العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

«اتفاق مكة».. حين تعيد السعودية رسم معادلة الأمن الإقليمي

بقلم: د. يعقوب سامي القوز

الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬بعدد‭ ‬التحالفات‭ ‬التي‭ ‬تنضم‭ ‬إليها،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬التحالف‭ ‬الذي‭ ‬تحتاج‭ ‬إليه‭ ‬عندما‭ ‬تتغير‭ ‬البيئة‭ ‬من‭ ‬حولها‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬تحديدًا،‭ ‬ينبغي‭ ‬قراءة‭ ‬اتفاق‭ ‬الدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬وتركيا‭ ‬وباكستان؛‭ ‬ليس‭ ‬باعتباره‭ ‬اتفاقًا‭ ‬عسكريًا‭ ‬آخر‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬قائمة‭ ‬التفاهمات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وإنما‭ ‬بوصفه‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬تحول‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الردع،‭ ‬وعلى‭ ‬محاولة‭ ‬لبناء‭ ‬شبكة‭ ‬أمنية‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعًا‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬منطقة‭ ‬أصبحت‭ ‬فيها‭ ‬التهديدات‭ ‬أسرع‭ ‬وأكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تُدار‭ ‬بالأدوات‭ ‬التقليدية‭ ‬وحدها‭.‬

اختيار‭ ‬الرياض‭ ‬أن‭ ‬تلتقي‭ ‬أنقرة‭ ‬وإسلام‭ ‬آباد‭ ‬داخل‭ ‬إطار‭ ‬دفاعي‭ ‬واحد‭ ‬يحمل‭ ‬دلالة‭ ‬تتجاوز‭ ‬أسماء‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث‭. ‬فهذه‭ ‬ليست‭ ‬قوى‭ ‬متشابهة‭ ‬تكرر‭ ‬بعضها‭ ‬بعضًا،‭ ‬وإنما‭ ‬قدرات‭ ‬مختلفة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتكامل‭. ‬السعودية‭ ‬تمثل‭ ‬مركز‭ ‬الثقل‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والجغرافي‭ ‬في‭ ‬المعادلة،‭ ‬وتركيا‭ ‬تمتلك‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬كبيرة‭ ‬وصناعة‭ ‬دفاعية‭ ‬متقدمة‭ ‬وخبرة‭ ‬متراكمة‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الأنظمة‭ ‬العسكرية،‭ ‬بينما‭ ‬تمتلك‭ ‬باكستان‭ ‬جيشًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬وعمقًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬وخبرة‭ ‬عسكرية‭ ‬واسعة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬قوة‭ ‬نووية‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬خصائص‭ ‬الاتفاق‭: ‬الرياض‭ ‬لم‭ ‬تجمع‭ ‬ثلاث‭ ‬قوى‭ ‬متشابهة،‭ ‬بل‭ ‬جمعت‭ ‬ثلاث‭ ‬قدرات‭ ‬مختلفة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬مجموعها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬عناصرها‭ ‬منفردة‭.‬

ولم‭ ‬يبدأ‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬يوم‭ ‬توقيع‭ ‬الاتفاق‭ ‬في‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة؛‭ ‬فالعلاقات‭ ‬الدفاعية‭ ‬السعودية‭ ‬مع‭ ‬تركيا‭ ‬شهدت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬توسعًا‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬العسكرية‭ ‬ونقل‭ ‬التقنية‭ ‬والتوطين،‭ ‬بينما‭ ‬تستند‭ ‬العلاقة‭ ‬العسكرية‭ ‬بين‭ ‬السعودية‭ ‬وباكستان‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التدريب‭ ‬والتعاون‭ ‬والتنسيق‭. ‬الجديد‭ ‬هو‭ ‬جمع‭ ‬هذين‭ ‬المسارين‭ ‬داخل‭ ‬إطار‭ ‬واحد‭.‬

وبذلك‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬سعودية‭-‬تركية‭ ‬في‭ ‬اتجاه،‭ ‬وعلاقة‭ ‬سعودية‭-‬باكستانية‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬آخر‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬بالإمكان‭ ‬تصور‭ ‬مثلث‭ ‬تتقاطع‭ ‬داخله‭ ‬القدرات‭ ‬والتدريب‭ ‬والصناعة‭ ‬والمعلومات‭ ‬والتخطيط‭ ‬العسكري‭.‬

وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تتضح‭ ‬المكانة‭ ‬السعودية‭ ‬داخل‭ ‬الاتفاق؛‭ ‬فالسعودية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬طرف‭ ‬ثالث‭ ‬يقف‭ ‬بين‭ ‬تركيا‭ ‬وباكستان،‭ ‬وإنما‭ ‬المحور‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬التقت‭ ‬عنده‭ ‬المسارات‭ ‬الثلاثة‭: ‬موقعها‭ ‬الجغرافي،‭ ‬وثقلها‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ومكانتها‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬وصلاتها‭ ‬الأمنية‭ ‬بالقوى‭ ‬الغربية‭ ‬والآسيوية،‭ ‬تمنحها‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬أطراف‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬دوائر‭ ‬استراتيجية‭ ‬مختلفة،‭ ‬وتحويل‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬المتفرقة‭ ‬إلى‭ ‬شبكة‭ ‬أوسع‭.‬

وهذا‭ ‬يعكس‭ ‬تحولًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تنظر‭ ‬بها‭ ‬الرياض‭ ‬إلى‭ ‬أمنها‭. ‬فالمعادلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬منظومات‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬انتظار‭ ‬الضمانات‭ ‬الخارجية‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬خيارات‭ ‬متعددة‭. ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تظل‭ ‬شريكًا‭ ‬أمنيًا‭ ‬مهمًا،‭ ‬ومجلس‭ ‬التعاون‭ ‬يمثل‭ ‬العمق‭ ‬الخليجي‭ ‬الطبيعي،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬السعودية‭ ‬من‭ ‬توسيع‭ ‬شبكة‭ ‬الشراكات‭ ‬التي‭ ‬تمنحها‭ ‬هامشًا‭ ‬أكبر‭ ‬للحركة‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬سياسة‭ ‬استبدال‭ ‬حليف‭ ‬بحليف،‭ ‬بل‭ ‬تنويعا‭ ‬لمصادر‭ ‬القوة‭ ‬وتوزيع‭ ‬للمخاطر‭. ‬

وفي‭ ‬بيئة‭ ‬دولية‭ ‬تتغير‭ ‬فيها‭ ‬أولويات‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬بسرعة،‭ ‬تصبح‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬قوتها‭. ‬وكلما‭ ‬تعددت‭ ‬مصادر‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والتدريب‭ ‬والتسليح‭ ‬والتنسيق‭ ‬السياسي‭ ‬انخفضت‭ ‬حساسية‭ ‬القرار‭ ‬الوطني‭ ‬تجاه‭ ‬تغير‭ ‬موقف‭ ‬شريك‭ ‬واحد‭.‬

أما‭ ‬بند‭ ‬اعتبار‭ ‬الاعتداء‭ ‬المسلح‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث‭ ‬اعتداءً‭ ‬عليها‭ ‬جميعًا‭ ‬فهو‭ ‬الأكثر‭ ‬جذبًا‭ ‬للانتباه،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬وحده‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الاتفاق‭ ‬أهميته؛

فالاختبار‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬بعد‭ ‬التوقيع‭.‬

إذا‭ ‬تطور‭ ‬الاتفاق‭ ‬إلى‭ ‬مناورات‭ ‬مشتركة،‭ ‬وربط‭ ‬لأنظمة‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكر،‭ ‬وتبادل‭ ‬أكبر‭ ‬للمعلومات‭ ‬الاستخباراتية،‭ ‬وتنسيق‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬والصاروخي،‭ ‬وتعاون‭ ‬بحري،‭ ‬ومشروعات‭ ‬مشتركة‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬فإننا‭ ‬لن‭ ‬نكون‭ ‬أمام‭ ‬تعهد‭ ‬سياسي‭ ‬بالدفاع‭ ‬المتبادل‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬أمام‭ ‬نواة‭ ‬لبنية‭ ‬أمنية‭ ‬جديدة‭.‬

وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬الاتفاق‭ ‬مهمًا‭ ‬للخليج‭ ‬بأكمله‭.‬

فدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الأخرى‭ ‬ليست‭ ‬أطرافًا‭ ‬قانونية‭ ‬فيه،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬بند‭ ‬الدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬يمتد‭ ‬إليها‭ ‬تلقائيًا‭. ‬لكن‭ ‬السعودية‭ ‬ليست‭ ‬دولة‭ ‬معزولة‭ ‬عن‭ ‬محيطها‭ ‬الخليجي‭. ‬أمنها‭ ‬متصل‭ ‬بأمن‭ ‬الخليج،‭ ‬وأي‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الردع‭ ‬المحيط‭ ‬بها‭ ‬ينعكس‭ ‬بدرجات‭ ‬مختلفة‭ ‬على‭ ‬البيئة‭ ‬الأمنية‭ ‬الإقليمية،‭ ‬والأهم‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬يغير‭ ‬طريقة‭ ‬حساب‭ ‬كلفة‭ ‬التهديد‭.‬

في‭ ‬الردع،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الغاية‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬بل‭ ‬جعل‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬يعيد‭ ‬حساباته‭ ‬قبل‭ ‬استخدامها‭. ‬وكلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬احتمالات‭ ‬الرد‭ ‬واتسعت‭ ‬الخيارات‭ ‬المتاحة‭ ‬له،‭ ‬أصبحت‭ ‬المغامرة‭ ‬العسكرية‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬وأقل‭ ‬قابلية‭ ‬للتنبؤ‭ ‬بنتائجها‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬فإن‭ ‬وجود‭ ‬تركيا‭ ‬وباكستان‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬السعودية‭ ‬يضيف‭ ‬عنصرًا‭ ‬مهمًا‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لدى‭ ‬الخصم‭.‬

لن‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬أزمة‭ ‬محتملة‭ ‬كيف‭ ‬سترد‭ ‬السعودية‭ ‬وحدها؟‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬حدود‭ ‬استجابة‭ ‬شبكة‭ ‬دفاعية‭ ‬تضم‭ ‬ثلاث‭ ‬دول‭ ‬ذات‭ ‬قدرات‭ ‬وخبرات‭ ‬مختلفة؟

وهذا‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الردع‭.‬

لكن‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬هنا‭ ‬عدم‭ ‬تحميل‭ ‬الاتفاق‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يحتمل؛‭ ‬فوجود‭ ‬باكستان،‭ ‬بوصفها‭ ‬دولة‭ ‬نووية،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تلقائيًا‭ ‬أن‭ ‬السعودية‭ ‬أصبحت‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬نووية‭ ‬باكستانية‭. ‬لا‭ ‬توجد،‭ ‬وفق‭ ‬المعلومات‭ ‬المعلنة،‭ ‬ترتيبات‭ ‬منشورة‭ ‬تسمح‭ ‬بالجزم‭ ‬بذلك،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬لم‭ ‬يتحول‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬عسكرية‭ ‬متكاملة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬التعهد‭ ‬النووي‭ ‬المعلن‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬الأثر‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لوجود‭ ‬قوة‭ ‬نووية‭ ‬داخل‭ ‬اتفاق‭ ‬للدفاع‭ ‬المشترك؛‭ ‬ففي‭ ‬حسابات‭ ‬الردع‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الغموض‭ ‬أحيانًا‭ ‬عنصر‭ ‬قوة؛‭ ‬لأن‭ ‬الخصم‭ ‬يصبح‭ ‬مطالبًا‭ ‬بحساب‭ ‬احتمالات‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬حدودها‭ ‬مسبقًا‭.‬

أما‭ ‬تركيا‭ ‬فتضيف‭ ‬عنصرًا‭ ‬آخر‭ ‬مختلفًا؛‭ ‬فقد‭ ‬حققت‭ ‬تقدمًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬من‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬والذخائر‭ ‬إلى‭ ‬الأنظمة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والمنصات‭ ‬البحرية‭. ‬وعندما‭ ‬يقترن‭ ‬ذلك‭ ‬بالتوجه‭ ‬السعودي‭ ‬نحو‭ ‬توطين‭ ‬الصناعات‭ ‬العسكرية،‭ ‬تصبح‭ ‬العلاقة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬شراء‭ ‬منظومات‭ ‬جاهزة‭.‬

وهذه‭ ‬نقطة‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية‭.‬

التحالف‭ ‬العسكري‭ ‬قد‭ ‬يساعدك‭ ‬عندما‭ ‬تبدأ‭ ‬الأزمة،‭ ‬أما‭ ‬القدرة‭ ‬الصناعية‭ ‬فتمنحك‭ ‬القوة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬اختبارات‭ ‬الاتفاق‭ ‬مستقبلًا‭ ‬سيكون‭ ‬مدى‭ ‬انتقاله‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬الدفاعي‭ ‬إلى‭ ‬التكامل‭ ‬الصناعي‭ ‬والتقني‭: ‬مشروعات‭ ‬مشتركة،‭ ‬نقل‭ ‬معرفة،‭ ‬تطوير‭ ‬أنظمة،‭ ‬تدريب‭ ‬كوادر،‭ ‬وبناء‭ ‬سلاسل‭ ‬إمداد‭ ‬دفاعية‭ ‬أقل‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬الخارج‭.‬

وتضيف‭ ‬باكستان‭ ‬بدورها‭ ‬الخبرة‭ ‬البشرية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والعمق‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬ليصبح‭ ‬أمامنا‭ ‬جغرافيًا‭ ‬قوس‭ ‬يمتد‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬الأناضول‭ ‬وجنوب‭ ‬آسيا،‭ ‬وسياسيًا‭ ‬ثلاث‭ ‬دول‭ ‬تمتلك‭ ‬علاقات‭ ‬مختلفة‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬وعسكريًا‭ ‬مزيجًا‭ ‬من‭ ‬القدرات‭ ‬المالية‭ ‬والصناعية‭ ‬والبشرية‭ ‬والاستراتيجية‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬يبقى‭: ‬لماذا‭ ‬الآن؟‭ ‬لأن‭ ‬البيئة‭ ‬الأمنية‭ ‬المحيطة‭ ‬بالخليج‭ ‬تغيرت؛‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيّرات‭ ‬أصبحت‭ ‬أدوات‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬الصراعات،‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أوراق‭ ‬ضغط،‭ ‬والتهديدات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تأتي‭ ‬دائمًا‭ ‬من‭ ‬الجيوش‭ ‬التقليدية،‭ ‬بينما‭ ‬أصبحت‭ ‬حسابات‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطًا‭ ‬بمصالحها‭ ‬وأولوياتها‭ ‬المتغيرة‭.‬

وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البيئة،‭ ‬يصبح‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬أمني‭ ‬واحد‭ ‬مخاطرة‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭.‬

وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬النظرة‭ ‬السعودية‭ ‬الأبعد‭: ‬من‭ ‬يريد‭ ‬حماية‭ ‬أمنه‭ ‬غدًا،‭ ‬لا‭ ‬ينتظر‭ ‬وصول‭ ‬الخطر‭ ‬حتى‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أدواته‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمة‭ ‬وصناعة‭ ‬الردع‭.‬

الأولى‭ ‬تبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يقع‭ ‬الحدث‭.‬

أما‭ ‬الثانية‭ ‬فتعمل‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يقع‭ ‬أصلًا‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬القيمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لاتفاق‭ ‬مكة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬فيما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفعله‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث‭ ‬إذا‭ ‬تعرض‭ ‬أحدها‭ ‬لاعتداء،‭ ‬بل‭ ‬فيما‭ ‬قد‭ ‬يمنعه‭ ‬الاتفاق‭ ‬من‭ ‬الحدوث‭ ‬أساسًا‭.‬

ويبقى‭ ‬التنفيذ‭ ‬هو‭ ‬الحكم‭. ‬إذا‭ ‬بقي‭ ‬الاتفاق‭ ‬إطارًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬عامًا،‭ ‬فستظل‭ ‬قيمته‭ ‬مهمة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الرسائل‭ ‬والردع‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬تبعته‭ ‬تدريبات‭ ‬منتظمة،‭ ‬وتنسيق‭ ‬عملياتي،‭ ‬وتكامل‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬والصاروخي،‭ ‬وتبادل‭ ‬استخباراتي‭ ‬مؤسسي،‭ ‬وتعاون‭ ‬بحري،‭ ‬ومشروعات‭ ‬تصنيع‭ ‬مشترك،‭ ‬فسنكون‭ ‬أمام‭ ‬تحول‭ ‬يتجاوز‭ ‬اتفاق‭ ‬الدفاع‭ ‬المتبادل‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬شبكة‭ ‬أمنية‭ ‬ذات‭ ‬تأثير‭ ‬أوسع‭.‬

وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تتضح‭ ‬دلالة‭ ‬الدور‭ ‬السعودي‭.‬

فالرياض‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬دولة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مظلة‭ ‬جديدة‭ ‬لتحتمي‭ ‬تحتها،‭ ‬بل‭ ‬دولة‭ ‬توسع‭ ‬خياراتها،‭ ‬وتربط‭ ‬بين‭ ‬قدرات‭ ‬مختلفة،‭ ‬وتحاول‭ ‬بناء‭ ‬بيئة‭ ‬تجعل‭ ‬كلفة‭ ‬تهديدها‭ ‬أعلى،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬أكثر‭ ‬استقلالًا‭.‬

وهذا‭ ‬فارق‭ ‬جوهري‭.‬

الدولة‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬ضمانة‭ ‬واحدة‭ ‬تظل‭ ‬مرتبطة‭ ‬بحسابات‭ ‬صاحب‭ ‬تلك‭ ‬الضمانة‭. ‬أما‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الشراكات‭ ‬والقدرات‭ ‬والصناعات،‭ ‬فإنها‭ ‬توسع‭ ‬مساحة‭ ‬قرارها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬توسع‭ ‬ترسانتها‭.‬

لهذا،‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬أهم‭ ‬جملة‭ ‬في‭ ‬اتفاق‭ ‬مكة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أطرافه‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬

الأهم‭ ‬هو‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬خلف‭ ‬هندسته‭: ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬مجرد‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬الخطر،‭ ‬بل‭ ‬مشروعًا‭ ‬يُبنى‭ ‬قبل‭ ‬وصوله‭.‬

وعند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬تحديدًا،‭ ‬تنتقل‭ ‬السعودية‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬ضمانات‭ ‬لأمنها،‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬معادلة‭ ‬الأمن‭ ‬نفسها‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا