قبل أشهر قليلة لم تكن مسألة بقاء أو رحيل نتنياهو عن المشهد السياسي مطروحة للنقاش، فكان حتى وقت قريب السياسي الذي لا يمكن هزيمته في إسرائيل، ولكن اليوم أصبحت مسألة إزاحته أمرا ممكنا، سواء في استطلاعات الرأي، أو أنه بات مطلبا دوليا، بما في ذلك رغبة صديقه الرئيس الأمريكي ترامب.
الأهم من ذلك هو أن صفحة إسرائيل السوداء في العالم، بما في ذلك لدى الحليف الاستراتيجي الأهم الولايات المتحدة الأمريكية، لن يكون ثمن إعادة تبييضها سوى رحيل نتنياهو وحكومته الفاشية عن المشهد في إسرائيل.
هذا التحليل المنطقي قد لا يكون مناسبا لإسرائيل، التي تتحكم الغريزة في معظم مجتمعها، واللعب على وتر الخطر الوجودي، فأرقام الاستطلاعات وحدها ورغبة المجتمع الدولي قد لا تكون كافية، فهناك وقت كاف بالنسبة إلى نتنياهو ليقلب المعادلات، فمن الآن وحتى 27 أكتوبر القادم، لدى هذا اللاعب السياسي تكتيكات لاستغلال غريزة المجتمع الإسرائيلي واللعب على أكثر من ورقة ليناور بها، من أبرزها ورقة قطاع غزة، بإشعال الحرب هناك من جديد بحجة نزع سلاح حماس.
وهناك لا تزال فرصة قوية لإعادة الاشتباك مع إيران، وخصوصا إذا وسعت واشنطن من هجماتها.
إيران على ما يبدو حتى الآن لا ترغب بشن هجمات صاروخية على إسرائيل، إنما هي تهدد بمهاجمة البنى التحتية لدول الخليج، وخاصة محطات توليد الكهرباء وتحلية مياه البحر، وانضم إليها الحوثيون في اليمن بإطلاق تهديدات ضد المملكة العربية السعودية ، فطهران تعتقد أن هؤلاء سيصرخون مبكرا، وخصوصا في فصل الصيف الحارق، وإذا ما قررت إيران مهاجمة إسرائيل فإن نتنياهو سيكون سعيدا بهذا الخطأ أو أن تكون الولايات المتحدة بحاجة إلى التدخل الإسرائيلي لتكثيف الضغط، ومن ثم يحصل نتنياهو على الضوء الأخضر الذي ينتظره بفارغ الصبر ليعيد خلط أوراق الانتخابات من جديد لصالحه.
بالنسبة إلى نتنياهو الانخراط في حرب مع إيران هو الأولوية، لأن جبهة غزة مكلفة أكثر على الصعيد الأخلاقي. كما أنها لن تغير الكثير في توجهات الرأي العام الإسرائيلي، إلا إذا قرر نتنياهو احتلال كامل القطاع ويقوم جيشه بنزع سلاح حماس، وهذا أمر مستبعد.
إن فرص نجاة مجرم الحرب أقل من إقصائه، فالمرحلة القادمة هي مرحلة إعادة تجميل وجه إسرائيل، التي تعيش أسوأ مراحل وجودها على الصعيد الأخلاقي، فهي منبوذة على الصعيد الشعبي في معظم دول العالم، وهي في أسوأ أوقاتها في الولايات المتحدة ذاتها.
نتنياهو هو أول رئيس وزراء إسرائيلي ولد في إسرائيل عام 1949، كل سابقيه من بن غوريون إلى بينت ولبيد وأولمرت وشارون، مرورا بإسحاق شامير، وإسحاق رابين، وشمعون بيريز، وليفي اشكول وأيجال ألون وغيرهم، جميع رؤساء حكومات إسرائيل ولدوا خارج فلسطين، في بولندا أو روسيا أو أوكرانيا.
والد نتنياهو الذي جاء من بولندا إلى فلسطين كان من صقور المنظمة الصهيونية وأحد المقربين من زعيم الحركة الصهيونية التصحيحية جابوتنسكي.
نتنياهو سليل عائلة فاشية، ونجح بعد عدة محاولات خلال مسيرته السياسية في تشكيل حكومة فاشية وكانت النتيجة كما رأى العالم، حرب إبادة جماعية وحشية، والاستيلاء على مناطق واسعة في الضفة الغربية، وشن حروب لا تتوقف، حكومة هدفها الرئيسي كان ولا يزال هو تهجير الفلسطينيين.
لا يمكن الجزم بأن نتنياهو لن يعود رئيسا للوزراء، ولكن المنطق يقول إنه يجب أن يرحل، والأكثر منطقية هو أن يرحل ويحاكم أمام محكمة الجنايات الدولية في الوقت نفسه. فالعالم سئم من كون إسرائيل تتصرف كدولة فوق القانون، وكيف لا وهي تقاد على ايدي حكومة فاشية ترتكب جرائم حرب.
من الآن حتى 27 أكتوبر المقبل، موعد الانتخابات في إسرائيل، على الشعب الفلسطيني أن يكون متيقظا وحذرا، في هذه الأشهر الصعبة قد يرتكب نتنياهو وعصابته الفاشية جرائم أبشع في الضفة وغزة، وخصوصا أن هذا اليمين المتطرف بزعامة حزب الليكود يعلم أنه إذا خسر الانتخابات فإنه قد لا يعود إلى الحكم فترة طويلة. ومن ثم سيفقد فرصته النادرة لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وضم أجزاء واسعة من الضفة، وإنهاء السلطة الوطنية الفلسطينية، التي كما قال هذا اليمين إنها قد تتحول إلى دولة فلسطينية.
وبقدر ما كانت السنوات الثلاث الماضية قاسية، فإن الأشهر الثلاثة المقبلة قد تحمل قسوة أشد، لذلك الحذر واجب واستمرار الصمود الفلسطيني ضروري.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك