العدد : ١٧٦٦٥ - الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٥ - الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ما بعد اللقاء الثامن بين ترامب ونتنياهو

بقلم: د. حسن نافعة {

الاثنين ٠٣ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

استضاف‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬رئيسَ‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬الماضي،‭ ‬وهو‭ ‬اللقاء‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬الولاية‭ ‬الثانية‭ ‬للرئيس‭ ‬ترامب‭ (‬20/1/2025‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنّ‭ ‬معدّل‭ ‬اللقاءات‭ ‬بين‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬الأقوى‭ ‬ورئيس‭ ‬وزراء‭ ‬الكيان‭ ‬أصبح‭ ‬مرّة‭ ‬كلّ‭ ‬شهرَين‭ ‬تقريباً،‭ ‬وهو‭ ‬معدّل‭ ‬لا‭ ‬نظير‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬ولا‭ ‬يعكس‭ ‬خصوصية‭ ‬العلاقات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنّما‭ ‬أيضاً‭ ‬خصوصية‭ ‬العلاقة‭ ‬الشخصية‭ ‬بين‭ ‬ترامب‭ ‬ونتنياهو‭. ‬ولأنّ‭ ‬اللقاء‭ ‬بدا‭ ‬مختلفاً‭ ‬عن‭ ‬سابقاته،‭ ‬استنتج‭ ‬مراقبون‭ ‬أنّ‭ ‬سماء‭ ‬العلاقات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬أصبحت‭ ‬ملبَّدة‭ ‬بالغيوم،‭ ‬وأنّ‭ ‬الصداقة‭ ‬الحميمة‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الرجلَين‭ ‬بدأت‭ ‬تضعف،‭ ‬وربّما‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الانهيار‭.‬

مؤشّرات‭ ‬عديدة‭ ‬تدلّ‭ ‬على‭ ‬أوجه‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬وما‭ ‬سبقه‭ ‬من‭ ‬لقاءات،‭ ‬فرئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لم‭ ‬يدلف‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬هذه‭ ‬المرّة‭ ‬من‭ ‬بوابته‭ ‬الرئيسة،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬انتظاره،‭ ‬ولم‭ ‬يُسمح‭ ‬لوسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬بحضور‭ ‬الاستقبال،‭ ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬يحدث،‭ ‬وإنّما‭ ‬أُدخل‭ ‬نتنياهو‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬جانبي‭ ‬ليلتقي‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬80‭ ‬دقيقة‭ ‬فقط،‭ ‬بعيداً‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬وكلّها‭ ‬مؤشّرات‭ ‬توحي‭ ‬بأنّ‭ ‬العلاقات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ليست‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬حالاتها‭.‬

وكانت‭ ‬صحف‭ ‬أمريكية‭ ‬رئيسيّة،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬نيويورك‭ ‬تايمز‮»‬‭ ‬و«واشنطن‭ ‬بوست‮»‬‭ ‬و‮«‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬جورنال‮»‬،‭ ‬قد‭ ‬ذكرت،‭ ‬في‭ ‬تقارير‭ ‬استقصائية،‭ ‬أنّ‭ ‬نتنياهو‭ ‬عرض‭ ‬في‭ ‬اجتماع‭ ‬عُقد‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬عمليات‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬لمناقشة‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬قبل‭ ‬أيّام‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬شنّ‭ ‬الحرب‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬معلومات‭ ‬تؤكّد‭ ‬أنّ‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بات‭ ‬هشّاً‭ ‬وآيلاً‭ ‬للسقوط،‭ ‬وأنّ‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬أمريكية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬مشتركة‭ ‬ستؤدّي‭ ‬حتماً‭ ‬إلى‭ ‬سقوطه،‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬التخلّص‭ ‬نهائياً‭ ‬من‭ ‬‮«‬محور‭ ‬المقاومة‮»‬،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬تسبّب‭ ‬في‭ ‬توريط‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬الحرب‭.‬

ولأنّ‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬التي‭ ‬أكّد‭ ‬نتنياهو‭ ‬أنّها‭ ‬ستكون‭ ‬خاطفةً‭ ‬ولن‭ ‬تستغرق‭ ‬سوى‭ ‬أيّام‭ ‬معدودة،‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬استنزاف‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ولحلفائها،‭ ‬فقد‭ ‬توقّع‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬الشروخ‭ ‬في‭ ‬جدار‭ ‬العلاقات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬تباعاً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭.‬

والواقع‭ ‬أنّ‭ ‬التقارير‭ ‬الاستقصائية‭ ‬التي‭ ‬نشرتها‭ ‬صحف‭ ‬أمريكية،‭ ‬وكذلك‭ ‬التحليلات‭ ‬والدراسات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬مراكز‭ ‬بحوث‭ ‬أمريكية‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الماضية،‭ ‬تدلّ‭ ‬على‭ ‬اهتمام‭ ‬متزايد‭ ‬بالمسار‭ ‬الذي‭ ‬بدأت‭ ‬تسلكه‭ ‬العلاقات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬شنّ‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭.‬

فقد‭ ‬أولت‭ ‬التقارير‭ ‬اهتماماً‭ ‬خاصاً‭ ‬لفحوى‭ ‬اتصالات‭ ‬هاتفية‭ ‬بين‭ ‬ترامب‭ ‬ونتنياهو‭ ‬في‭ ‬الشهور‭ ‬الماضية،‭ ‬ولاحظت‭ ‬مدى‭ ‬التغيّر‭ ‬الذي‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬يستخدمها‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬نتنياهو‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬توجيه‭ ‬ترامب‭ ‬عبارات‭ ‬بذيئة‭ ‬إلى‭ ‬نتنياهو،‭ ‬وهذا‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭.‬

كما‭ ‬أولت‭ ‬التحليلات‭ ‬السياسية‭ ‬والأكاديمية‭ ‬اهتماماً‭ ‬خاصّاً‭ ‬لدلالة‭ ‬تصريحات‭ ‬أدلى‭ ‬بها‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬جي‭ ‬دي‭ ‬فانس،‭ ‬ووجّه‭ ‬فيها‭ ‬انتقادات‭ ‬حادّة‭ ‬للسياسة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بصفة‭ ‬عامّة،‭ ‬ولسياسة‭ ‬نتنياهو‭ ‬بصفة‭ ‬خاصّة،‭ ‬فوجّه‭ ‬إليها‭ ‬اتهاماً‭ ‬مباشراً‭ ‬بتعمّد‭ ‬الإضرار‭ ‬بالمصالح‭ ‬الأمريكية‭.‬

وهي‭ ‬تصريحاتٌ‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لأيّ‭ ‬مسؤول‭ ‬أمريكي‭ ‬أن‭ ‬أدلى‭ ‬بمثلها‭ ‬إبّان‭ ‬فترة‭ ‬تولّيه‭ ‬المنصب،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بمسؤول‭ ‬يتولّى‭ ‬منصب‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬ويطمح‭ ‬إلى‭ ‬الترشّح‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬المقبلة‭! ‬فإذا‭ ‬أضفنا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تقدّم‭ ‬أنّ‭ ‬تسريبات‭ ‬صحفية‭ ‬عديدة‭ ‬أفادت‭ ‬بأنّ‭ ‬نتنياهو‭ ‬ظلّ‭ ‬يُلحّ‭ ‬فترةً‭ ‬طويلةً‭ ‬في‭ ‬طلب‭ ‬اللقاء‭ ‬بترامب،‭ ‬لكنّ‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬كان‭ ‬يتعمّد‭ ‬عدم‭ ‬الردّ،‭ ‬ولولا‭ ‬الوفاة‭ ‬المفاجئة‭ ‬للسيناتور‭ ‬ليندسي‭ ‬جراهام،‭ ‬التي‭ ‬استغلها‭ ‬نتنياهو‭ ‬لإعلان‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬الحضور‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬التشييع،‭ ‬لما‭ ‬توافرت‭ ‬ظروف‭ ‬مواتية‭ ‬لعقد‭ ‬اللقاء‭ ‬الذي‭ ‬سبقت‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه،‭ ‬ليتبيّن‭ ‬أنّ‭ ‬العلاقات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تمرّ‭ ‬بأزمة‭ ‬مكتومة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة،‭ ‬وأنّ‭ ‬نتنياهو‭ ‬فقد‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬توجّهات‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭.‬

لا‭ ‬يعني‭ ‬ما‭ ‬تقدّم‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬مرشّحة‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬المتبقّية‭ ‬من‭ ‬ولاية‭ ‬ترامب،‭ ‬أو‭ ‬أنّ‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬ينتهجها‭ ‬الأخير‭ ‬تجاه‭ ‬قضايا‭ ‬المنطقة‭ ‬ستشهد‭ ‬تغيّراً‭ ‬ملموساً‭ ‬قد‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬حلول‭ ‬عادلة‭ ‬لها،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬ما‭ ‬يتعلّق‭ ‬منها‭ ‬بالقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬أو‭ ‬بالحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭.‬

‭ ‬صحيح‭ ‬أنّ‭ ‬نتنياهو‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬السياسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬نحو‭ ‬الاقتراب،‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬التطابق،‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬أحيانٍ‭ ‬كثيرة،‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬نجح‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬السياسات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬أو‭ ‬حتّى‭ ‬التأقلم‭ ‬معها،‭ ‬لكن‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬النمط‭ ‬التقليدي‭ ‬والطبيعي‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬أيّ‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬إسرائيلي‭ ‬ورئيس‭ ‬أمريكي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكّده‭ ‬تاريخ‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬البلدَين‭.‬

ففي‭ ‬كلّ‭ ‬مرّة‭ ‬كانت‭ ‬تظهر‭ ‬فيها‭ ‬فجوةٌ‭ ‬في‭ ‬المصالح‭ ‬بين‭ ‬البلدَين،‭ ‬وكانت‭ ‬المصلحة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ممارسة‭ ‬ضغوط‭ ‬لحمل‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بخطوة‭ ‬لا‭ ‬يريدها،‭ ‬ويعتقد‭ ‬أنّها‭ ‬تضرّ‭ ‬بالمصالح‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬كان‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬يضطر‭ ‬إلى‭ ‬التراجع،‭ ‬وليس‭ ‬العكس‭. ‬وكان‭ ‬بمقدور‭ ‬أيّ‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬إسرائيلي‭ ‬أن‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬يختلف‭ ‬معه‭ ‬بوسائل‭ ‬متعدّدة،‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬التلاعب‭ ‬ومحاولة‭ ‬الالتفاف‭ ‬والاحتواء‭ ‬وممارسة‭ ‬الضغوط‭ ‬المضادّة،‭ ‬حتى‭ ‬يتمكّن‭ ‬من‭ ‬إفراغه‭ ‬من‭ ‬مضمونه‭ ‬أو‭ ‬إجبار‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬التراجع،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬تعلّق‭ ‬الأمر‭ ‬بطلب‭ ‬انسحاب‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬أراضٍ‭ ‬تحتلّها‭.‬

كان‭ ‬أيزنهاور‭ ‬هو‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬إجبار‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬سيناء‭ ‬التي‭ ‬احتلّتها‭ ‬خلال‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬عام‭ ‬1956،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قرّرت‭ ‬إسرائيل‭ ‬ألّا‭ ‬تسمح‭ ‬بتكراره‭ ‬مطلقاً‭. ‬صحيح‭ ‬أنّ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مارست‭ ‬ضغوطاً‭ ‬فعلية‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬مختلفة،‭ ‬لكنّ‭ ‬الأخيرة‭ ‬كانت‭ ‬قادرةً‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مرّة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬ذريعةً‭ ‬تمكّنها‭ ‬من‭ ‬التملّص‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الضغوط،‭ ‬حتّى‭ ‬لو‭ ‬اضطرت‭ ‬إلى‭ ‬الانحناء‭ ‬للعاصفة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الأزمة‭.‬

فحين‭ ‬هدّدت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بعد‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬تحرير‭ ‬الكويت‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬بالامتناع‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬حزمة‭ ‬قروض‭ ‬مالية‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬وافقت‭ ‬عليها‭ ‬إذا‭ ‬استمرّت‭ ‬في‭ ‬تعنّتها‭ ‬ورفضت‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬مدريد،‭ ‬رضخت‭ ‬إسرائيل‭ ‬بالفعل،‭ ‬ووافقت‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬المؤتمر،‭ ‬لكنّها‭ ‬تمكّنت‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬أجندته‭ ‬نحو‭ ‬المسارات‭ ‬التي‭ ‬تريدها،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬إفشاله‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭. ‬وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬يقال‭ ‬إنّ‭ ‬ترامب‭ ‬مارس‭ ‬ضغوطاً‭ ‬حقيقية‭ ‬لحمل‭ ‬نتنياهو‭ ‬على‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬خطّته‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬غزّة،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الأخير‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬موافقته‭ ‬على‭ ‬الخطّة‭ ‬ذات‭ ‬الـ20‭ ‬بنداً،‭ ‬لكنّها‭ ‬لم‭ ‬تدخل‭ ‬قط‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ‭. ‬فلا‭ ‬تزال‭ ‬إسرائيل‭ ‬تحتلّ‭ ‬معظم‭ ‬مساحة‭ ‬القطاع،‭ ‬وترتكب‭ ‬يومياً‭ ‬جرائم‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬وتجويعاً‭ ‬بحقّ‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحرّك‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أو‭ ‬حتّى‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الذي‭ ‬اعتمد‭ ‬الخطّة‭ ‬ووافق‭ ‬عليها‭ ‬ساكناً‭.‬

في‭ ‬سياق‭ ‬ما‭ ‬تقدّم،‭ ‬ينبغي‭ ‬التعامل‭ ‬بحذر‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬يُطرح‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬ويُعامل‭ ‬بوصفه‭ ‬بديهياً‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬المناقشة‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬سبقت‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬نتنياهو‭ ‬لعب‭ ‬دوراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬توريط‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬مأزق‭ ‬استراتيجي‭ ‬له‭. ‬وهذا‭ ‬صحيح‭ ‬إذا‭ ‬حكمنا‭ ‬على‭ ‬الحدث‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬السياقات‭ ‬والنتائج‭. ‬لكن‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬إنّ‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬التوريط‮»‬‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬معلومات‭ ‬مضلِّلة‮»‬‭ ‬عرضها‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬اجتماع‭ ‬سرّي‭ ‬مغلق،‭ ‬فهذا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قبوله‭ ‬عقلاً،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬أنّ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تملك‭ ‬من‭ ‬الأجهزة‭ ‬الاستخباريّة‭ ‬ما‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬التحقّق‭ ‬من‭ ‬صحّة‭ ‬ما‭ ‬طُرح‭ ‬ومصداقيته‭.‬

لذلك؛‭ ‬الأرجح‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬قابلية‭ ‬التصديق‮»‬‭ ‬لدى‭ ‬ترامب‭ ‬لكلّ‭ ‬ما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬مدركاته‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬والسياسية،‭ ‬ورغبته‭ ‬الحارقة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬حقّق‭ ‬ما‭ ‬عجز‭ ‬جميع‭ ‬من‭ ‬سبقوه‭ ‬عن‭ ‬تحقيقه،‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬هما‭ ‬ما‭ ‬دفعاه‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬بالمشاركة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬هدفها‭ ‬الرئيس‭ ‬والوحيد‭ ‬إطاحة‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نبني‭ ‬عليه‭ ‬رؤيتنا،‭ ‬سواء‭ ‬فيما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بطبيعة‭ (‬وحجم‭) ‬الفجوة‭ ‬الحالية‭ ‬بين‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬أو‭ ‬فيما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بحقيقة‭ ‬مواقف‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬قضايا‭ ‬المنطقة،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭.‬

لا‭ ‬توجد،‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬أيّ‭ ‬خلافات‭ ‬حقيقية‭ ‬حول‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬ترامب‭ ‬ونتنياهو‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬فكلاهما‭ ‬يريد‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬وكلاهما‭ ‬يريد‭ ‬نزع‭ ‬سلاح‭ ‬حركتَي‭ ‬حماس‭ ‬والجهاد‭ ‬الإسلامي‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬و«الحوثيين‮»‬‭ ‬والمليشيات‭ ‬العراقية،‭ ‬وكلاهما‭ ‬يصرّ‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلّة‭.‬

لكنّهما‭ ‬يختلفان‭ ‬في‭ ‬الوسائل‭. ‬فنجاح‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬المقبلة‭ ‬مرهون‭ ‬بالإبقاء‭ ‬على‭ ‬الحروب‭ ‬مشتعلة‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬الجبهات،‭ ‬ونجاح‭ ‬حزب‭ ‬ترامب‭ (‬الجمهوري‭) ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬لمقاعد‭ ‬الكونجرس‭ ‬مرهون‭ ‬بتهدئة‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬الجبهات‭.‬

{أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا