استضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، يوم الثلاثاء الماضي، وهو اللقاء الثامن من نوعه منذ بدء الولاية الثانية للرئيس ترامب (20/1/2025)، ما يعني أنّ معدّل اللقاءات بين رئيس الدولة الأقوى ورئيس وزراء الكيان أصبح مرّة كلّ شهرَين تقريباً، وهو معدّل لا نظير له في تاريخ العلاقات بين الدول، ولا يعكس خصوصية العلاقات الأمريكية الإسرائيلية فحسب، وإنّما أيضاً خصوصية العلاقة الشخصية بين ترامب ونتنياهو. ولأنّ اللقاء بدا مختلفاً عن سابقاته، استنتج مراقبون أنّ سماء العلاقات الأمريكية الإسرائيلية أصبحت ملبَّدة بالغيوم، وأنّ الصداقة الحميمة التي جمعت بين الرجلَين بدأت تضعف، وربّما في طريقها إلى الانهيار.
مؤشّرات عديدة تدلّ على أوجه الاختلاف بين هذا اللقاء وما سبقه من لقاءات، فرئيس الوزراء الإسرائيلي لم يدلف إلى البيت الأبيض هذه المرّة من بوابته الرئيسة، ولم يكن الرئيس ترامب في انتظاره، ولم يُسمح لوسائل الإعلام بحضور الاستقبال، مثلما كان يحدث، وإنّما أُدخل نتنياهو إلى البيت الأبيض من باب جانبي ليلتقي الرئيس الأمريكي 80 دقيقة فقط، بعيداً من وسائل الإعلام، وكلّها مؤشّرات توحي بأنّ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ليست اليوم في أفضل حالاتها.
وكانت صحف أمريكية رئيسيّة، مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال»، قد ذكرت، في تقارير استقصائية، أنّ نتنياهو عرض في اجتماع عُقد في غرفة عمليات البيت الأبيض لمناقشة الوضع في إيران، قبل أيّام قليلة من شنّ الحرب عليها في 28 فبراير 2026، معلومات تؤكّد أنّ النظام الإيراني بات هشّاً وآيلاً للسقوط، وأنّ عملية عسكرية أمريكية إسرائيلية مشتركة ستؤدّي حتماً إلى سقوطه، ما يفتح الطريق نحو التخلّص نهائياً من «محور المقاومة»، الأمر الذي تسبّب في توريط ترامب في قرار الموافقة على الحرب.
ولأنّ هذه الحرب، التي أكّد نتنياهو أنّها ستكون خاطفةً ولن تستغرق سوى أيّام معدودة، تحوّلت إلى حرب استنزاف للولايات المتحدة ولحلفائها، فقد توقّع كثيرون أن تبدأ الشروخ في جدار العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في الظهور تباعاً، وهو ما حدث.
والواقع أنّ التقارير الاستقصائية التي نشرتها صحف أمريكية، وكذلك التحليلات والدراسات الصادرة عن مراكز بحوث أمريكية في الآونة الماضية، تدلّ على اهتمام متزايد بالمسار الذي بدأت تسلكه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ما بعد شنّ الحرب على إيران.
فقد أولت التقارير اهتماماً خاصاً لفحوى اتصالات هاتفية بين ترامب ونتنياهو في الشهور الماضية، ولاحظت مدى التغيّر الذي طرأ على اللغة التي يستخدمها ترامب في تعامله مع نتنياهو وصلت إلى حدّ توجيه ترامب عبارات بذيئة إلى نتنياهو، وهذا غير مسبوق.
كما أولت التحليلات السياسية والأكاديمية اهتماماً خاصّاً لدلالة تصريحات أدلى بها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، ووجّه فيها انتقادات حادّة للسياسة الإسرائيلية بصفة عامّة، ولسياسة نتنياهو بصفة خاصّة، فوجّه إليها اتهاماً مباشراً بتعمّد الإضرار بالمصالح الأمريكية.
وهي تصريحاتٌ لم يسبق لأيّ مسؤول أمريكي أن أدلى بمثلها إبّان فترة تولّيه المنصب، فما بالك بمسؤول يتولّى منصب نائب الرئيس ويطمح إلى الترشّح في الانتخابات الرئاسية المقبلة! فإذا أضفنا إلى ما تقدّم أنّ تسريبات صحفية عديدة أفادت بأنّ نتنياهو ظلّ يُلحّ فترةً طويلةً في طلب اللقاء بترامب، لكنّ البيت الأبيض كان يتعمّد عدم الردّ، ولولا الوفاة المفاجئة للسيناتور ليندسي جراهام، التي استغلها نتنياهو لإعلان رغبته في الحضور إلى الولايات المتحدة للمشاركة في التشييع، لما توافرت ظروف مواتية لعقد اللقاء الذي سبقت الإشارة إليه، ليتبيّن أنّ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تمرّ بأزمة مكتومة في المرحلة الراهنة، وأنّ نتنياهو فقد كثيراً من قدرته على التأثير في توجّهات الرئيس ترامب.
لا يعني ما تقدّم أنّ هذه العلاقات مرشّحة للدخول في أزمة حقيقية في الفترة المتبقّية من ولاية ترامب، أو أنّ السياسات التي ينتهجها الأخير تجاه قضايا المنطقة ستشهد تغيّراً ملموساً قد يسهم في إيجاد حلول عادلة لها، وخصوصاً ما يتعلّق منها بالقضية الفلسطينية أو بالحرب على إيران.
صحيح أنّ نتنياهو نجح في دفع السياسات الأمريكية في المنطقة نحو الاقتراب، إلى حدّ التطابق، من السياسات الإسرائيلية في أحيانٍ كثيرة، أكثر ممّا نجح ترامب في دفع السياسات الإسرائيلية إلى الاقتراب من السياسات الأمريكية أو حتّى التأقلم معها، لكن ينبغي أن ندرك أنّ هذا هو النمط التقليدي والطبيعي للعلاقة بين أيّ رئيس وزراء إسرائيلي ورئيس أمريكي، وهو ما يؤكّده تاريخ العلاقة بين البلدَين.
ففي كلّ مرّة كانت تظهر فيها فجوةٌ في المصالح بين البلدَين، وكانت المصلحة الأمريكية تفرض على الرئيس الأمريكي ممارسة ضغوط لحمل رئيس الوزراء الإسرائيلي على القيام بخطوة لا يريدها، ويعتقد أنّها تضرّ بالمصالح الإسرائيلية، كان الرئيس الأمريكي يضطر إلى التراجع، وليس العكس. وكان بمقدور أيّ رئيس وزراء إسرائيلي أن يتعامل مع الموقف الأمريكي الذي يختلف معه بوسائل متعدّدة، تتراوح بين التلاعب ومحاولة الالتفاف والاحتواء وممارسة الضغوط المضادّة، حتى يتمكّن من إفراغه من مضمونه أو إجبار الرئيس الأمريكي على التراجع، وخصوصاً إذا تعلّق الأمر بطلب انسحاب إسرائيل من أراضٍ تحتلّها.
كان أيزنهاور هو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي تمكّن من إجبار إسرائيل على الانسحاب من سيناء التي احتلّتها خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وهو ما قرّرت إسرائيل ألّا تسمح بتكراره مطلقاً. صحيح أنّ الولايات المتحدة مارست ضغوطاً فعلية على إسرائيل في مناسبات مختلفة، لكنّ الأخيرة كانت قادرةً في كلّ مرّة على أن تجد ذريعةً تمكّنها من التملّص من هذه الضغوط، حتّى لو اضطرت إلى الانحناء للعاصفة في بداية الأزمة.
فحين هدّدت الولايات المتحدة إسرائيل، بعد «حرب تحرير الكويت» عام 1991، بالامتناع عن تقديم حزمة قروض مالية كانت قد وافقت عليها إذا استمرّت في تعنّتها ورفضت المشاركة في مؤتمر مدريد، رضخت إسرائيل بالفعل، ووافقت على المشاركة في المؤتمر، لكنّها تمكّنت من توجيه أجندته نحو المسارات التي تريدها، ومن ثمّ إفشاله في نهاية المطاف. وفي السياق نفسه، يقال إنّ ترامب مارس ضغوطاً حقيقية لحمل نتنياهو على الموافقة على خطّته لإنهاء الحرب في غزّة، ما دفع الأخير إلى إعلان موافقته على الخطّة ذات الـ20 بنداً، لكنّها لم تدخل قط حيّز التنفيذ. فلا تزال إسرائيل تحتلّ معظم مساحة القطاع، وترتكب يومياً جرائم إبادة جماعية وتجويعاً بحقّ الشعب الفلسطيني، من دون أن يحرّك العالم العربي أو حتّى مجلس الأمن الذي اعتمد الخطّة ووافق عليها ساكناً.
في سياق ما تقدّم، ينبغي التعامل بحذر مع بعض ما يُطرح في وسائل الإعلام، ويُعامل بوصفه بديهياً لا يقبل المناقشة. على سبيل المثال، سبقت الإشارة إلى أنّ نتنياهو لعب دوراً حاسماً في توريط ترامب في حرب على إيران سرعان ما تحوّلت إلى مأزق استراتيجي له. وهذا صحيح إذا حكمنا على الحدث من منظور السياقات والنتائج. لكن أن يقال إنّ السبب في هذا «التوريط» يعود إلى «معلومات مضلِّلة» عرضها نتنياهو في اجتماع سرّي مغلق، فهذا ما لا يمكن قبوله عقلاً، وخصوصاً أنّ الولايات المتحدة تملك من الأجهزة الاستخباريّة ما يتيح لها التحقّق من صحّة ما طُرح ومصداقيته.
لذلك؛ الأرجح أن تكون «قابلية التصديق» لدى ترامب لكلّ ما يتوافق مع مدركاته الأيديولوجية والسياسية، ورغبته الحارقة في أن يصبح الرئيس الأمريكي الذي حقّق ما عجز جميع من سبقوه عن تحقيقه، نحو نصف قرن، هما ما دفعاه إلى اتخاذ القرار بالمشاركة في حرب هدفها الرئيس والوحيد إطاحة النظام الإيراني. وهذا هو الأساس الذي ينبغي أن نبني عليه رؤيتنا، سواء فيما يتعلّق بطبيعة (وحجم) الفجوة الحالية بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية أو فيما يتعلّق بحقيقة مواقف ترامب من جميع قضايا المنطقة، وخصوصاً القضية الفلسطينية والحرب على إيران.
لا توجد، في الواقع، أيّ خلافات حقيقية حول الأهداف التي يسعى ترامب ونتنياهو إلى تحقيقها في المنطقة. فكلاهما يريد إسقاط النظام الإيراني، وكلاهما يريد نزع سلاح حركتَي حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله و«الحوثيين» والمليشيات العراقية، وكلاهما يصرّ على منع قيام دولة فلسطينية مستقلّة.
لكنّهما يختلفان في الوسائل. فنجاح نتنياهو في الانتخابات التشريعية المقبلة مرهون بالإبقاء على الحروب مشتعلة في كلّ الجبهات، ونجاح حزب ترامب (الجمهوري) في انتخابات التجديد النصفي لمقاعد الكونجرس مرهون بتهدئة الأوضاع في كلّ الجبهات.
{أستاذ العلوم السياسية
في جامعة القاهرة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك