أمام حكم سيغيّر مجرى حياتك، من تريد أن يكون في مقعد القاضي؟ إنسان يفهم معنى الخوف، أم شاشة تعالج بياناتك؟
القانون في جوهره تأويل لنصوص مكتوبة في ضوء واقع إنساني متغيّر. القاضي يقرأ المادة القانونية وأمامه إنسان بظروفه وتفاصيل أغلبها خارج الملف. لهذا تتباين الأحكام في القضية الواحدة بين قاضٍ وآخر، فالعدالة تحتمل أكثر من وجه، ويبقى الاجتهاد فيها مساحة مشروعة.
الخوارزميات اليوم تحاول أن تحل محل هذا الاجتهاد بثقة متزايدة. يتحدث كثيرون عن الذكاء الاصطناعي في القانون بوصفه أمراً ينتظرنا، وهو حاضر فعلاً في أروقة المحاكم حول العالم، يتقدم بخطوات هادئة تسبق انتباه المشرّعين إليها. في الولايات المتحدة تستعين بعض المحاكم بأنظمة تقدّر احتمالية عود المتهم إلى الجريمة، وفي الصين تنظر محاكم إلكترونية ملايين القضايا عبر منصات رقمية تتولى فيها الآلة جانباً من الإجراءات.
التشريعات في معظم الدول التي بدأت تستعين بالآلة في العمل القضائي لا تزال في طور التكوّن. من يتحمل تبعات قرار أخطأت فيه الآلة مسألة تركتها هذه التشريعات معلّقة بلا جواب. هذا الفراغ تحديداً يمنح القرارات المتخذة اليوم خطورتها، فهي التي سترسم وجه العدالة التي سيعيشها الناس غداً.
الملف القضائي يحكي القضية، والقاضي المتمرس يقرأ الإنسان خلفها. يد ترتجف مع كل سؤال يُلقى عليها، وصمت يفضح صاحبه أكثر مما تفضحه إجابته. هذا ما يمنح القاضي صاحب الخبرة والضمير دوره الفريد، فالعدالة تحكيم إنساني قبل أن تكون عملية حسابية.
وقصور الآلة عن قراءة الإنسان يقابله ما هو أخطر، ثقتها بما تخترعه. في الولايات المتحدة تعرّض محامون لعقوبات قضائية بعد أن قدّموا أمام المحاكم سوابق وأحكاماً اخترعها الذكاء الاصطناعي من العدم، وعجزوا عن تبرير مصادرها لأنها لم توجد أصلاً. الآلة تسوق اختراعاتها بالثقة نفسها التي تسوق بها الحقائق، وفي قاعة توضع فيها حرية إنسان على المحك تتحول هذه الثقة إلى خطر حقيقي.
للذكاء الاصطناعي إسهامات ملموسة يستحق الإنصاف أن تُذكر. سرعته في تحليل الملفات وتصنيف القضايا وفّرت وقتاً ثميناً على القضاة والمحامين. وحين حُلّلت آلاف الأحكام السابقة دفعة واحدة، ظهرت فروق في العقوبة على الجرم الواحد تبعاً لساعة الجلسة أو لخلفية المتهم الاجتماعية، وهي فروق لم يقصدها أصحابها ولم يروها في أنفسهم لأن كل قاضٍ يعيش قضاياه واحدة واحدة. وفتح الذكاء الاصطناعي كذلك باب الاستشارة القانونية أمام من عجزوا عن تحمل أتعاب المحاماة.
والأخطر في هذا كله لحظة تخطئ فيها الخوارزمية في حكم يمس حرية إنسان. القاضي البشري الذي يُخطئ يواجه المساءلة وتُراجع أحكامه أمام درجة أعلى، أما خطأ الآلة فيتوزع بين المبرمج والجهة المستخدمة حتى يذوب بينهما، ويبقى الضرر وحده قائماً في حياة صاحبه. والشريعة حسمت هذا المعنى قبل أربعة عشر قرناً، فجعلت التبعة لصيقة بصاحبها لا موزعة على سواه، والعدالة التي يضيع فيها المسؤول تفقد شرطها الأول.
في أوروبا صُنفت أنظمة الذكاء الاصطناعي القضائية ضمن الفئات عالية الخطورة، وأُلزم مطوّروها بشروط دقيقة قبل طرح أنظمتهم. غير أن هذه الشروط تنظّم دخول التقنية إلى السوق وتتوقف عند باب قاعة المحكمة. فالقاضي وحده من يتحمل عملياً تبعة حكم شاركت الآلة في صنعه، وأدوات فهمها وضبطها تظل خارج متناوله، بينما تنصرف الجهة المطوّرة سالمة. التشريع هنا يوزّع اللوم، ويترك المسؤول الفعلي في الظل.
وللمتقاضي حق سابق على هذا كله، أن يعرف من حكم عليه. الشفافية تقتضي إخباره بأن الآلة شاركت في حكمه وبأي قدر شاركت، وأن يظل باب الاعتراض مفتوحاً أمامه لتُراجع قضيته بعين بشرية كاملة. تشريع يضمن هذين الأمرين يحمي المتقاضي والقاضي معاً، ويعيد المسؤولية إلى موضعها.
ومن موقع من قضت سنوات في العمل القانوني، أعرف أن أصعب ما في هذا العمل لحظة التردد التي تسبق القرار، تلك التي يراجع فيها القاضي نفسه ويزن ثمن حكمه على حياة إنسان. الآلة تصل إلى نتيجتها بلا هذا التردد، ومن هنا يبدأ الفارق. القانون علم، وتطبيقه فن تصنعه ممارسة إنسانية.
ويبدأ الخطر الأكبر من الثقة العمياء التي نمنحها للآلة. يوم يقول قاضٍ أو محامٍ إن النظام قرّر كذا، ويكتفي بذلك، يكون قد تنازل عن أثمن ما يملكه، قدرته على مراجعة القرار ونقده. وقد أدركت مملكتنا هذا مبكراً، فتبنّت الميثاق الاسترشادي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي المعتمد خليجياً، ودشّنت سياستها الوطنية للذكاء الاصطناعي، اعترافاً بأن هذه التقنية تحتاج إلى سقف أخلاقي يسبق برمجتها.
حضور الآلة في قاعات المحاكم سيتّسع عاماً بعد عام، وهذا مسار قائم يصعب ردّه. ما نملكه أن نحدد موقعها من الحكم وموقع الإنسان منه، فتكون الآلة أداة في يد القاضي، ويكون هو صاحب القرار ومن يُسأل عنه. فالعدالة التي نورّثها لأبنائنا يصنعها إنصافها لهم، وهذا الإنصاف صنعة إنسانية خالصة.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك