لا تكاد تمر عدة ساعات، بل وربما أحيانًا عدة دقائق، إلا ونستمع إلى أنباء أو تكهنات أو توقعات أو تقديرات أو حتى تصريحات مباشرة من شخصيات تحتل مناصب سياسية رفيعة في هذا البلد أو ذاك، إما بأن الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، يمكن ان تندلع من جديد، وإما بالمقابل أن الطرفين الأمريكي والإيراني باتا على مقربة من التوصل إلى اتفاق وشيك، سواء لتسوية المسائل المتنازع عليها أو للبدء في جولة مفاوضات جديدة بغرض التوصل إلى مثل تلك التسوية، ومن ثم تثبيت وقف إطلاق النار المفترض وجوده، الذي عمليًا تم انتهاكه على الأرض، على الأقل مئات المرات، على مدار الأسابيع الماضية.
أما المحصلة الحقيقية لكل ما جرى على مدار الأسابيع الماضية، ومازال يجرى حتى اللحظة الراهنة، فهي الجمع بين حالة اللا سلم واللا حرب من جهة، وحالة حرب استنزاف مستمرة من جهة أخرى، يضاف إليهما تصاعد تراكمي ومخيف، ويتضاعف بمرور الوقت وباستمرار الحالة الراهنة المشار إليها، ولم يكن متوقعًا على الإطلاق بهذه الدرجة الكبيرة ولا على هذا النطاق الواسع، في حجم الخسائر والأضرار الاقتصادية الضخمة على صعيد بلدان العالم بلا أي استثناء. حتى بالنسبة إلى من كانوا يدفعون بأن الولايات المتحدة الأمريكية تستطيع أن تنأى بنفسها وبمواطنيها عن أي أضرار اقتصادية نتيجة تلك الحرب، فقد ثبت خطأ تقديراتهم.
فقد رأينا في الآونة الأخيرة، على سبيل المثال، إعلان نتائج عدة دراسات قامت بها مؤسسات ذات ثقل ولها طابع علمي متخصص، أو مراكز فكر وأبحاث أمريكية، تبرهن على وصول المعاناة الاقتصادية، نتيجة الحرب، وبقوة، وبشكل مباشر، إلى المواطن الأمريكي العادي في حياته اليومية. ويتعين أن نتذكر هنا ما «تبشر به» عددٌ من مراكز الفكر والأبحاث العالمية من أن الوضع القادم لا يزال أسوأ فيما يتعلق بالنتائج الاقتصادية للحرب، وأن بعض هذه النتائج الكارثية ربما لن تظهر إلا بعد مرور أشهر عديدة على الانتهاء الرسمي والفعلي لحالة الحرب، قد تصل إلى فترة ستة أشهر، بما في ذلك اختناقات متوقعة في مجال إنتاج الغذاء على الصعيد العالمي.
وبالطبع يتعين علينا ألا ننسى الدمار الضخم الذي لحق بإيران وباقتصادها وقطاع النفط بها وبنيتها التحتية ومنشآتها، بسبب تعرضها لموجات الهجمات الأمريكية والإسرائيلية مدة 40 يومًا متتالية، ثم التعرض لقصف أمريكي متقطع على مدار الأسابيع الماضية. ولكن أيضًا هناك التدمير الذي لحق بعدد من الدول العربية في المنطقة، سواء الدول العربية في منطقة الخليج أو الأردن، بسبب الاعتداءات الإيرانية على منشآت وطنية وبنية تحتية خاصة بها. وكذلك هناك حالة لبنان، الذي يدفع فاتورة حرب اندلعت لاحقًا، مرتبطة بالحرب الأصلية، وتعرض لدرجة عالية من الدمار، ليس في الجنوب فقط، بل في مناطق أخرى، بما فيها العاصمة بيروت. فلإعادة إعمار كل ذلك كلفة اقتصادية ضخمة، ليس من الواضح حتى الآن من سيدفع فاتورتها.
وتأخذنا مسألة الأضرار والخسائر الاقتصادية الناتجة عن الحرب إلى تناول حالة العجز الأمريكية عن فرض حرية الملاحة التجارية الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي، وعن التصدي للإغلاق الفعلي للمضيق من جانب الطرف الإيراني، أو إجبار الجانب الإيراني على إبقاء المضيق مفتوحًا وضمان عدم التعرض للسفن والناقلات المارة به، حيث نجح الطرف الايراني في تحويل موضوع حرية الملاحة في مضيق هرمز إلى ما يقترب من مكانة القضية المركزية في الحرب وفي المفاوضات مع واشنطن، وذلك بالرغم من أن هذه القضية لم تكن أصلًا مطروحة قبل حرب 28 فبراير 2026، ولم تكن محل أي نقاش أو خلاف دولي، كما أنها في ذلك الوقت لم تكن ضمن المسائل المثارة كمطالب أمريكية أو إسرائيلية استخدمت لتبرير شن الحرب.
وبالنسبة إلى مسألة مضيق هرمز على وجه التحديد، فإن الاتفاق على ترتيبات الملاحة به بعد انتهاء الحرب لن يكون أمرًا سهلًا ، نظرًا إلى حيوية الأمر بالنسبة إلى الغالبية العظمى من دول العالم، وتأثيراته المباشرة على مصالحها الوطنية وعلى مسارات أوضاعها الاقتصادية، بما في ذلك إمدادات الطاقة والغذاء والأسمدة وغيرها، وخاصة في ظل أن كلا من طهران وواشنطن تلوحان بحق كل منهما في فرض رسوم مرور على السفن والناقلات العابرة للمضيق: الأولى باعتبارها دولة مطلة عليه، بالإضافة إلى سلطنة عمان، بينما الولايات المتحدة الأمريكية يتحدث من حين إلى آخر بعض كبار مسؤوليها عن حقها في فرض رسوم، تحت مبرر توفير الحماية للسفن والناقلات المارة، سواء كان ذلك الآن أو في المستقبل.
وإذا انتقلنا إلى أحد الملفات الرئيسية التي كانت تعتبر، من وجهة نظر الطرفين الأمريكي والإسرائيلي، من الأسباب المهمة، إن لم تكن السبب الأهم، لتبرير وإسباغ المشروعية على شن الحرب على إيران، سواء في يونيو 2025 أو في فبراير 2026، وأعني هنا ملف البرنامج النووي الإيراني، فنجد أنه لا توجد حتى الآن رؤى واضحة بشأن تسويته بشكل يحل الخلاف بين طرفي الحرب، اللهم سوى الاتفاق، في نهاية فترة الوساطة الباكستانية الأخيرة، على بدء محادثات تستمر مدة تصل، بحد أقصى، إلى 60 يومًا لتسوية الخلافات حول هذا الملف بين الطرفين الأمريكي والإيراني، وعبر الوساطة الباكستانية، وهو هدف يبدو من الصعب تحقيقه في فترة زمنية قصيرة كهذه، في ضوء حجم تعقيدات هذا الملف والجوانب الفنية والقانونية، بالإضافة إلى الجوانب السياسية والأمنية والاستراتيجية، بالطبع، المنبثقة عنه من جهة، وكذلك إذا أخذنا في الاعتبار تباعد مواقف الأطراف بشأن الأساسيات، وكذلك التفاصيل المتعلقة به، من جهة أخرى.
إن ما يجرى في الوقت الراهن من سبل التعامل مع الموقف المشتعل إقليميًا، وما يصدر من تصريحات عن كبار المسئولين لدى الأطراف المعنية بالصراع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يعطى إيحاءات وإيماءات تعطي مؤشرات على أن، في حقيقة الأمر، حسم ملف البرنامج النووي الإيراني يبدو متراجعًا بعض الشيء في الأولويات خلال الفترة الحالية، على الأقل أمام ملفات أخرى تبدو أكثر إلحاحًا، مثل موضوع حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وكذلك محاولات العمل بشكل متسارع، سعيًا نحو استعادة الحد الأدنى من الأمن والاستقرار الإقليميين، الضروريين للخروج من حالة الانفلات العسكري والاستراتيجي والأمني السائدة في الوقت الراهن، وتأثيراتها الكارثية على الاقتصادات العالمية، حتى لو تأخر بعض الوقت هدف تحقيق السلام الدائم في المنطقة، من زاوية النزاعات المتصلة بشكل مباشر بالمواجهات العسكرية مع إيران.
ولا يمكن تناسي موضوعات كانت في البدء في طليعة الأولويات الأمريكية والإسرائيلية، ولكنها توارت إلى حد ما، وربما بعض الوقت فقط، على الأقل أمريكيًا، مثل برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، ومجمل برنامج التسليح الإيراني، وكذلك الدعم الإيراني لحلفاء إقليميين تنظر إليهم كل من واشنطن وتل أبيب باعتبارهم أعداء ومعوقين لتنفيذ مشاريع إقليمية مستقبلية، سواء كانت هذه المشاريع محل اتفاق أمريكي إسرائيلي، أو كانت مشاريع تقتصر على الجانب الأمريكي أو تقتصر على الجانب الإسرائيلي، ويشمل ذلك بالطبع حزب الله اللبناني، وجماعة الحوثيين في اليمن، وبعض الجماعات السياسية والمسلحة الشيعية العراقية المؤيدة لإيران.
إلا أن الأولوية قد تعود، في لحظة أو أخرى، إلى أحد أو بعض أو كل هذه الملفات، وقد يجري تفعيلها من جديد، سواء نتيجة مسار المواجهات العسكرية أو بما قد يترتب على أي اتفاق جديد لتسوية النزاع، حتى ولو كان اتفاقًا على استئناف العملية التفاوضية ووضع جدول أعمال لها ومدى زمني تجري في إطاره.
وفي الختام، علينا أن نتذكر جميعًا أنه، فيما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية، فإنه كلما تقدم الوقت تراجعت فرص قيام الإدارة الأمريكية بشن حرب شاملة ضد إيران، ليس فقط في ضوء تقديرات الخسائر لواشنطن وحلفائها، ولكن لعدم التيقن من مردود مثل تلك الحرب ومدتها ونتائجها على انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، المقرر لها يوم 3 نوفمبر 2026، التي إما يفوز فيها الحزب الجمهوري ويحتفظ بسيطرته الراهنة على الكونجرس بمجلسيه، وإما يفوز الحزب الديمقراطي بالأغلبية، على الأقل في أحد المجلسين النواب أو الشيوخ، ومن ثم تتعرض قدرة الإدارة الأمريكية على المناورة، وهامش الحركة المتاح أمامها، لتقلص كبير وقيود تحد من حرية اتخاذ القرار من جانبها، على النحو المتوافر لها حاليًا.
{ كاتب ودبلوماسي سابق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك