العدد : ١٧٦٦٥ - الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٥ - الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

من يحاسب الخوارزمية في زمن الذكاء الاصطناعي؟

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ٠٣ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

أمام‭ ‬حكم‭ ‬سيغيّر‭ ‬مجرى‭ ‬حياتك،‭ ‬من‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬مقعد‭ ‬القاضي؟‭ ‬إنسان‭ ‬يفهم‭ ‬معنى‭ ‬الخوف،‭ ‬أم‭ ‬شاشة‭ ‬تعالج‭ ‬بياناتك؟

القانون‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬تأويل‭ ‬لنصوص‭ ‬مكتوبة‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬واقع‭ ‬إنساني‭ ‬متغيّر‭. ‬القاضي‭ ‬يقرأ‭ ‬المادة‭ ‬القانونية‭ ‬وأمامه‭ ‬إنسان‭ ‬بظروفه‭ ‬وتفاصيل‭ ‬أغلبها‭ ‬خارج‭ ‬الملف‭. ‬لهذا‭ ‬تتباين‭ ‬الأحكام‭ ‬في‭ ‬القضية‭ ‬الواحدة‭ ‬بين‭ ‬قاضٍ‭ ‬وآخر،‭ ‬فالعدالة‭ ‬تحتمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬وجه،‭ ‬ويبقى‭ ‬الاجتهاد‭ ‬فيها‭ ‬مساحة‭ ‬مشروعة‭.‬

الخوارزميات‭ ‬اليوم‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تحل‭ ‬محل‭ ‬هذا‭ ‬الاجتهاد‭ ‬بثقة‭ ‬متزايدة‭. ‬يتحدث‭ ‬كثيرون‭ ‬عن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬بوصفه‭ ‬أمراً‭ ‬ينتظرنا،‭ ‬وهو‭ ‬حاضر‭ ‬فعلاً‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬المحاكم‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬يتقدم‭ ‬بخطوات‭ ‬هادئة‭ ‬تسبق‭ ‬انتباه‭ ‬المشرّعين‭ ‬إليها‭. ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تستعين‭ ‬بعض‭ ‬المحاكم‭ ‬بأنظمة‭ ‬تقدّر‭ ‬احتمالية‭ ‬عود‭ ‬المتهم‭ ‬إلى‭ ‬الجريمة،‭ ‬وفي‭ ‬الصين‭ ‬تنظر‭ ‬محاكم‭ ‬إلكترونية‭ ‬ملايين‭ ‬القضايا‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬رقمية‭ ‬تتولى‭ ‬فيها‭ ‬الآلة‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭.‬

التشريعات‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تستعين‭ ‬بالآلة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬القضائي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التكوّن‭. ‬من‭ ‬يتحمل‭ ‬تبعات‭ ‬قرار‭ ‬أخطأت‭ ‬فيه‭ ‬الآلة‭ ‬مسألة‭ ‬تركتها‭ ‬هذه‭ ‬التشريعات‭ ‬معلّقة‭ ‬بلا‭ ‬جواب‭. ‬هذا‭ ‬الفراغ‭ ‬تحديداً‭ ‬يمنح‭ ‬القرارات‭ ‬المتخذة‭ ‬اليوم‭ ‬خطورتها،‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬سترسم‭ ‬وجه‭ ‬العدالة‭ ‬التي‭ ‬سيعيشها‭ ‬الناس‭ ‬غداً‭.‬

الملف‭ ‬القضائي‭ ‬يحكي‭ ‬القضية،‭ ‬والقاضي‭ ‬المتمرس‭ ‬يقرأ‭ ‬الإنسان‭ ‬خلفها‭. ‬يد‭ ‬ترتجف‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬سؤال‭ ‬يُلقى‭ ‬عليها،‭ ‬وصمت‭ ‬يفضح‭ ‬صاحبه‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تفضحه‭ ‬إجابته‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬القاضي‭ ‬صاحب‭ ‬الخبرة‭ ‬والضمير‭ ‬دوره‭ ‬الفريد،‭ ‬فالعدالة‭ ‬تحكيم‭ ‬إنساني‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عملية‭ ‬حسابية‭.‬

وقصور‭ ‬الآلة‭ ‬عن‭ ‬قراءة‭ ‬الإنسان‭ ‬يقابله‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أخطر،‭ ‬ثقتها‭ ‬بما‭ ‬تخترعه‭. ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تعرّض‭ ‬محامون‭ ‬لعقوبات‭ ‬قضائية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قدّموا‭ ‬أمام‭ ‬المحاكم‭ ‬سوابق‭ ‬وأحكاماً‭ ‬اخترعها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬من‭ ‬العدم،‭ ‬وعجزوا‭ ‬عن‭ ‬تبرير‭ ‬مصادرها‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬توجد‭ ‬أصلاً‭. ‬الآلة‭ ‬تسوق‭ ‬اختراعاتها‭ ‬بالثقة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تسوق‭ ‬بها‭ ‬الحقائق،‭ ‬وفي‭ ‬قاعة‭ ‬توضع‭ ‬فيها‭ ‬حرية‭ ‬إنسان‭ ‬على‭ ‬المحك‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الثقة‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ ‬حقيقي‭.‬

للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬إسهامات‭ ‬ملموسة‭ ‬يستحق‭ ‬الإنصاف‭ ‬أن‭ ‬تُذكر‭. ‬سرعته‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬الملفات‭ ‬وتصنيف‭ ‬القضايا‭ ‬وفّرت‭ ‬وقتاً‭ ‬ثميناً‭ ‬على‭ ‬القضاة‭ ‬والمحامين‭. ‬وحين‭ ‬حُلّلت‭ ‬آلاف‭ ‬الأحكام‭ ‬السابقة‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬ظهرت‭ ‬فروق‭ ‬في‭ ‬العقوبة‭ ‬على‭ ‬الجرم‭ ‬الواحد‭ ‬تبعاً‭ ‬لساعة‭ ‬الجلسة‭ ‬أو‭ ‬لخلفية‭ ‬المتهم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وهي‭ ‬فروق‭ ‬لم‭ ‬يقصدها‭ ‬أصحابها‭ ‬ولم‭ ‬يروها‭ ‬في‭ ‬أنفسهم‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬قاضٍ‭ ‬يعيش‭ ‬قضاياه‭ ‬واحدة‭ ‬واحدة‭. ‬وفتح‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كذلك‭ ‬باب‭ ‬الاستشارة‭ ‬القانونية‭ ‬أمام‭ ‬من‭ ‬عجزوا‭ ‬عن‭ ‬تحمل‭ ‬أتعاب‭ ‬المحاماة‭.‬

والأخطر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬لحظة‭ ‬تخطئ‭ ‬فيها‭ ‬الخوارزمية‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬يمس‭ ‬حرية‭ ‬إنسان‭. ‬القاضي‭ ‬البشري‭ ‬الذي‭ ‬يُخطئ‭ ‬يواجه‭ ‬المساءلة‭ ‬وتُراجع‭ ‬أحكامه‭ ‬أمام‭ ‬درجة‭ ‬أعلى،‭ ‬أما‭ ‬خطأ‭ ‬الآلة‭ ‬فيتوزع‭ ‬بين‭ ‬المبرمج‭ ‬والجهة‭ ‬المستخدمة‭ ‬حتى‭ ‬يذوب‭ ‬بينهما،‭ ‬ويبقى‭ ‬الضرر‭ ‬وحده‭ ‬قائماً‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬صاحبه‭. ‬والشريعة‭ ‬حسمت‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬قبل‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬قرناً،‭ ‬فجعلت‭ ‬التبعة‭ ‬لصيقة‭ ‬بصاحبها‭ ‬لا‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬سواه،‭ ‬والعدالة‭ ‬التي‭ ‬يضيع‭ ‬فيها‭ ‬المسؤول‭ ‬تفقد‭ ‬شرطها‭ ‬الأول‭.‬

في‭ ‬أوروبا‭ ‬صُنفت‭ ‬أنظمة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬القضائية‭ ‬ضمن‭ ‬الفئات‭ ‬عالية‭ ‬الخطورة،‭ ‬وأُلزم‭ ‬مطوّروها‭ ‬بشروط‭ ‬دقيقة‭ ‬قبل‭ ‬طرح‭ ‬أنظمتهم‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الشروط‭ ‬تنظّم‭ ‬دخول‭ ‬التقنية‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬وتتوقف‭ ‬عند‭ ‬باب‭ ‬قاعة‭ ‬المحكمة‭. ‬فالقاضي‭ ‬وحده‭ ‬من‭ ‬يتحمل‭ ‬عملياً‭ ‬تبعة‭ ‬حكم‭ ‬شاركت‭ ‬الآلة‭ ‬في‭ ‬صنعه،‭ ‬وأدوات‭ ‬فهمها‭ ‬وضبطها‭ ‬تظل‭ ‬خارج‭ ‬متناوله،‭ ‬بينما‭ ‬تنصرف‭ ‬الجهة‭ ‬المطوّرة‭ ‬سالمة‭. ‬التشريع‭ ‬هنا‭ ‬يوزّع‭ ‬اللوم،‭ ‬ويترك‭ ‬المسؤول‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬الظل‭.‬

وللمتقاضي‭ ‬حق‭ ‬سابق‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬عليه‭. ‬الشفافية‭ ‬تقتضي‭ ‬إخباره‭ ‬بأن‭ ‬الآلة‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬حكمه‭ ‬وبأي‭ ‬قدر‭ ‬شاركت،‭ ‬وأن‭ ‬يظل‭ ‬باب‭ ‬الاعتراض‭ ‬مفتوحاً‭ ‬أمامه‭ ‬لتُراجع‭ ‬قضيته‭ ‬بعين‭ ‬بشرية‭ ‬كاملة‭. ‬تشريع‭ ‬يضمن‭ ‬هذين‭ ‬الأمرين‭ ‬يحمي‭ ‬المتقاضي‭ ‬والقاضي‭ ‬معاً،‭ ‬ويعيد‭ ‬المسؤولية‭ ‬إلى‭ ‬موضعها‭.‬

ومن‭ ‬موقع‭ ‬من‭ ‬قضت‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬القانوني،‭ ‬أعرف‭ ‬أن‭ ‬أصعب‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬لحظة‭ ‬التردد‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬القرار،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يراجع‭ ‬فيها‭ ‬القاضي‭ ‬نفسه‭ ‬ويزن‭ ‬ثمن‭ ‬حكمه‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬إنسان‭. ‬الآلة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬نتيجتها‭ ‬بلا‭ ‬هذا‭ ‬التردد،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬الفارق‭. ‬القانون‭ ‬علم،‭ ‬وتطبيقه‭ ‬فن‭ ‬تصنعه‭ ‬ممارسة‭ ‬إنسانية‭.‬

ويبدأ‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬العمياء‭ ‬التي‭ ‬نمنحها‭ ‬للآلة‭. ‬يوم‭ ‬يقول‭ ‬قاضٍ‭ ‬أو‭ ‬محامٍ‭ ‬إن‭ ‬النظام‭ ‬قرّر‭ ‬كذا،‭ ‬ويكتفي‭ ‬بذلك،‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬تنازل‭ ‬عن‭ ‬أثمن‭ ‬ما‭ ‬يملكه،‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬مراجعة‭ ‬القرار‭ ‬ونقده‭. ‬وقد‭ ‬أدركت‭ ‬مملكتنا‭ ‬هذا‭ ‬مبكراً،‭ ‬فتبنّت‭ ‬الميثاق‭ ‬الاسترشادي‭ ‬لأخلاقيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المعتمد‭ ‬خليجياً،‭ ‬ودشّنت‭ ‬سياستها‭ ‬الوطنية‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬اعترافاً‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سقف‭ ‬أخلاقي‭ ‬يسبق‭ ‬برمجتها‭.‬

حضور‭ ‬الآلة‭ ‬في‭ ‬قاعات‭ ‬المحاكم‭ ‬سيتّسع‭ ‬عاماً‭ ‬بعد‭ ‬عام،‭ ‬وهذا‭ ‬مسار‭ ‬قائم‭ ‬يصعب‭ ‬ردّه‭. ‬ما‭ ‬نملكه‭ ‬أن‭ ‬نحدد‭ ‬موقعها‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬وموقع‭ ‬الإنسان‭ ‬منه،‭ ‬فتكون‭ ‬الآلة‭ ‬أداة‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬القاضي،‭ ‬ويكون‭ ‬هو‭ ‬صاحب‭ ‬القرار‭ ‬ومن‭ ‬يُسأل‭ ‬عنه‭. ‬فالعدالة‭ ‬التي‭ ‬نورّثها‭ ‬لأبنائنا‭ ‬يصنعها‭ ‬إنصافها‭ ‬لهم،‭ ‬وهذا‭ ‬الإنصاف‭ ‬صنعة‭ ‬إنسانية‭ ‬خالصة‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا