العدد : ١٧٦٦٦ - الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٦ - الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

خريطة الطموحات في عصر التحول الرقمي

بقلم: سعدية مفرح {

الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

صار‭ ‬سؤال‭ ‬الأطفال‭ ‬عن‭ ‬المهنة‭ ‬التي‭ ‬يحلمون‭ ‬بها‭ ‬مختلفاً‭. ‬أسماء‭ ‬العلماء‭ ‬والكتّاب‭ ‬والمخترعين‭ ‬تراجعت،‭ ‬وحلّت‭ ‬محلّها‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه‭ ‬أسماء‭ ‬صانعي‭ ‬المحتوى‭ ‬والمؤثّرين‭ ‬ومشاهير‭ ‬المنصّات‭. ‬هذه‭ ‬الملاحظة‭ ‬لا‭ ‬تحمل‭ ‬حكماً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬على‭ ‬أحد،‭ ‬ولا‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬عداء‭ ‬للتقنية‭ ‬أو‭ ‬لوسائل‭ ‬التواصل،‭ ‬وإنّما‭ ‬تدفع‭ ‬إلى‭ ‬التأمّل‭ ‬في‭ ‬التحوّل‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬مفهوم‭ ‬القدوة،‭ ‬وفي‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬بها‭ ‬الشهرة‭ ‬غايةً‭ ‬قائمةً‭ ‬بذاتها،‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬نتيجةً‭ ‬طبيعية‭ ‬لإنجاز‭ ‬يستحقّ‭ ‬أن‭ ‬يُرى‭.‬

كانت‭ ‬الشهرة،‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬قريبة،‭ ‬تأتي‭ ‬متأخّرةً‭. ‬يكتب‭ ‬الكاتب‭ ‬سنوات،‭ ‬ويجرّب‭ ‬الرسام‭ ‬عشرات‭ ‬اللوحات،‭ ‬ويقضي‭ ‬الباحث‭ ‬عمره‭ ‬بين‭ ‬الكتب‭ ‬والمختبرات،‭ ‬ثمّ‭ ‬يلتفت‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أنجزه‭. ‬أمّا‭ ‬اليوم‭ ‬فقد‭ ‬انقلب‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬حالاتٍ‭ ‬كثيرة‭. ‬الشهرة‭ ‬تسبق‭ ‬التجربة،‭ ‬وتمنح‭ ‬صاحبها‭ ‬مساحةً‭ ‬واسعةً‭ ‬للحضور،‭ ‬ثمّ‭ ‬يبدأ‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬إنجاز‭ ‬يبرّر‭ ‬هذا‭ ‬الحضور،‭ ‬أو‭ ‬يستثمره،‭ ‬أو‭ ‬يمنحه‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬الشرعية‭. ‬وهنا‭ ‬تتغيّر‭ ‬المعادلة‭ ‬بهدوء،‭ ‬ويتغيّر‭ ‬معها‭ ‬سلّم‭ ‬القيم‭ ‬الذي‭ ‬يتشكّل‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الأجيال‭.‬

لا‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬شخصاً‭ ‬يحقّق‭ ‬انتشاراً‭ ‬واسعاً‭ ‬عبر‭ ‬منصّة‭ ‬رقمية،‭ ‬فالمنصّات‭ ‬أدوات‭ ‬مفتوحة،‭ ‬وفيها‭ ‬من‭ ‬يقدّم‭ ‬معرفةً‭ ‬حقيقيةً‭ ‬وفنّاً‭ ‬راقياً‭ ‬وتجاربَ‭ ‬ملهمة‭. ‬الإشكال‭ ‬يبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬معيار‭ ‬النجاح‭ ‬هو‭ ‬عدد‭ ‬المتابعين‭ ‬وحده،‭ ‬وعندما‭ ‬تتحوّل‭ ‬الأرقام‭ ‬إلى‭ ‬شهادة‭ ‬كفاءة،‭ ‬ويغدو‭ ‬الانتشار‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬القيمة،‭ ‬بينما‭ ‬يغيب‭ ‬السؤال‭ ‬الأهمّ‭: ‬ماذا‭ ‬يقدّم‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬للناس؟‭ ‬وماذا‭ ‬يبقى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تتغيّر‭ ‬الخوارزميات،‭ ‬أو‭ ‬تنصرف‭ ‬الأنظار‭ ‬إلى‭ ‬وجه‭ ‬جديد؟

المؤلم‭ ‬أنّ‭ ‬أصحاب‭ ‬الفكر‭ ‬والإبداع‭ ‬يعملون‭ ‬بصمت‭ ‬طويل،‭ ‬ويكتبون‭ ‬ويبحثون‭ ‬ويؤلّفون،‭ ‬بينما‭ ‬يتحرّك‭ ‬الضوء‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬آخر‭. ‬قد‭ ‬يمضي‭ ‬كاتب‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬رواية‭ ‬أو‭ ‬دراسة‭ ‬أو‭ ‬ديوان‭ ‬شعر‭ ‬ثمّ‭ ‬يقرأ‭ ‬خبر‭ ‬صدور‭ ‬العمل‭ ‬عددٌ‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬المهتمّين‭. ‬وفي‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة‭ ‬تكفي‭ ‬لحظات‭ ‬قصيرة،‭ ‬أو‭ ‬مقطع‭ ‬عابر،‭ ‬أو‭ ‬حكاية‭ ‬مصنوعة‭ ‬بعناية،‭ ‬ليحصد‭ ‬صاحبها‭ ‬ملايين‭ ‬المشاهدات،‭ ‬ويصبح‭ ‬اسماً‭ ‬متداولاً‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬والمقاهي‭ ‬والجامعات‭. ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعترض‭ ‬على‭ ‬النجاح،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬حقّ‭ ‬الثقافة‭ ‬أن‭ ‬تتساءل‭ ‬عن‭ ‬المعيار‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬يمنح‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬قيمته‭.‬

هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬لا‭ ‬يصنعه‭ ‬مشاهير‭ ‬المنصّات‭ ‬وحدهم،‭ ‬وإنّما‭ ‬تشارك‭ ‬فيه‭ ‬مؤسّسات‭ ‬كثيرة،‭ ‬تبدأ‭ ‬بالإعلام‭ ‬الذي‭ ‬يكرّر‭ ‬الوجوه‭ ‬نفسها،‭ ‬وتمرّ‭ ‬بالإعلانات‭ ‬التي‭ ‬تقيس‭ ‬التأثير‭ ‬بالأرقام،‭ ‬وتنتهي‭ ‬بجمهور‭ ‬يمنح‭ ‬اهتمامه‭ ‬لمَن‭ ‬يظهر‭ ‬أكثر،‭ ‬لا‭ ‬لمَن‭ ‬يضيف‭ ‬أكثر‭. ‬ومع‭ ‬تكرار‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬يترسخ‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬الصغار‭ ‬أنّ‭ ‬الطريق‭ ‬الأقصر‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬الأفضل،‭ ‬وأنّ‭ ‬الظهور‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬البناء،‭ ‬وأنّ‭ ‬الصورة‭ ‬أسرع‭ ‬أثراً‭ ‬من‭ ‬الفكرة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتبدّل‭ ‬صورة‭ ‬القدوة‭. ‬كانت‭ ‬ترتبط‭ ‬بالاجتهاد،‭ ‬والصبر،‭ ‬والموهبة،‭ ‬والإنجاز‭ ‬المتراكم،‭ ‬فأصبحت‭ ‬ترتبط‭ ‬بالحضور‭ ‬المستمر،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬الانتباه،‭ ‬ومهارة‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى،‭ ‬حتّى‭ ‬لو‭ ‬خلا‭ ‬هذا‭ ‬المحتوى‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬قيمة‭ ‬معرفية‭ ‬أو‭ ‬فنّية‭. ‬والنتيجة‭ ‬أنّ‭ ‬كثيرين‭ ‬صاروا‭ ‬يتعلّمون‭ ‬كيف‭ ‬يلفتون‭ ‬الأنظار،‭ ‬بينما‭ ‬يتراجع‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالسؤال‭ ‬عن‭ ‬المعرفة‭ ‬نفسها،‭ ‬وعن‭ ‬القراءة،‭ ‬وعن‭ ‬التدريب،‭ ‬وعن‭ ‬الإتقان‭.‬

ولعلّ‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬القلق‭ ‬أنّ‭ ‬الشهرة‭ ‬أصبحت‭ ‬قابلة‭ ‬للتداول‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬سلعة‭. ‬يمكن‭ ‬صناعتها،‭ ‬ويمكن‭ ‬تسويقها،‭ ‬ويمكن‭ ‬شراؤها‭ ‬أحياناً‭ ‬عبر‭ ‬حملات‭ ‬مدفوعة،‭ ‬أو‭ ‬تعاونات‭ ‬متبادلة،‭ ‬أو‭ ‬استراتيجيات‭ ‬محسوبة‭ ‬بدقّة‭.‬

أمّا‭ ‬الإنجاز‭ ‬فلا‭ ‬يزال‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الوقت،‭ ‬وإلى‭ ‬الموهبة،‭ ‬وإلى‭ ‬الخبرة،‭ ‬وإلى‭ ‬احتمال‭ ‬الفشل‭ ‬مرّات‭ ‬كثيرة‭ ‬قبل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬تستحقّ‭ ‬التقدير‭. ‬لذلك‭ ‬يبدو‭ ‬الطريق‭ ‬الأوّل‭ ‬أكثر‭ ‬إغراءً،‭ ‬وأكثر‭ ‬سرعةً،‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرةً‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬الاعتراف‭.‬

ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬إلى‭ ‬محاكمة‭ ‬لجيل‭ ‬كامل،‭ ‬لأنّ‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬لم‭ ‬تختر‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬فيها،‭ ‬هم‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬أدوات‭ ‬صنعت‭ ‬إيقاعاً‭ ‬مختلفاً‭ ‬للحياة،‭ ‬ورسّخت‭ ‬فكرة‭ ‬أنّ‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬بسرعة‭. ‬لذلك‭ ‬فإنّ‭ ‬مسؤولية‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للإنجاز‭ ‬تقع‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬الأسرة‭ ‬والمدرسة‭ ‬والجامعة‭ ‬والمؤسّسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والإعلام،‭ ‬وعلى‭ ‬كلّ‭ ‬مَن‭ ‬يملك‭ ‬فرصةً‭ ‬لتقديم‭ ‬نماذج‭ ‬تستحقّ‭ ‬أن‭ ‬تُرى‭ ‬وأن‭ ‬تُسمع‭.‬

نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نروي‭ ‬قصص‭ ‬الباحثين‭ ‬الذين‭ ‬غيّروا‭ ‬حياة‭ ‬الناس،‭ ‬وإلى‭ ‬أن‭ ‬نحتفي‭ ‬بالمعلّمين،‭ ‬والأطبّاء،‭ ‬والمهندسين،‭ ‬والمترجمين،‭ ‬والمبدعين،‭ ‬وإلى‭ ‬أن‭ ‬نقدّمهم‭ ‬بوصفهم‭ ‬شخصيات‭ ‬تستحقّ‭ ‬الإعجاب‭. ‬ونحتاج‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬نعيد‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬المشهد،‭ ‬وأن‭ ‬نمنح‭ ‬الفنون‭ ‬والعلوم‭ ‬المساحة‭ ‬التي‭ ‬تجعلها‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة،‭ ‬لأنّ‭ ‬الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬تتركه‭ ‬الثقافة‭ ‬يملؤه‭ ‬أيُّ‭ ‬محتوًى‭ ‬آخر،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬قيمته‭ ‬محدودة‭.‬

لا‭ ‬أؤمن‭ ‬بأنّ‭ ‬الشهرة‭ ‬عيب،‭ ‬ولا‭ ‬أراها‭ ‬خصماً‭ ‬للإنجاز‭. ‬الشهرة‭ ‬تصبح‭ ‬جميلة‭ ‬عندما‭ ‬تأتي‭ ‬وهي‭ ‬تحمل‭ ‬عملاً‭ ‬حقيقياً،‭ ‬وعندما‭ ‬تفتح‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬فكرة‭ ‬نافعة،‭ ‬أو‭ ‬كتاب‭ ‬مؤثّر،‭ ‬أو‭ ‬اكتشاف‭ ‬جديد،‭ ‬أو‭ ‬مبادرة‭ ‬إنسانية‭. ‬أمّا‭ ‬حين‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬مستقلّة،‭ ‬فإنّها‭ ‬تستهلك‭ ‬أصحابها‭ ‬بالسرعة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬حضورهم،‭ ‬وتترك‭ ‬خلفها‭ ‬أسماءً‭ ‬كثيرة‭ ‬يصعب‭ ‬تذكّر‭ ‬ما‭ ‬قدّمته‭ ‬فعلاً‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬معلّقاً‭ ‬أمامنا‭ ‬جميعاً‭: ‬ماذا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬أطفالنا‭ ‬عندما‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬قدوة؟‭ ‬وجهاً‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يجذب‭ ‬الأنظار،‭ ‬أم‭ ‬عقلاً‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يضيف‭ ‬معنى‭ ‬إلى‭ ‬الحياة؟‭ ‬بين‭ ‬السؤالين‭ ‬تتحدّد‭ ‬صورة‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬نبنيه،‭ ‬وتتحدّد‭ ‬أيضاً‭ ‬القيمة‭ ‬التي‭ ‬سنمنحها‭ ‬للمعرفة،‭ ‬وللعمل،‭ ‬وللإنجاز‭ ‬الذي‭ ‬يبقى،‭ ‬حتّى‭ ‬عندما‭ ‬تنصرف‭ ‬الأضواء‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭.‬

 

{ كاتبة‭ ‬وشاعرة‭ ‬كويتية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا