في كل مرة تشهد فيها منطقة الخليج تصعيداً عسكرياً تعود إيران إلى تكرار خطابها القائم على أن عملياتها العسكرية تندرج ضمن حقها في «الدفاع الشرعي عن النفس» المنصوص عليه في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، مستندة إلى وجود قواعد عسكرية أجنبية أو تعاون أمني بين بعض دول الخليج وشركائها الدوليين، غير أن هذا الخطاب، عند إخضاعه لمعايير القانون الدولي، يكشف عن فجوة واضحة بين التبرير السياسي والمشروعية القانونية، فالقانون الدولي لا يبنى على النوايا أو الخطابات الإعلامية، وإنما على قواعد ملزمة تحكم استخدام القوة وتحمي سيادة الدول واستقلالها السياسي.
ذلك أن الدفاع الشرعي ليس تفويضاً مفتوحاً، فهو استثناءً على الأصل الذي قرره ميثاق الأمم المتحدة، وهو حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، لذلك فإن ممارسة هذا الحق تتطلب توافر شروط قانونية صارمة، أهمها وقوع هجوم مسلح فعلي، وأن يكون الرد ضرورياً ومتناسباً وموجهاً إلى مصدر الاعتداء، أما استهداف دولة لمجرد أنها تستضيف قواعد عسكرية أو ترتبط باتفاقيات دفاعية مع دولة أخرى فلا يجد سنداً في قواعد القانون الدولي، ما لم يثبت بالدليل القاطع أنها شاركت بصورة مباشرة في الهجوم محل النزاع، فسيادة دول الخليج ليست محلاً للتأويل.
وفقاً للقانون الدولي، فإن دول الخليج العربي لها الحق الكامل في اختيار تحالفاتها الأمنية وإبرام الاتفاقيات الدفاعية التي تحقق أمنها الوطني، وإن وجود قوات أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة لا يسقط عنها الحماية القانونية، ولا يحولها تلقائياً إلى هدف عسكري مشروع، ولو تم التسليم بهذا المنطق لأصبحت عشرات الدول حول العالم عرضة للهجمات العسكرية لمجرد وجود قواعد أو تعاون دفاعي مع حلفائها، وهو ما يتعارض مع فلسفة ميثاق الأمم المتحدة ويهدد الأمن الدولي بأسره، كما أن الرواية الإيرانية تخلط بين الخصومة السياسية والمسؤولية القانونية، لأنها تفترض مسؤولية دول الخليج عن سياسات أو عمليات تقوم بها دول أخرى، والقانون الدولي يرفض مبدأ المسؤولية الجماعية، ويؤكد أن المسؤولية الدولية لا تقوم إلا على أفعال الدولة نفسها، وليس على علاقاتها السياسية أو العسكرية مع غيرها.
ومن ثم فإن تحميل دولة خليجية تبعات نزاع لمجرد شراكتها الدفاعية مع دولة أخرى يمثل توسعاً غير مشروع في تفسير حق الدفاع الشرعي، فضلاً عن أن استهداف المدنيين ينسف أي ادعاء بالمشروعية الدولية، فالقانون الدولي الإنساني يفرض التزاماً مطلقاً بحماية المدنيين والأعيان المدنية، فالمطارات المدنية، والموانئ التجارية، ومحطات الكهرباء، ومنشآت الطاقة، والمستشفيات، وشبكات المياه ليست أهدافاً يجوز استهدافها إلا في أضيق الحدود التي يقرها القانون، وبعد التحقق من توافر الضرورة العسكرية والتناسب، وأي إخلال بهذه المبادئ قد يرتب مسؤولية دولية، ويعرض مرتكبي الانتهاكات للمساءلة أمام الآليات الدولية المختصة.
إذن ما الذي تريده إيران من هذه الرواية من الناحية السياسية؟ تهدف الرواية الإيرانية إلى تحقيق عدة أهداف؛ منها إضفاء غطاء قانوني على استخدام القوة، وتحويل مسرح الصراع إلى خارج حدودها، وممارسة ضغوط سياسية ونفسية على دول الخليج، والتأثير في الرأي العام الإقليمي والدولي عبر تصوير عملياتها باعتبارها دفاعاً مشروعاً، وهذا ما لم يستطيع الاعلام الإيراني ترويجه، باعتبار أن المشروعية لا تبنى على الخطاب السياسي، وإنما على قواعد القانون الدولي وأحكامه، لذا ينبغي على دول الخليج مواجهة مثل هذه الروايات ليس بالردود الإعلامية وحدها، بل عبر استراتيجية قانونية ودبلوماسية متكاملة تقوم على ما توثيق جميع الاعتداءات بالصورة والأدلة الفنية والقانونية، بما يضمن بناء ملفات قانونية متكاملة يمكن الاستناد إليها أمام الأمم المتحدة والمحاكم والهيئات الدولية، وتنسيق موقف خليجي موحد في جميع المحافل الدولية، بحيث تصدر الرسائل القانونية والدبلوماسية بصوت واحد، بما يعزز قوة الموقف ويحد من محاولات تفكيك العمل على الاستثمار في الدبلوماسية القانونية من خلال إعداد فرق وطنية متخصصة في القانون الدولي، تكون قادرة على تفنيد أي مذكرات أو ادعاءات قانونية تطرح لتبرير استخدام القوة،و تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية لتأكيد أن أمن الخليج يمثل جزءاً من الأمن والسلم الدوليين، وأن أي اعتداء على إحدى دوله يشكل تهديداً للاستقرار الإقليمي، وإطلاق حملات إعلامية دولية تستند إلى الحقائق القانونية، وتخاطب مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام وصناع القرار بلغات متعددة، حتى لا تنفرد الرواية الإيرانية بالمشهد الإعلامي.
ومن هذا المنطلق فإن أي محاولة لتوسيع مفهوم الدفاع الشرعي ليشمل استهداف دول الخليج بسبب تحالفاتها الأمنية أو خياراتها السيادية يمثل تفسيراً يتعارض مع نصوص ميثاق الأمم المتحدة وروحه، ويفتح الباب أمام سابقة خطيرة تهدد النظام القانوني الدولي بأسره، وأخيراً يبقى الخيار الأكثر حكمة لدول الخليج هو الجمع بين قوة الردع ووحدة الموقف السياسي، والدفاع القانوني المحترف، بما يحفظ أمن المنطقة ويعزز مكانتها في النظام الدولي، ويحول دون تحويل القانون إلى أداة لتبرير العدوان بدلاً من أن يكون وسيلة لمنعه.
{ أستاذ القانون العام المشارك ورئيس
قسم القانون العام - جامعة البحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك