العدد : ١٧٦٦٨ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٨ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

مصير النظام الإيراني في ظل تداعيات الحرب

بقلم: د. محمد محسن أبو النور.

الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

أعكف‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬عميقة‭ ‬لثلاث‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬النظريات‭ ‬العسكرية‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وهي‭: ‬نظرية‭ ‬العقيد‭ ‬الأمريكي‭ ‬جون‭ ‬واردن‭ ‬John‭ ‬Warden‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬العدو‭ ‬كنظام‮»‬،‭ ‬ونظرية‭ ‬الجنرال‭ ‬الإيطالي‭ ‬جيليو‭ ‬دوهيه‭ ‬Giulio‭ ‬Douhet‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬سيادة‭ ‬الجو‮»‬،‭ ‬ونظرية‭ ‬الجنرال‭ ‬البريطاني‭ ‬بازل‭ ‬هنري‭ ‬ليدل‭ ‬هارتBasil‭ ‬Henry‭ ‬Liddell‭ ‬Hart‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬استراتيجية‭ ‬الاقتراب‭ ‬غير‭ ‬المباشر‮»‬‭.‬

والحقيقة‭ ‬أنه‭ ‬كلما‭ ‬تعمقت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأدبيات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الغربية‭ ‬ازداد‭ ‬اقتناعي‭ ‬بأن‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬بالاستغراق‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬الأخبار‭ ‬اليومية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬الخبز‭ ‬اليومي‭ ‬لأي‭ ‬متابع‭ ‬لتطورات‭ ‬الحرب،‭ ‬وإنما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬الحرب‭ ‬بعين‭ ‬المنظرين‭ ‬الاستراتيجيين‭ ‬الذين‭ ‬رسموا‭ ‬أسس‭ ‬التفكير‭ ‬العسكري‭ ‬الغربي‭ ‬الحديث‭ ‬وفي‭ ‬القلب‭ ‬منها‭ ‬النظرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬كما‭ ‬شرحها‭ ‬الكاتب‭ ‬الأمريكي‭ ‬‮«‬إيوجين‭ ‬جاريكي‮»‬Eugene‭ ‬Jarecki‭ (‬1969‭ ‬ـ‭ ‬الآن‭) ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬حمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬الطريقة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الحرب‮»‬‭ ‬نشره‭ ‬المركز‭ ‬القومي‭ ‬للترجمة‭ ‬بالقاهرة‭ ‬بترجمة‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالمنعم‭ ‬عبيد‭ ‬عام‭ ‬2014م‭.‬

أول‭ ‬هؤلاء‭ ‬الثلاثة‭ ‬هو‭ ‬الجنرال‭ ‬الإيطالي‭ ‬جيليو‭ ‬دوهيه‭ (‬1869ــ1930م‭) ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتابه‭ ‬The‭ ‬Command‭ ‬of‭ ‬the‭ ‬Air‭  ‬أو‭ ‬‮«‬سيادة‭ ‬الجو‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬انطلق‭ ‬من‭ ‬فرضية‭ ‬بسيطة‭ ‬لكنها‭ ‬شديدة‭ ‬التأثير،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬السيطرة‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬الجوي‭ ‬تسمح‭ ‬بتحويل‭ ‬القوة‭ ‬الجوية‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬إسناد‭ ‬للقوات‭ ‬البرية‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لحسم‭ ‬الحرب‭ ‬سياسيا‭ ‬ونفسيا؛‭ ‬ولذلك‭ ‬كان‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الضربات‭ ‬المركزة‭ ‬على‭ ‬مراكز‭ ‬الثقل‭ ‬الحيوية‭ ‬قد‭ ‬تكسر‭ ‬إرادة‭ ‬الدولة‭ ‬وتجبرها‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬سلوكها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬احتلال‭ ‬أراضيها،‭ ‬وهو‭ ‬تقريبا‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الإيرانية‭ ‬خلال‭ ‬حربي‭ ‬صيف‭ ‬2025م،‭ ‬وشتاء‭ ‬2026م‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬بازل‭ ‬هنري‭ ‬ليدل‭ ‬هارت‭ ‬ليطرح‭ ‬رؤية‭ ‬مختلفة،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الانتصار‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬دائما‭ ‬عبر‭ ‬المواجهة‭ ‬المباشرة،‭ ‬وإنما‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬الاقتراب‭ ‬غير‭ ‬المباشر‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬إنهاك‭ ‬الخصم‭ ‬سياسيا‭ ‬واقتصاديا‭ ‬ونفسيا،‭ ‬ودفعه‭ ‬تدريجيا‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬توازنه‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬قبل‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬المواجهة‭ ‬الحاسمة‭.‬

ومن‭ ‬يراقب‭ ‬تطور‭ ‬أدوات‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬السيبرانية‭ ‬والاغتيالات‭ ‬والعمليات‭ ‬الاستخباراتية،‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬فكرة‭ ‬الحرب‭ ‬التقليدية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تؤكد‭ ‬نظرية‭ ‬ليدل‭ ‬هارت‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬الأمريكي‭ ‬متشبع‭ ‬تماما‭ ‬بالحرب‭ ‬ذات‭ ‬الكلفة‭ ‬المنخفضة‭ ‬عن‭ ‬نظيرتها‭ ‬ذات‭ ‬الكلف‭ ‬العالية‭.‬

أما‭ ‬ثالث‭ ‬الثلاثة‭ ‬فهو‭ ‬العقيد‭ ‬ذائع‭ ‬الصيت‭ ‬جون‭ ‬واردن‭ ‬الذي‭ ‬طور‭ ‬النظريتين‭ ‬السابقتين‭ ‬ونقل‭ ‬النقاش‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬عندما‭ ‬تصور‭ ‬الدولة‭ ‬باعتبارها‭ ‬نظاما‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬حلقات‭ ‬مترابطة،‭ ‬تتصدرها‭ ‬القيادة‭ ‬السياسية،‭ ‬ثم‭ ‬المنظومات‭ ‬الحيوية،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬والسكان،‭ ‬وأخيرا‭ ‬القوات‭ ‬العسكرية‭.‬

ولقد‭ ‬انطلق‭ ‬واردن‭ ‬من‭ ‬فرضية‭ ‬أن‭ ‬إصابة‭ ‬الحلقة‭ ‬المركزية‭ (‬أي‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الإيرانية‭) ‬قد‭ ‬تشل‭ ‬بقية‭ ‬الحلقات،‭ ‬وتجعل‭ ‬الدولة‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬مواصلة‭ ‬القتال‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬بقي‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬جيشها‭ ‬سليما،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬تأطيره‭ ‬تماما‭ ‬إزاء‭ ‬تخطيطه‭ ‬لعملية‭ ‬عاصفة‭ ‬الصحراء‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬ونجاحه‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬الفكر‭ ‬الأمريكي‭ ‬إزاء‭ ‬حرب‭ ‬تحرير‭ ‬الكويت‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬الإيرانية‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬ليس‭ ‬بهذه‭ ‬البساطة،‭ ‬فبعد‭ ‬نحو‭  ‬ثلاثة‭ ‬عشر‭ ‬يوما‭ ‬من‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المكثفة‭ ‬في‭ ‬صيف‭ ‬2025،‭ ‬وبعدها‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬نحو‭ ‬40‭ ‬يوما‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬قطع‭ ‬الرأس‭ ‬التي‭ ‬انتهجتها‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬اسرائيل‭ ‬ونجاحها‭ ‬المطلق‭ ‬في‭ ‬الاغتيالات‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026‭ ‬حتى‭ ‬7‭ ‬إبريل‭ ‬2026م،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬مقتل‭ ‬المرشد‭ ‬الإيراني‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬ثم‭ ‬الخسائر‭ ‬الفادحة‭ ‬التي‭ ‬لحقت‭ ‬بالقيادات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والمنشآت‭ ‬الحساسة‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬مؤشرات‭ ‬قاطعة‭ ‬على‭ ‬انهيار‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬أو‭ ‬فقدانه‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬علاقته‭ ‬بالمجتمع‭.‬

ولعل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالا‭ ‬جوهريا‭ ‬حول‭ ‬حدود‭ ‬فاعلية‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬قطع‭ ‬الرأس‮»‬‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بنظام‭ ‬شديد‭ ‬المركزية،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬شديد‭ ‬التشابك‭ ‬المؤسسي‭ ‬مثل‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬يتمتع‭ ‬بخصوصية‭ ‬تاريخية‭ ‬وجغرافية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬عملية‭ ‬قطع‭ ‬الرؤوس‭ ‬تلك‭ ‬تصنف‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬أكبر‭ ‬عملية‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬العسكري‭ ‬ككل،‭ ‬وهو‭ ‬رأي‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬الدكتور‭ ‬جاكوب‭ ‬ستويل‭ ‬Jacob‭ ‬Stoil‭ ‬وهو‭ ‬أستاذ‭ ‬دراسات‭ ‬أمن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬الدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التابع‭ ‬لكلية‭ ‬الحرب‭ ‬بالجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬مقالة‭ ‬له‭ ‬حملت‭ ‬عنوانWardens‭ ‬Five‭ ‬Rings‭ ‬and‭ ‬Regime‭ ‬Change‭ ‬in‭ ‬Iran‭ (‬بالعربية‭: ‬حلقات‭ ‬واردن‭ ‬الخمس‭ ‬وتغيير‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬إيران‭) ‬نشرها‭ ‬يوم‭ ‬19‭ ‬مارس‭ ‬2026م‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬داخل‭ ‬الأدبيات‭ ‬العسكرية‭ ‬الغربية‭ ‬قراءات‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الحالة‭ ‬الإيرانية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬النماذج‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬فيها‭ ‬عمليات‭ ‬استهداف‭ ‬القيادة،‭ ‬فالنظام‭ ‬الإيراني‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬شخص‭ ‬واحد،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬معقدة‭ ‬تضم‭ ‬بيت‭ ‬القيادة،‭ ‬والحرس‭ ‬الثوري،‭ ‬والباسيج،‭ ‬والأجهزة‭ ‬الأمنية،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬والقضائية‭ ‬والإدارية‭ ‬والتنظيمات‭ ‬الطليعية‭ ‬الشبابية‭ ‬وغيرها؛‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬تعويض‭ ‬القيادات‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬تعويض‭ ‬البنية‭ ‬التنظيمية‭ ‬إذا‭ ‬بقيت‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬متماسكة‭.‬

في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يذهب‭ ‬قطاع‭ ‬معتبر‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬العسكريين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬جاكوب‭ ‬ستويل‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لإحداث‭ ‬تغيير‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬تتطلب‭ ‬قلب‭ ‬نموذج‭ ‬واردن‭ ‬نفسه،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬إضعاف‭ ‬أدوات‭ ‬السيطرة‭ ‬الداخلية‭ ‬قبل‭ ‬استهداف‭ ‬رأس‭ ‬النظام،‭ ‬ووفقا‭ ‬لهذا‭ ‬التصور،‭ ‬فإن‭ ‬استنزاف‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية،‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬تماسكها‭ ‬المعنوي‭ ‬والمؤسسي،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬حسما‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد‭ ‬من‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬استهداف‭ ‬القيادات‭ ‬العليا‭ ‬فقط‭.‬

وإذا‭ ‬تم‭ ‬الجمع‭ ‬والتوفيق‭ ‬بين‭ ‬أفكار‭ ‬‮«‬دوهيه‮»‬‭ ‬و«ليدل‭ ‬هارت‮»‬‭ ‬و«واردن‮»‬،‭ ‬فسوف‭ ‬يلاحظ‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬خيطا‭ ‬ناظما‭ ‬بينها‭ ‬جميعا،‭ ‬يتمثل‭ ‬هذا‭ ‬الخيط‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬وسائل‭ ‬تجعل‭ ‬الخصم‭ (‬أي‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬المنظور‭ ‬الأمريكي‭) ‬يفقد‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬دون‭ ‬الاضطرار‭ ‬إلى‭ ‬خوض‭ ‬حرب‭ ‬برية‭ ‬واسعة‭.‬

وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬صانع‭ ‬القرار‭ ‬الأمريكي‭ ‬يطبق‭ ‬هذه‭ ‬النظريات‭ ‬بحذافيرها،‭ ‬لكنه‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬القوة‭ ‬المستخدمة‭ ‬اليوم‭ ‬يمكن‭ ‬قراءتها‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬المدارس‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬العسكري‭ ‬الغربي‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬الممارسة‭ ‬الميدانية‭ ‬التطبيقية‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬جنوبي‭ ‬إيران‭ ‬الذي‭ ‬كاد‭ ‬ينفصل‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬مراكز‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة‭ ‬في‭ ‬طهران‭.‬

وهناك‭ ‬تخوفات‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬اتجاه‭ ‬البلاد‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬البلقنة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬الاتحاد‭ ‬اليوغوسلافي،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الكاتب‭ ‬والباحث‭ ‬الإيراني‭ ‬رضا‭ ‬رحمتي‭ ‬في‭ ‬مقالة‭ ‬له‭ ‬بافتتاحية‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬وطن‭ ‬امروز‮»‬‭ ‬الأصولية‭ (‬بالعربية‭: ‬الوطن‭ ‬اليوم‭) ‬بعنوان‭: (‬مشروع‭ ‬شل‭ ‬إيران‭ ‬يتجاوز‭ ‬الهجوم‭ ‬العسكري‭.. ‬هل‭ ‬هو‭ ‬نسخة‭ ‬يوغوسلافيا‭ ‬لإيران؟‭) ‬منشور‭ ‬يوم‭ ‬الأربعاء‭ ‬22‭ ‬يوليو‭ ‬2026م‭.‬

بناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬لن‭ ‬يتحدد‭ ‬فقط‭ ‬بعدد‭ ‬الصواريخ‭ ‬الأمريكية‭ ‬أو‭ ‬الطائرات‭ ‬التي‭ ‬ستستخدم‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬المقبلة،‭ ‬وإنما‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تماسكها‭ ‬الداخلي،‭ ‬واستمرار‭ ‬ولاء‭ ‬أجهزتها‭ ‬الأمنية،‭ ‬واحتواء‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والنفسية‭ ‬المتراكمة‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬يعلمنا‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬ثمة‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬التعلم‭ ‬من‭ ‬دروس‭ ‬التاريخ‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬سقطت‭ ‬بعد‭ ‬هزائم‭ ‬عسكرية‭ ‬محدودة،‭ ‬بينما‭ ‬صمدت‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬رغم‭ ‬تعرضها‭ ‬لتدمير‭ ‬هائل؛‭ ‬لأن‭ ‬الفارق‭ ‬الحقيقي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬المؤسسات‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬النيران،‭ ‬وكان‭ ‬في‭ ‬تلاحم‭ ‬المجتمع‭ ‬مع‭ ‬نظام‭ ‬دولته‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬إفقاده‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬النصر‭ ‬أو‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭.‬

وبعد‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران،‭ ‬وإنما‭ ‬ميدان‭ ‬اختبار‭ ‬حي‭ ‬لثلاث‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬النظريات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬ستجيب‭ ‬عنه‭ ‬الأسابيع‭ ‬المقبلة‭ ‬ليس‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬الضربات،‭ ‬وإنما‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الضربات‭ ‬ستنجح‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬تحويلية‭ ‬سياسية‭ ‬داخل‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭.‬

وحتى‭ ‬الآن،‭ ‬تبدو‭ ‬الإجابة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬مما‭ ‬يتصوره‭ ‬أنصار‭ ‬الحسم‭ ‬العسكري‭ ‬السريع‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬أنصار‭ ‬صمود‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية؛‭ ‬لأن‭ ‬إسقاط‭ ‬الأنظمة‭ ‬أو‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬لا‭ ‬يخضع‭ ‬دائما‭ ‬لمنطق‭ ‬القوة،‭ ‬وإنما‭ ‬لمنطق‭ ‬تفاعل‭ ‬القوة‭ ‬مع‭ ‬بنية‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والمؤسسات‭.‬

 

{ باحث‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الإيرانية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا