عندما توشك الإمبراطوريات على الزوال، تكون المؤشرات الأهم هي تلك التي تكشف عن عجزها عن أداء أبسط المهام خارج حدودها. لذلك انطوت فضيحة وزارة الخارجية الأمريكية في مؤتمر انعقد مؤخرًا في البرازيل على دلالات رمزية لا تخطئها العين.
ففي جلسة تحضيرية للمؤتمر الدولي لمكافحة مرض الإيدز، عرض مسؤول رفيع بالخارجية الأمريكية رؤية بلاده، موضحًا ما يقول على خريطة لإفريقيا. وهو سلط الأضواء على ست دول لم تظهر واحدة منها في موقعها الجغرافي الصحيح على الخريطة! ففي الخريطة التي عرضها، كانت نيجيريا دولة حبيسة لا شواطئ لها على المحيط الأطلنطي وتقع في مكان ما بين تشاد والنيجر! وساحل العاج دولة حبيسة هي الأخرى في جنوب شرق القارة لا دولة شاطئية في غربها.
والكاميرون احتلت الموقع الجغرافي لغانا، ومالاوي حلت محل زيمبابوي تقريبًا بينما موزمبيق جاءت في شرق إفريقيا لا جنوبها. أما أوغندا فتقع في مكان ما بين تنزانيا والكونغو وبعيدة تمامًا عن منابع نهر النيل! ورغم أن وزارة الخارجية أعلنت مسؤوليتها «الكاملة» عن الفضيحة إلا أنها بررتها بأن «أحد أعضاء الفريق» بدّل في عجالة ومن دون قصد شرائح العرض قبل بدئه مباشرة، وكأن تبديل الشرائح يغير الموقع الجغرافي للدول!
لكن الفضيحة الكبرى كانت حين تبين أن الخريطة من إنتاج برنامج للذكاء الصناعي! والواقعة برمتها تكشف عن حجم إسهام إدارة ترامب في التعجيل بزوال الإمبراطورية. فترامب أصدر أمرًا تنفيذيًا العام الماضي أنشأ بموجبه «هيئة الفاعلية الحكومية»، بزعم القضاء على الإهدار المالي والترهل الإداري في الحكومة الفيدرالية، ووضع على رأسها إيلون ماسك.
وقد تعمد ترامب أن تتبع الهيئة المكتب التنفيذي للرئيس، ما يعني عدم خضوعها بالمطلق لرقابة الكونجرس. وبدعوى خفض النفقات، قام إيلون ماسك بطرد أكثر من 260 ألف موظف فيدرالي في كل الوزارات والهيئات ممن يمثلون الخبرات بالجهاز الإداري للدولة. ووزارة الخارجية لم تكن استثناء من ذلك، إذ طرد ماسك أكثر من 1300 دبلوماسي من عمله، وحوالي 1500 من العاملين بالخدمات المدنية المساعدة في الوزارة، الأمر الذي يعنى التخلص ممن راكموا الخبرات المهنية في المكاتب المتخصصة في كل إقليم جغرافي من العالم، بما في ذلك طبعًا مكتب الشؤون الإفريقية الذي كان بإمكانه بسهولة تجنب فضيحة مؤتمر البرازيل.
وقد أدت الفوضى التي أحدثتها تلك الإقالات والاستقالات إلى انخفاض حاد في معنويات الدبلوماسيين والمدنيين العاملين بالوزارة ما أدى إلى استقالات بالجملة نتج عنها فقدان المزيد من الخبرات.
ويمكن تفسير الأداء الأمريكي البائس طوال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران أو إرجاع بعضه لتجليات ما تقدم. فعندما بدأت الحرب، كانت أمريكا بلا سفير يمثلها في السعودية وقطر والإمارات. وهي خاضت الحرب بعد أن طرد ماسك خبراء البترول بالوزارة وقلص عدد العاملين في مكتب شؤون الشرق الأدنى بواقع 80 شخصًا، بمن في ذلك من يجيدون اللغتين العربية والفارسية.
وفي الوقت ذاته سعت الإدارة لتخفيض ميزانية المكتب بواقع 40%. ومكتب إدارة الأزمات والطوارئ تعرض هو الآخر لطرد أكثر من 60 شخصًا، فضلًا عن طرد أكثر من مائة من الخبرات المدنية العاملة في مكتب الشؤون القنصلية.
فكانت النتيجة أن صارت الوزارة بلا خبرات تساعد على إجلاء الأمريكيين من 14 دولة في المنطقة كانت قد نصحتهم بالخروج منها «فورًا» عند وقوع الحرب. بل إن الخط الساخن للوزارة كان يخطر هؤلاء المواطنين بضرورة «عدم الاعتماد على تلقي مساعدة من الحكومة في عملية الإجلاء»! باختصار، خريطة إفريقيا المشوهة كانت أحد تجليات الخطوات المتسارعة التي تخطوها الإمبراطورية نحو أفولها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك