صار سؤال الأطفال عن المهنة التي يحلمون بها مختلفاً. أسماء العلماء والكتّاب والمخترعين تراجعت، وحلّت محلّها في عصر التحول الرقمي الذي نعيشه أسماء صانعي المحتوى والمؤثّرين ومشاهير المنصّات. هذه الملاحظة لا تحمل حكماً أخلاقياً على أحد، ولا تنطوي على عداء للتقنية أو لوسائل التواصل، وإنّما تدفع إلى التأمّل في التحوّل الذي أصاب مفهوم القدوة، وفي الطريقة التي أصبحت بها الشهرة غايةً قائمةً بذاتها، بعدما كانت نتيجةً طبيعية لإنجاز يستحقّ أن يُرى.
كانت الشهرة، في أزمنة قريبة، تأتي متأخّرةً. يكتب الكاتب سنوات، ويجرّب الرسام عشرات اللوحات، ويقضي الباحث عمره بين الكتب والمختبرات، ثمّ يلتفت الناس إلى ما أنجزه. أمّا اليوم فقد انقلب المشهد في حالاتٍ كثيرة. الشهرة تسبق التجربة، وتمنح صاحبها مساحةً واسعةً للحضور، ثمّ يبدأ البحث عن إنجاز يبرّر هذا الحضور، أو يستثمره، أو يمنحه شيئاً من الشرعية. وهنا تتغيّر المعادلة بهدوء، ويتغيّر معها سلّم القيم الذي يتشكّل في وعي الأجيال.
لا تكمن المشكلة في أنّ شخصاً يحقّق انتشاراً واسعاً عبر منصّة رقمية، فالمنصّات أدوات مفتوحة، وفيها من يقدّم معرفةً حقيقيةً وفنّاً راقياً وتجاربَ ملهمة. الإشكال يبدأ عندما يصبح معيار النجاح هو عدد المتابعين وحده، وعندما تتحوّل الأرقام إلى شهادة كفاءة، ويغدو الانتشار دليلاً على القيمة، بينما يغيب السؤال الأهمّ: ماذا يقدّم هذا الشخص للناس؟ وماذا يبقى بعد أن تتغيّر الخوارزميات، أو تنصرف الأنظار إلى وجه جديد؟
المؤلم أنّ أصحاب الفكر والإبداع يعملون بصمت طويل، ويكتبون ويبحثون ويؤلّفون، بينما يتحرّك الضوء في اتجاه آخر. قد يمضي كاتب سنوات في إنجاز رواية أو دراسة أو ديوان شعر ثمّ يقرأ خبر صدور العمل عددٌ محدود من المهتمّين. وفي الجهة المقابلة تكفي لحظات قصيرة، أو مقطع عابر، أو حكاية مصنوعة بعناية، ليحصد صاحبها ملايين المشاهدات، ويصبح اسماً متداولاً في البيوت والمقاهي والجامعات. لا أحد يعترض على النجاح، ولكن من حقّ الثقافة أن تتساءل عن المعيار الذي صار يمنح هذا النجاح قيمته.
هذا التحوّل لا يصنعه مشاهير المنصّات وحدهم، وإنّما تشارك فيه مؤسّسات كثيرة، تبدأ بالإعلام الذي يكرّر الوجوه نفسها، وتمرّ بالإعلانات التي تقيس التأثير بالأرقام، وتنتهي بجمهور يمنح اهتمامه لمَن يظهر أكثر، لا لمَن يضيف أكثر. ومع تكرار هذا المشهد، يترسخ في أذهان الصغار أنّ الطريق الأقصر هو الطريق الأفضل، وأنّ الظهور أهم من البناء، وأنّ الصورة أسرع أثراً من الفكرة.
ومن هنا تتبدّل صورة القدوة. كانت ترتبط بالاجتهاد، والصبر، والموهبة، والإنجاز المتراكم، فأصبحت ترتبط بالحضور المستمر، والقدرة على جذب الانتباه، ومهارة صناعة المحتوى، حتّى لو خلا هذا المحتوى من أيّ قيمة معرفية أو فنّية. والنتيجة أنّ كثيرين صاروا يتعلّمون كيف يلفتون الأنظار، بينما يتراجع الاهتمام بالسؤال عن المعرفة نفسها، وعن القراءة، وعن التدريب، وعن الإتقان.
ولعلّ أكثر ما يدعو إلى القلق أنّ الشهرة أصبحت قابلة للتداول كما لو كانت سلعة. يمكن صناعتها، ويمكن تسويقها، ويمكن شراؤها أحياناً عبر حملات مدفوعة، أو تعاونات متبادلة، أو استراتيجيات محسوبة بدقّة.
أمّا الإنجاز فلا يزال يحتاج إلى الوقت، وإلى الموهبة، وإلى الخبرة، وإلى احتمال الفشل مرّات كثيرة قبل الوصول إلى نتيجة تستحقّ التقدير. لذلك يبدو الطريق الأوّل أكثر إغراءً، وأكثر سرعةً، وأكثر قدرةً على استقطاب الباحثين عن الاعتراف.
ولا ينبغي أن يتحوّل هذا الحديث إلى محاكمة لجيل كامل، لأنّ الأجيال الجديدة لم تختر البيئة التي نشأت فيها، هم يتعاملون مع أدوات صنعت إيقاعاً مختلفاً للحياة، ورسّخت فكرة أنّ كلّ شيء ينبغي أن يحدث بسرعة. لذلك فإنّ مسؤولية إعادة الاعتبار للإنجاز تقع أيضاً على الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسّسات الثقافية والإعلام، وعلى كلّ مَن يملك فرصةً لتقديم نماذج تستحقّ أن تُرى وأن تُسمع.
نحتاج إلى أن نروي قصص الباحثين الذين غيّروا حياة الناس، وإلى أن نحتفي بالمعلّمين، والأطبّاء، والمهندسين، والمترجمين، والمبدعين، وإلى أن نقدّمهم بوصفهم شخصيات تستحقّ الإعجاب. ونحتاج أيضاً إلى أنّ نعيد الكتاب إلى واجهة المشهد، وأن نمنح الفنون والعلوم المساحة التي تجعلها قريبة من الأجيال الجديدة، لأنّ الفراغ الذي تتركه الثقافة يملؤه أيُّ محتوًى آخر، مهما كانت قيمته محدودة.
لا أؤمن بأنّ الشهرة عيب، ولا أراها خصماً للإنجاز. الشهرة تصبح جميلة عندما تأتي وهي تحمل عملاً حقيقياً، وعندما تفتح الطريق أمام فكرة نافعة، أو كتاب مؤثّر، أو اكتشاف جديد، أو مبادرة إنسانية. أمّا حين تتحوّل إلى غاية مستقلّة، فإنّها تستهلك أصحابها بالسرعة نفسها التي صنعت حضورهم، وتترك خلفها أسماءً كثيرة يصعب تذكّر ما قدّمته فعلاً.
ويبقى السؤال معلّقاً أمامنا جميعاً: ماذا نريد أن يرى أطفالنا عندما يبحثون عن قدوة؟ وجهاً يعرف كيف يجذب الأنظار، أم عقلاً يعرف كيف يضيف معنى إلى الحياة؟ بين السؤالين تتحدّد صورة المجتمع الذي نبنيه، وتتحدّد أيضاً القيمة التي سنمنحها للمعرفة، وللعمل، وللإنجاز الذي يبقى، حتّى عندما تنصرف الأضواء إلى مكان آخر.
{ كاتبة وشاعرة كويتية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك