اختارت الأمم المتحدة عنوان اليوم الدولي للشباب لهذا العام ليكون سياقات مختلفة، طموحات مشتركة. عنوان يبدو بديهياً في ظاهره، لكنه يحمل اعترافاً مهماً: أن شاباً يعيش في جزيرة نائية محرومة من أبسط مقومات الحياة، وشاباً آخر يعيش في بلد مستقر توفرت له فرص واسعة، يحملان في داخلهما الحلم نفسه. كرامة تُحترم، وفرصة تُتاح، ودور فعلي في القرار يتجاوز الحضور الشكلي.
في مذكرة الأمم المتحدة لهذا العام عبارة لافتة تصف الشباب بأنهم «أبعد ما يكونون عن متلقّين سلبيين»، وتصفهم بدلاً من ذلك كشركاء أساسيين في بناء عالم أكثر عدلاً واستدامة. تبديل الوصف هنا لا يبدو شكلياً، فمن يُنعت بالمتلقي ينتظر أن يُمنح، ومن يُنعت بالشريك يُطالب أن يشارك، والمطالبة أثقل من الانتظار وأصعب، لكنها الأصدق لما يستحقه الشاب فعلا.
تكشف المذكرة نفسها أن الشباب حول العالم أكثر عرضة للبطالة بمعدل يقارب ثلاثة أضعاف الكبار. هذا الرقم وحده يفنّد فكرة أن غياب الفرصة سببه غياب المسؤولية عند الشاب، فالمسؤولية هنا مزدوجة، على الشاب أن يسعى، وعلى المجتمع من حوله أن يفتح الباب الذي يسعى إليه. مسؤولية بلا باب مفتوح تتحول إلى عبء يُثقل كاهل الشاب وحده، بدل أن تكون دافعاً يشترك فيه المجتمع كله. وهذا الباب، مفتوحاً كان أو مغلقاً، هو أول ما يشكّل عند الشاب صورة الممكن، وهي الصورة التي يقوم عليها أي طموح لاحق.
يذهب عالم الأنثروبولوجيا أرجون أبادوراي، في مفهومه المعروف بـ«القدرة على الطموح»، إلى أن هذه الصورة نفسها لا تولد جاهزة في داخل الإنسان، تتشكل بالتفاعل مع من حوله وبما يراه ممكناً لنفسه. شاب يكبر وسط من يقنعون بما لديهم يصعب عليه أن يتخيل طريقاً غير الطريق الذي رآه، وشاب آخر يكبر وسط من يجربون ويخطئون ويحاولون من جديد يتعلم أن الطموح فعل يومي يُمارَس أكثر مما هو حلم بعيد يُنتظر.
جيلي كبر في زمن كانت فيه الفرص أضيق بكثير مما هي عليه اليوم، ومع ذلك خرج منه من بنى بيده ما لم يكن متاحاً له جاهزاً. وجيل أبنائي يكبر اليوم وسط أدوات لم تكن لنا، لكنه يحمل الطموح نفسه الذي حملناه، بلغة مختلفة وأدوات مختلفة.
وهذه الأدوات نفسها غيّرت شيئاً أبعد من طريقة التعبير. في مناطق مختلفة من العالم، من إفريقيا إلى منطقة الكاريبي والمحيط الهادئ، توثّق الأمم المتحدة كيف يستخدم الشباب اليوم الأدوات الرقمية ليوصلوا تجربتهم المحلية إلى قاعات القرار العالمية نفسها. شاب يعيش في قرية معزولة يستطيع اليوم أن يوصل صوته إلى منصة أممية، وهذا لم يكن متاحاً لجيل سابق. لكن الأثر الأبعد ليس في الصوت الواصل، بل فيمن يراه واصلاً: حين يرى شابٌّ شاباً من مكان يشبه مكانه وقد وصل، تتّسع عنده صورة ما هو ممكن. المشاركة هنا لا تنقل رأياً فحسب، تنقل مثالاً.
وقريباً منّا، اختتمت «إنجاز البحرين» نسختها الثامنة عشرة من مسابقة رواد الأعمال الشباب، بعد أن شارك في برنامجها أكثر من ألف ومائة طالب وطالبة، تأهّل منهم إلى النهائيات نحو مائة وأربعين. فاز «أولاني» من مدرسة سانت كريستوفر بجائزة المشروع المبتكر، وفازت «زاد» من مدرسة الحد الثانوية للبنات بجائزة التأثير العالمي. مدرستان تختلفان في كل شيء تقريباً، والنتيجة واحدة، وهذا بعينه ما يقوله شعار هذا العام: سياقات مختلفة، طموحات مشتركة. ثم يأتي الأثر الأبعد من الجائزة نفسها: كل فتاة في الحد رأت زميلاتها يقفن على المنصة، تعلّمت في يوم واحد أن الطريق سالك. هذا الدرس لا تعطيه دورة تدريبية، تعطيه فتاة تشبهك وصلت قبلك.
عدنا إلى حيث بدأنا: شابٌّ في جزيرة نائية، وشابٌّ في بلدٍ استقرّت أحواله. الحلم عندهما واحد، والذكاء لا يفرّق بينهما، والرغبة كذلك. الذي يفرّق بينهما شيء واحد: ماذا رأى كلٌّ منهما ممكناً لنفسه قبل أن يحاول.
والشاب لا يولد بهذه الرؤية، ولا يتعلّمها في قاعة درس. يأخذها ممّن حوله حين يفتحون له باباً، ويأخذها من نفسه حين يطرق الباب من دون أن ينتظر من يفتحه له.
ولستُ قلقة على هذا الجيل من ضيق الأدوات، فأدواتهم أوسع مما كان بين أيدينا. قلقي أن نبقى نخاطبهم ونحن نحسبهم في انتظارنا، وقد بدأوا من غير إذنٍ منّا.
أن نمنح شاباً فرصة أمرٌ حسن. وأن نجعله يرى نفسه قادراً، هو ما يبقى معه بعد أن تنتهي الفرصة.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك