العدد : ١٧٦٦٧ - الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٧ - الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي

بقلم: د. بدر محمد عادل

الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬تشهد‭ ‬فيها‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬تصعيداً‭ ‬عسكرياً‭ ‬تعود‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬تكرار‭ ‬خطابها‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬عملياتها‭ ‬العسكرية‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬‮«‬الدفاع‭ ‬الشرعي‭ ‬عن‭ ‬النفس‮»‬‭ ‬المنصوص‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬المادة‭ (‬51‭) ‬من‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬أجنبية‭ ‬أو‭ ‬تعاون‭ ‬أمني‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وشركائها‭ ‬الدوليين،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب،‭ ‬عند‭ ‬إخضاعه‭ ‬لمعايير‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬التبرير‭ ‬السياسي‭ ‬والمشروعية‭ ‬القانونية،‭ ‬فالقانون‭ ‬الدولي‭ ‬لا‭ ‬يبنى‭ ‬على‭ ‬النوايا‭ ‬أو‭ ‬الخطابات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬ملزمة‭ ‬تحكم‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬وتحمي‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬واستقلالها‭ ‬السياسي‭.‬

ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدفاع‭ ‬الشرعي‭ ‬ليس‭ ‬تفويضاً‭ ‬مفتوحاً،‭ ‬فهو‭ ‬استثناءً‭ ‬على‭ ‬الأصل‭ ‬الذي‭ ‬قرره‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهو‭ ‬حظر‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬ممارسة‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬تتطلب‭ ‬توافر‭ ‬شروط‭ ‬قانونية‭ ‬صارمة،‭ ‬أهمها‭ ‬وقوع‭ ‬هجوم‭ ‬مسلح‭ ‬فعلي،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬الرد‭ ‬ضرورياً‭ ‬ومتناسباً‭ ‬وموجهاً‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬الاعتداء،‭ ‬أما‭ ‬استهداف‭ ‬دولة‭ ‬لمجرد‭ ‬أنها‭ ‬تستضيف‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬ترتبط‭ ‬باتفاقيات‭ ‬دفاعية‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬فلا‭ ‬يجد‭ ‬سنداً‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يثبت‭ ‬بالدليل‭ ‬القاطع‭ ‬أنها‭ ‬شاركت‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬الهجوم‭ ‬محل‭ ‬النزاع،‭ ‬فسيادة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ليست‭ ‬محلاً‭ ‬للتأويل‭.‬

وفقاً‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬فإن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬لها‭ ‬الحق‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬تحالفاتها‭ ‬الأمنية‭ ‬وإبرام‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدفاعية‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬أمنها‭ ‬الوطني،‭ ‬وإن‭ ‬وجود‭ ‬قوات‭ ‬أجنبية‭ ‬على‭ ‬أراضي‭ ‬دولة‭ ‬ذات‭ ‬سيادة‭ ‬لا‭ ‬يسقط‭ ‬عنها‭ ‬الحماية‭ ‬القانونية،‭ ‬ولا‭ ‬يحولها‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬عسكري‭ ‬مشروع،‭ ‬ولو‭ ‬تم‭ ‬التسليم‭ ‬بهذا‭ ‬المنطق‭ ‬لأصبحت‭ ‬عشرات‭ ‬الدول‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬عرضة‭ ‬للهجمات‭ ‬العسكرية‭ ‬لمجرد‭ ‬وجود‭ ‬قواعد‭ ‬أو‭ ‬تعاون‭ ‬دفاعي‭ ‬مع‭ ‬حلفائها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬فلسفة‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ويهدد‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬بأسره،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬الإيرانية‭ ‬تخلط‭ ‬بين‭ ‬الخصومة‭ ‬السياسية‭ ‬والمسؤولية‭ ‬القانونية،‭ ‬لأنها‭ ‬تفترض‭ ‬مسؤولية‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬عن‭ ‬سياسات‭ ‬أو‭ ‬عمليات‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬والقانون‭ ‬الدولي‭ ‬يرفض‭ ‬مبدأ‭ ‬المسؤولية‭ ‬الجماعية،‭ ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬المسؤولية‭ ‬الدولية‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬أفعال‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها،‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬علاقاتها‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬غيرها‭.‬

ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬تحميل‭ ‬دولة‭ ‬خليجية‭ ‬تبعات‭ ‬نزاع‭ ‬لمجرد‭ ‬شراكتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬يمثل‭ ‬توسعاً‭ ‬غير‭ ‬مشروع‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬حق‭ ‬الدفاع‭ ‬الشرعي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬استهداف‭ ‬المدنيين‭ ‬ينسف‭ ‬أي‭ ‬ادعاء‭ ‬بالمشروعية‭ ‬الدولية،‭ ‬فالقانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬يفرض‭ ‬التزاماً‭ ‬مطلقاً‭ ‬بحماية‭ ‬المدنيين‭ ‬والأعيان‭ ‬المدنية،‭ ‬فالمطارات‭ ‬المدنية،‭ ‬والموانئ‭ ‬التجارية،‭ ‬ومحطات‭ ‬الكهرباء،‭ ‬ومنشآت‭ ‬الطاقة،‭ ‬والمستشفيات،‭ ‬وشبكات‭ ‬المياه‭ ‬ليست‭ ‬أهدافاً‭ ‬يجوز‭ ‬استهدافها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أضيق‭ ‬الحدود‭ ‬التي‭ ‬يقرها‭ ‬القانون،‭ ‬وبعد‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬توافر‭ ‬الضرورة‭ ‬العسكرية‭ ‬والتناسب،‭ ‬وأي‭ ‬إخلال‭ ‬بهذه‭ ‬المبادئ‭ ‬قد‭ ‬يرتب‭ ‬مسؤولية‭ ‬دولية،‭ ‬ويعرض‭ ‬مرتكبي‭ ‬الانتهاكات‭ ‬للمساءلة‭ ‬أمام‭ ‬الآليات‭ ‬الدولية‭ ‬المختصة‭.‬

إذن‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تريده‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬السياسية؟‭ ‬تهدف‭ ‬الرواية‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬عدة‭ ‬أهداف؛‭ ‬منها‭ ‬إضفاء‭ ‬غطاء‭ ‬قانوني‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬وتحويل‭ ‬مسرح‭ ‬الصراع‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬حدودها،‭ ‬وممارسة‭ ‬ضغوط‭ ‬سياسية‭ ‬ونفسية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭ ‬عبر‭ ‬تصوير‭ ‬عملياتها‭ ‬باعتبارها‭ ‬دفاعاً‭ ‬مشروعاً،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يستطيع‭ ‬الاعلام‭ ‬الإيراني‭ ‬ترويجه،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬المشروعية‭ ‬لا‭ ‬تبنى‭ ‬على‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وأحكامه،‭ ‬لذا‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مواجهة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الروايات‭ ‬ليس‭ ‬بالردود‭ ‬الإعلامية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬استراتيجية‭ ‬قانونية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬متكاملة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬توثيق‭ ‬جميع‭ ‬الاعتداءات‭ ‬بالصورة‭ ‬والأدلة‭ ‬الفنية‭ ‬والقانونية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬بناء‭ ‬ملفات‭ ‬قانونية‭ ‬متكاملة‭ ‬يمكن‭ ‬الاستناد‭ ‬إليها‭ ‬أمام‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والمحاكم‭ ‬والهيئات‭ ‬الدولية،‭ ‬وتنسيق‭ ‬موقف‭ ‬خليجي‭ ‬موحد‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية،‭ ‬بحيث‭ ‬تصدر‭ ‬الرسائل‭ ‬القانونية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬بصوت‭ ‬واحد،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬قوة‭ ‬الموقف‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬تفكيك‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬القانونية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعداد‭ ‬فرق‭ ‬وطنية‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تفنيد‭ ‬أي‭ ‬مذكرات‭ ‬أو‭ ‬ادعاءات‭ ‬قانونية‭ ‬تطرح‭ ‬لتبرير‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،و‭ ‬تعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية‭ ‬لتأكيد‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬يمثل‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬والسلم‭ ‬الدوليين،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬دوله‭ ‬يشكل‭ ‬تهديداً‭ ‬للاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وإطلاق‭ ‬حملات‭ ‬إعلامية‭ ‬دولية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬الحقائق‭ ‬القانونية،‭ ‬وتخاطب‭ ‬مراكز‭ ‬الأبحاث‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬وصناع‭ ‬القرار‭ ‬بلغات‭ ‬متعددة،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تنفرد‭ ‬الرواية‭ ‬الإيرانية‭ ‬بالمشهد‭ ‬الإعلامي‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لتوسيع‭ ‬مفهوم‭ ‬الدفاع‭ ‬الشرعي‭ ‬ليشمل‭ ‬استهداف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بسبب‭ ‬تحالفاتها‭ ‬الأمنية‭ ‬أو‭ ‬خياراتها‭ ‬السيادية‭ ‬يمثل‭ ‬تفسيراً‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬نصوص‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وروحه،‭ ‬ويفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬سابقة‭ ‬خطيرة‭ ‬تهدد‭ ‬النظام‭ ‬القانوني‭ ‬الدولي‭ ‬بأسره،‭ ‬وأخيراً‭ ‬يبقى‭ ‬الخيار‭ ‬الأكثر‭ ‬حكمة‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬هو‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬قوة‭ ‬الردع‭ ‬ووحدة‭ ‬الموقف‭ ‬السياسي،‭ ‬والدفاع‭ ‬القانوني‭ ‬المحترف،‭ ‬بما‭ ‬يحفظ‭ ‬أمن‭ ‬المنطقة‭ ‬ويعزز‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬ويحول‭ ‬دون‭ ‬تحويل‭ ‬القانون‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لتبرير‭ ‬العدوان‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬وسيلة‭ ‬لمنعه‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬القانون‭ ‬العام‭ ‬المشارك‭ ‬ورئيس

قسم‭ ‬القانون‭ ‬العام‭ - ‬جامعة‭ ‬البحرين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا