يعتبر الدكتور جون إسبوزيتو من أبرز العلماء المختصين في الدراسات الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد توفي في يوم 15 يوليو الماضي، وفور سماع خبر وفاته عبر ابني البكر عن تأثره وحسرته قائلا:
«يا للأسف! لقد كان الفقيد شخصاً رائعاً. لقد تعرفتُ على الإسلام لأول مرة من خلال قراءة كتب الدكتور جون إسبوزيتو التي كانت مقررةً عليّ حين كنتُ طالباً، وهو جعل فهمه أمراً في غاية السهولة. وقد كان لأحد أحفادي رد فعلٍ مماثلٍ إلى حد كبير.
وما لفت انتباهي لم يكن مجرد الأثر الذي تركه «جون» في جيلين من ذريتي، بل القصة الأوسع التي عكستها ردود أفعالهم. فعلى مدى عقود، ومن خلال الدروس التي قدمها لطلبته، والكتب التي ألّفها، والمحاضرات التي ألقاها، والمؤسسات التي أسسها، أسهم الدكتور جون إسبوزيتو في تثقيف ملايين الأمريكيين حول حقائق الشرق الأوسط وتعقيداته، وكذلك العالم الإسلامي الأوسع.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت منخرطةً في تلك المنطقة منذ أمدٍ طويل، إلا أننا كنا نفتقر إلى المعرفة الكافية بأولئك الذين يربو عددهم على المليار نسمة ممن يقطنون المساحة الممتدة من شمال إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، وكذلك بملايين المهاجرين القادمين من تلك المناطق -وذرياتهم- الذين أصبحوا مواطنين أمريكيين.
ولطالما تشكلت تصوراتنا عن هذه البلدان وشعوبها بفعل الأساطير والصور النمطية السلبية. ورغم أن هذا الوضع كان قائماً منذ أمد بعيد، إلا أن الدعاية المعادية للعرب والمسلمين -التي تلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001- أفرزت «صناعة للكراهية» دأبت بلا هوادة على توظيف تلك الصور النمطية كسلاح لتأجيج التعصب وبث الفرقة، ما خلّف تداعيات وخيمة.
شهدت تلك الفترة أعمال عنف وتهديدات بالعنف وممارسات تمييزية في مجالات التوظيف والسكن والأماكن العامة. وقد دعتني «اللجنة الأمريكية للحقوق المدنية» للإدلاء بشهادتي حول ما شهدته تلك الفترة من أحداث وردود فعل عنيفة.
وفي سياق شهادتي، قمت بتوثيق مئات الأمثلة المروعة (بما في ذلك تهديدات بالقتل استهدفتني وأفراد عائلتي) التي وقعت خلال الأسابيع القليلة الأولى فقط التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
دخل الدكتور جون إسبوزيتو غمار هذا الانقسام العصيب بصفته مربياً وصوتاً يبعث على السكينة ومُداوياً. وبصفته محاضراً دؤوباً وبانياً للمؤسسات وكاتباً غزيراً، فقد أرسى رصيداً فكرياً وأسس مراكز تعليمية أسهمت في إحلال التفاهم محل الجهل والتحيز والكراهية.
لقد تعرفت عليه بحكم زمالتنا في جامعة «تمبل»، حيث نلنا معاً درجة الدكتوراه تحت إشراف العالم الإسلامي إسماعيل الفاروقي. وعقب مقتل إسماعيل وزوجته لمياء بوحشية في منزلهما عام 1986، طُلب مني ومن جون -بالاشتراك مع زميلنا أنيس أحمد- إلقاء كلمات تأبين في حفل التأبين الذي أقيم في واشنطن.
كان اختيارنا نحن الثلاثة مثيراً للاهتمام نظراً إلى اختلاف مساراتنا المهنية منذ أن جمعتنا أيام الدراسة في جامعة «تمبل»؛ فقد شغل أنيس أحمد منصباً إدارياً بارزاً في الجامعة الإسلامية بباكستان، وكان الدكتور جون إسبوزيتو يُدرّس مادة الدين في كلية «هولي كروس» بولاية ماساتشوستس، بينما كنتُ أنا أتولى إدارة «المعهد العربي الأمريكي» في واشنطن، حيث عملتُ على تعزيز المصالح السياسية للأمريكيين من أصل عربي.
وفي الحقيقة فقد عكست هذه المسارات الثلاثة المختلفة مجتمعةً جوانبَ متعددةً من المسيرة المهنية الثرية للعالم الإسلامي إسماعيل الفاروقي، إذ مثّلت أدوار الإداري، والأكاديمي، والناشط السياسي.
وعلى مدى العقود الأربعة الماضية قادتنا مساراتنا المهنية إلى وجهات مختلفة، إلا أن أحداً منا لم يقطع شوطاً مماثلاً لما قطعه الدكتور جون إسبوزيتو في مساره المختار، أو يحقق إنجازات بحجم ما حققه؛ فقد أصبح أستاذاً متفرغاً في جامعة جورجتاون، وأسس فيها «مركز التفاهم الإسلامي-المسيحي» وأطلق «مبادرة الجسر» (The Bridge Initiative) المعنية بحماية التعددية وإنهاء ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، كما ألّف خمسة وخمسين كتاباً حول الإسلام والمجتمعات المسلمة في شتى أنحاء العالم، وأشرف على تحرير عدة مشاريع لصالح جامعة أكسفورد البريطانية.
ولطالما تحدثتُ مع الدكتور جون إسبوزيتو عن الدور الذي لعبه العالم الإسلامي إسماعيل الفاروقي في فتح الأبواب أمامنا في بدايات مسيرتنا؛ فحتى بعد مرور سنوات على مقتله، وحين كان يتم تقديمنا في المحافل التي نلقي فيها كلماتنا، كانت عبارة «وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة تَمبل حيث تتلمذ على يد إسماعيل الفاروقي» الواردة في سيرتنا الذاتية تثير همسات استحسان بين الحضور.
وكان من المعتاد -عقب انتهاء أحاديثنا- أن يتقدم إلينا بعض الأشخاص، لا لطرح أسئلة عما قلناه، بل للحديث عن مدى الأهمية البالغة التي كان يمثلها العالم الإسلامي إسماعيل الفاروقي في حياتهم.
ولهذا السبب، كان من المهم للغاية بالنسبة إلي أن أسمع ردود فعل ابني وحفيدي؛ فقد كانت بمثابة تذكيرٍ بالدور الذي لعبه عمل الدكتور جون إسبوزيتو في إثراء وتعميق فهم جيلين كاملين.
وعلى غرار ذلك المعلم الذي جمعنا به، سيظل إرثه -المتمثل في الكتب التي ألّفها، والمحاضرات التي ألقاها، والمؤسسات التي أنشأها- حياً ومستمراً في التأثير على حياة الناس في شتى أنحاء العالم.
{رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك