في مطلع أبريل الماضي كان أندريه ريو، عازف الكمان الهولندي وقائد أوركسترا يوهان شتراوس، على موعد مع جمهوره في البحرين. حجزتُ مكاني مبكراً، وكان معه برنامج ربيع الثقافة في نسخته العشرين، وأمسيات كان الناس يعدّون أيامها. جاءت الظروف الإقليمية وأجّلت كل شيء. اليوم ونحن في أغسطس، فتحت المسارح أبوابها وامتلأت الرزنامة من جديد، ولريو موعد ينتظره جمهوره في مارس المقبل.
غياب تلك الليالي يترك أثراً يعرفه من اعتادها. الإنسان يحيا بما هو أبعد من الضرورات، والفن جزء أصيل من روحه. قطعة موسيقية تهزّه، أو لوحة يقف أمامها عاجزاً عن وصف ما يرى، تفتح فيه باباً يتنفس منه وتذكّره أن في داخله مساحة لا تشغلها متطلبات اليوم ومشاغله.
الفعاليات الثقافية والفنية تصنع في الإنسان شيئاً يبقى بعد انتهاء الليلة. آلاف يجلسون تحت سماء واحدة، وجوه مختلفة وخلفيات متباينة، ثم يعلو اللحن فتذوب بينهم فوارق يعيشونها في أيامهم العادية من دون أن ينتبهوا لها. الفن وحده يصنع هذا، يجعل الغريب قريباً ويذكّر الإنسان أن ما يجمع الناس أوسع مما يفرّقهم. ومن يخرج من قاعة عرض أو حفل موسيقي يخرج وهو غير الذي دخل، وهذا ما أشعر به في كل مرة.
في الأوقات الصعبة تحديداً يشتد احتياج الإنسان إلى لحظة جمال تذكّره أن الحياة أوسع مما تبدو عليه في تلك الأيام. الموسيقى تخفّف وطأة القلق وتعيد للروح توازنها، وهذا ما يعرفه كل من جلس مثقلاً بهمّه ثم وجد اللحن يأخذ عنه بعض ثقله. الفن يمنح الإنسان قدرة على مواجهة ما يعجز عن حلّه، وهذا وحده يكفي.
والبحرين التي عرفت الموسيقى والشعر منذ فجر تاريخها، من أهازيج الغوّاصين وفنون الفجري التي حفظتها الذاكرة الشعبية جيلاً بعد جيل، تحمل هذا الإرث في روحها وتستحق أن يستمر وينمو. المجتمع الذي يبدع ويحتفل يقول للعالم إنه حي وواثق من نفسه.
مهرجان ربيع الثقافة وحده بلغ هذا العام نسخته العشرين، جامعاً على أرض البحرين فنانين من أنحاء العالم. عشرون نسخة متتالية رقم يقول شيئاً عن قرار اتخذته البحرين منذ زمن، أن تكون مكاناً يتنفس فيه الجمال ويجد فيه الإنسان ما يرفع روحه.
عودة أندريه ريو إلى البحرين للمرة الرابعة دليل يصعب تجاهله. الفنانون العالميون يقصدون الأماكن التي يجدون فيها جمهوراً يتذوق ويقدّر، وريو نال وسام البحرين من الدرجة الأولى تقديراً لإسهاماته في إثراء الموسيقى العالمية، وهي علاقة نمت بين فنان وجمهور عبر سنوات. مملكتنا كسبت مكانتها على الخريطة الثقافية العالمية بجهد متراكم، وهي مكانة تستحق أن نحافظ عليها ونفخر بها.
هيئة البحرين للثقافة والآثار، ومسرح بيون الدانة، ومركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، جهات وقفت خلف هذا المشهد سنة بعد سنة. سنوات من التخطيط والشراكات مع مؤسسات عالمية جعلت البحرين وجهة يتطلع إليها الفنانون والجمهور معاً. ومن يعمل على إضاءة المسارح شريك حقيقي في صناعة الجمال، وحقّه علينا أن نتوقف عند جهده ونقدّره. الفن استثمار في الإنسان قبل أن يكون استثماراً في السياحة والاقتصاد.
وأنا أكتب هذا الكلام تمضي البحرين في صيف حافل. برنامج «صيف البحرين» ممتد في يوليو وأغسطس بشعار «ولهنا عليكم»، وفي داخله معرض «أطراف البحر.. حيث تلتقي المدينة بالبحر»، الذي يعيد إلى الناس علاقتهم بساحلهم، ومعه ورش للحرف والرسم في مراكز متفرقة من المملكة. فعاليات تجري بهدوء بعيداً عن الأضواء، وهي ما يُبقي الحراك حياً بين موسم كبير وآخر. الفن الذي ينتظر مناسبة كبرى لكي يظهر يبقى ضيفاً على المكان، والفن الذي يسكن أيام الناس العادية يصير جزءاً منه.
الطفل الذي يدخل معرضاً أو يجلس في أمسية موسيقية يكتسب ذائقة تبقى معه العمر كله. والبحرين تقدّم عروضاً وورشاً ومعارض مجانية في بعض الأحيان، ويبقى كثير من الأسر على غير علم بها لأنها لا تصل إليهم في أماكنهم. مدرسة تُعلن أمسية لطلبتها، ومكان عمل يذكّر موظفيه بمعرض قريب، وسائل توصل الخبر إلى من لا يبحث عنه. وما يُزرع في تلك السنوات المبكرة يظهر أثره بعد عشرين عاماً في جيل يعرف قيمة ما يراه.
أما مهرجان ربيع الثقافة فقد توقّف موسمه هذا العام، وأعلن القائمون عليه أن الرحلة مستمرة وأن اللقاء في 2027. وهكذا صار العام المقبل موعدنا مع ما فاتنا كله.
في ليلة من ليالي مارس ستُضاء الأنوار على المسرح مرة أخرى، ويجلس آلاف تحت السماء نفسها، ويخرجون بعدها وهم يحملون ذلك الشعور الذي يعلق في الذاكرة سنوات طويلة. وفيهم من يحضر للمرة الأولى في عمره، فيكتشف أن ليلة ظنها تسلية عابرة تركت فيه ما لم يكن يتوقعه.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك