة فقد وضعت مدة (15 دقيقة يوميًا) كوصفة علاجية ثابتة. وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها في الحقيقة تقودنا إلى أن الطبيعة ليست مجرد عنصر جمالي في مدننا، ولكن هي مورد داعم للصحة والنقاهة النفسية، ومن هنا يفتح الباب أمامنا للتفكير جديًا في وسائل أكثر فاعلية نمارسها بشكل يومي ونتفاعل معها، منها الزراعة والبستنة ورعاية النباتات التي تعتبر وصفة علاجية غير مكلفة.
وبعد هذه الجولة في الدراسات العلمية التي أثبتت لنا بأن العلاج الأخضر يسهم في دعم الصحة النفسية، وتحسين جودة الحياة؛ لذا فإن قرب عودة أبنائنا الطلبة إلى مدارسهم، وفي ظل ما توليه القيادة التعليمية العليا في مملكة البحرين من اهتمام بتطوير البيئة التعليمية والارتقاء بجودة الحياة المدرسية، وتعزيز الجوانب التي تسهم في بناء الصورة المتكاملة لشخصية الطالب، وانطلاقًا مما سبق يمكن ان تكون (الدقيقة الخضراء) فكرة تطبق مثًلا في الطابور الصباحي أو في حصص النشاط، وفكرتها دقيقة واحدة يتوقف الطالب فيها عما يفعله في سائر الأيام، ومن الممكن أن يتعرفوا على نباتات البحرين، أو المشاركة في حل لغز بيئي أو مسابقات بيئية قصيرة، أو الاستماع إلى قصة نجاح لطالب عن كيفية الاعتناء بالنباتات والحيوانات، وهناك العديد من الأفكار المبدعة التي تزخر فيها مدارسنا في الحقيقة، حيث تبدو المدرسة من أكثر البيئات ملاءمة لترجمة هذا المفهوم للممارسة يومية؛ فالتعليم في مدارسنا لا يقتصر على البناء المعرفي، بل يمتد لبناء إنسان أكثر توازنًا وارتباطًا ببيئته، ومنحهم مساحة للهدوء وتعزيز الشعور بالمسؤولية والإنجاز، وبالتأكيد فإن هذه الإجراءات سوف تسهم في تخفيف الضغوطات اليومية وتعمل على تهيئة الطلبة نفسيا لبداية يوم دراسي إيجابي.
وفي نهاية هذا المقال لا تزال هناك أفكار ونقاط عديدة تستحق التوقف عندها؛ وأختمه بفكرة من الممكن أن نحّول الزراعة كعلاج أخضر إلى ممارسة مجتمعية ملموسة، انطلاقا من تخصيص مواقع أو نقاط ومساحات صغيرة للزراعة الحرة من قبل أفراد المجتمع في الأحياء والشوارع والمواقع غير المستغلة، بالتنسيق مع الجهات المختصة، بحيث تحدد هذه المواقع بلوحات إرشادية مسبقة مثلا توضح أنواع النباتات المناسبة واحتياجاتها من المياه وطرق العناية، ويترك الخيار لساكني المنطقة في زراعتها واستثمارها، ولا سيما في مواسم الغرس، ومع تكرار هذه المبادرات ستتحول مواسم الغرس إلى مناسبة مجتمعية، ووطنية بشارك فيها الجميع، وقد تناولت في مقال سابق مبادرة «بذرة أثر»، واليوم يمكن توسيع هذه الأفكار والمفاهيم لتصبح أثرً مجتمعي أخضر؛ فالعلاج الأخضر لا يقف عند حدود ورعاية أو رعاية نبتة، أو قضاء وقت في المساحات الخضراء، بل يمتد للتعليم، والمبادرات المجتمعية، وفي تفاصيل حياتنا اليومية، لتتحول هذه الممارسات البسيطة مستقبًلا إلى أثر يتجاوز حجمها، ويترك بصمة في الإنسان ومجتمعه ووطنه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك