العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ثقافة تثمر في الارتقاء بالإنسان

بقلم: نبيلة رجب {

الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬مطلع‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي‭ ‬كان‭ ‬أندريه‭ ‬ريو،‭ ‬عازف‭ ‬الكمان‭ ‬الهولندي‭ ‬وقائد‭ ‬أوركسترا‭ ‬يوهان‭ ‬شتراوس،‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬جمهوره‭ ‬في‭ ‬البحرين‭. ‬حجزتُ‭ ‬مكاني‭ ‬مبكراً،‭ ‬وكان‭ ‬معه‭ ‬برنامج‭ ‬ربيع‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬نسخته‭ ‬العشرين،‭ ‬وأمسيات‭ ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬يعدّون‭ ‬أيامها‭. ‬جاءت‭ ‬الظروف‭ ‬الإقليمية‭ ‬وأجّلت‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬اليوم‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬أغسطس،‭ ‬فتحت‭ ‬المسارح‭ ‬أبوابها‭ ‬وامتلأت‭ ‬الرزنامة‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬ولريو‭ ‬موعد‭ ‬ينتظره‭ ‬جمهوره‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬المقبل‭.‬

غياب‭ ‬تلك‭ ‬الليالي‭ ‬يترك‭ ‬أثراً‭ ‬يعرفه‭ ‬من‭ ‬اعتادها‭. ‬الإنسان‭ ‬يحيا‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬الضرورات،‭ ‬والفن‭ ‬جزء‭ ‬أصيل‭ ‬من‭ ‬روحه‭. ‬قطعة‭ ‬موسيقية‭ ‬تهزّه،‭ ‬أو‭ ‬لوحة‭ ‬يقف‭ ‬أمامها‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬وصف‭ ‬ما‭ ‬يرى،‭ ‬تفتح‭ ‬فيه‭ ‬باباً‭ ‬يتنفس‭ ‬منه‭ ‬وتذكّره‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬مساحة‭ ‬لا‭ ‬تشغلها‭ ‬متطلبات‭ ‬اليوم‭ ‬ومشاغله‭.‬

الفعاليات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية‭ ‬تصنع‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬شيئاً‭ ‬يبقى‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الليلة‭. ‬آلاف‭ ‬يجلسون‭ ‬تحت‭ ‬سماء‭ ‬واحدة،‭ ‬وجوه‭ ‬مختلفة‭ ‬وخلفيات‭ ‬متباينة،‭ ‬ثم‭ ‬يعلو‭ ‬اللحن‭ ‬فتذوب‭ ‬بينهم‭ ‬فوارق‭ ‬يعيشونها‭ ‬في‭ ‬أيامهم‭ ‬العادية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينتبهوا‭ ‬لها‭. ‬الفن‭ ‬وحده‭ ‬يصنع‭ ‬هذا،‭ ‬يجعل‭ ‬الغريب‭ ‬قريباً‭ ‬ويذكّر‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬الناس‭ ‬أوسع‭ ‬مما‭ ‬يفرّقهم‭. ‬ومن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬قاعة‭ ‬عرض‭ ‬أو‭ ‬حفل‭ ‬موسيقي‭ ‬يخرج‭ ‬وهو‭ ‬غير‭ ‬الذي‭ ‬دخل،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أشعر‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭.‬

في‭ ‬الأوقات‭ ‬الصعبة‭ ‬تحديداً‭ ‬يشتد‭ ‬احتياج‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬جمال‭ ‬تذكّره‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬أوسع‭ ‬مما‭ ‬تبدو‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭. ‬الموسيقى‭ ‬تخفّف‭ ‬وطأة‭ ‬القلق‭ ‬وتعيد‭ ‬للروح‭ ‬توازنها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعرفه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬جلس‭ ‬مثقلاً‭ ‬بهمّه‭ ‬ثم‭ ‬وجد‭ ‬اللحن‭ ‬يأخذ‭ ‬عنه‭ ‬بعض‭ ‬ثقله‭. ‬الفن‭ ‬يمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬ما‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬حلّه،‭ ‬وهذا‭ ‬وحده‭ ‬يكفي‭.‬

والبحرين‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬الموسيقى‭ ‬والشعر‭ ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬تاريخها،‭ ‬من‭ ‬أهازيج‭ ‬الغوّاصين‭ ‬وفنون‭ ‬الفجري‭ ‬التي‭ ‬حفظتها‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعبية‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬تحمل‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬في‭ ‬روحها‭ ‬وتستحق‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬وينمو‭. ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يبدع‭ ‬ويحتفل‭ ‬يقول‭ ‬للعالم‭ ‬إنه‭ ‬حي‭ ‬وواثق‭ ‬من‭ ‬نفسه‭.‬

مهرجان‭ ‬ربيع‭ ‬الثقافة‭ ‬وحده‭ ‬بلغ‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬نسخته‭ ‬العشرين،‭ ‬جامعاً‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬البحرين‭ ‬فنانين‭ ‬من‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬عشرون‭ ‬نسخة‭ ‬متتالية‭ ‬رقم‭ ‬يقول‭ ‬شيئاً‭ ‬عن‭ ‬قرار‭ ‬اتخذته‭ ‬البحرين‭ ‬منذ‭ ‬زمن،‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مكاناً‭ ‬يتنفس‭ ‬فيه‭ ‬الجمال‭ ‬ويجد‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬روحه‭.‬

عودة‭ ‬أندريه‭ ‬ريو‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬للمرة‭ ‬الرابعة‭ ‬دليل‭ ‬يصعب‭ ‬تجاهله‭. ‬الفنانون‭ ‬العالميون‭ ‬يقصدون‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬يجدون‭ ‬فيها‭ ‬جمهوراً‭ ‬يتذوق‭ ‬ويقدّر،‭ ‬وريو‭ ‬نال‭ ‬وسام‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬تقديراً‭ ‬لإسهاماته‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬الموسيقى‭ ‬العالمية،‭ ‬وهي‭ ‬علاقة‭ ‬نمت‭ ‬بين‭ ‬فنان‭ ‬وجمهور‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭. ‬مملكتنا‭ ‬كسبت‭ ‬مكانتها‭ ‬على‭ ‬الخريطة‭ ‬الثقافية‭ ‬العالمية‭ ‬بجهد‭ ‬متراكم،‭ ‬وهي‭ ‬مكانة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬نحافظ‭ ‬عليها‭ ‬ونفخر‭ ‬بها‭.‬

هيئة‭ ‬البحرين‭ ‬للثقافة‭ ‬والآثار،‭ ‬ومسرح‭ ‬بيون‭ ‬الدانة،‭ ‬ومركز‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬للثقافة‭ ‬والبحوث،‭ ‬جهات‭ ‬وقفت‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬سنة‭ ‬بعد‭ ‬سنة‭. ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬والشراكات‭ ‬مع‭ ‬مؤسسات‭ ‬عالمية‭ ‬جعلت‭ ‬البحرين‭ ‬وجهة‭ ‬يتطلع‭ ‬إليها‭ ‬الفنانون‭ ‬والجمهور‭ ‬معاً‭. ‬ومن‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬إضاءة‭ ‬المسارح‭ ‬شريك‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الجمال،‭ ‬وحقّه‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬جهده‭ ‬ونقدّره‭. ‬الفن‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬استثماراً‭ ‬في‭ ‬السياحة‭ ‬والاقتصاد‭.‬

وأنا‭ ‬أكتب‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬تمضي‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬صيف‭ ‬حافل‭. ‬برنامج‭ ‬‮«‬صيف‭ ‬البحرين‮»‬‭ ‬ممتد‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬وأغسطس‭ ‬بشعار‭ ‬‮«‬ولهنا‭ ‬عليكم‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬داخله‭ ‬معرض‭ ‬‮«‬أطراف‭ ‬البحر‭.. ‬حيث‭ ‬تلتقي‭ ‬المدينة‭ ‬بالبحر‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يعيد‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬علاقتهم‭ ‬بساحلهم،‭ ‬ومعه‭ ‬ورش‭ ‬للحرف‭ ‬والرسم‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬متفرقة‭ ‬من‭ ‬المملكة‭. ‬فعاليات‭ ‬تجري‭ ‬بهدوء‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الأضواء،‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬يُبقي‭ ‬الحراك‭ ‬حياً‭ ‬بين‭ ‬موسم‭ ‬كبير‭ ‬وآخر‭. ‬الفن‭ ‬الذي‭ ‬ينتظر‭ ‬مناسبة‭ ‬كبرى‭ ‬لكي‭ ‬يظهر‭ ‬يبقى‭ ‬ضيفاً‭ ‬على‭ ‬المكان،‭ ‬والفن‭ ‬الذي‭ ‬يسكن‭ ‬أيام‭ ‬الناس‭ ‬العادية‭ ‬يصير‭ ‬جزءاً‭ ‬منه‭.‬

الطفل‭ ‬الذي‭ ‬يدخل‭ ‬معرضاً‭ ‬أو‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬أمسية‭ ‬موسيقية‭ ‬يكتسب‭ ‬ذائقة‭ ‬تبقى‭ ‬معه‭ ‬العمر‭ ‬كله‭. ‬والبحرين‭ ‬تقدّم‭ ‬عروضاً‭ ‬وورشاً‭ ‬ومعارض‭ ‬مجانية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬ويبقى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬علم‭ ‬بها‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تصل‭ ‬إليهم‭ ‬في‭ ‬أماكنهم‭. ‬مدرسة‭ ‬تُعلن‭ ‬أمسية‭ ‬لطلبتها،‭ ‬ومكان‭ ‬عمل‭ ‬يذكّر‭ ‬موظفيه‭ ‬بمعرض‭ ‬قريب،‭ ‬وسائل‭ ‬توصل‭ ‬الخبر‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يبحث‭ ‬عنه‭. ‬وما‭ ‬يُزرع‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭ ‬المبكرة‭ ‬يظهر‭ ‬أثره‭ ‬بعد‭ ‬عشرين‭ ‬عاماً‭ ‬في‭ ‬جيل‭ ‬يعرف‭ ‬قيمة‭ ‬ما‭ ‬يراه‭.‬

أما‭ ‬مهرجان‭ ‬ربيع‭ ‬الثقافة‭ ‬فقد‭ ‬توقّف‭ ‬موسمه‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬وأعلن‭ ‬القائمون‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬الرحلة‭ ‬مستمرة‭ ‬وأن‭ ‬اللقاء‭ ‬في‭ ‬2027‭. ‬وهكذا‭ ‬صار‭ ‬العام‭ ‬المقبل‭ ‬موعدنا‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬فاتنا‭ ‬كله‭. ‬

في‭ ‬ليلة‭ ‬من‭ ‬ليالي‭ ‬مارس‭ ‬ستُضاء‭ ‬الأنوار‭ ‬على‭ ‬المسرح‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬ويجلس‭ ‬آلاف‭ ‬تحت‭ ‬السماء‭ ‬نفسها،‭ ‬ويخرجون‭ ‬بعدها‭ ‬وهم‭ ‬يحملون‭ ‬ذلك‭ ‬الشعور‭ ‬الذي‭ ‬يعلق‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭. ‬وفيهم‭ ‬من‭ ‬يحضر‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬عمره،‭ ‬فيكتشف‭ ‬أن‭ ‬ليلة‭ ‬ظنها‭ ‬تسلية‭ ‬عابرة‭ ‬تركت‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتوقعه‭.‬

{ قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا